إن الألفاظ ملك لجميع الناس، وهي تستخدم في كل فن من الفنون الأدبية، ولكن كل فن -كما سبق أن قلنا- يستخدمها بطريقته الخاصة، فاللغة في الشعر الناجح تبدو "تركيبية"، في حين أنها في النثر "تحليلية"؛ ذلك أن "التركيب" عملية يقتضيها العمل الشعري، في حين أن التحليل تقتضيه الكتابة النثرية. ولماذا يقتضي الشعر التركيب، والنثر التحليل؟ إذا نحن رجعنا إلى الفكرة الأولية التي بدأنا بها هذا الفصل عرفنا السبب، فقد قلنا: إن الشعر انفعال والنثر تفكير، وطبيعة الانفعال أنه -بحسب تجربتي على الأقل- ينتقل جملة، ولا يثبت للتحليل إلا في يدي الدارس، أما التفكير المنطقي المنظم فالتحليل ضروري له. وهنا نستطيع بسهولة أن نستخدم تعبيرين آخرين عن نفس الفكرة، هما: أن التجربة الشعرية -من حيث هي وحدة- لا تتكون في النفس
[ ٧٦ ]
على نحو ما يتكون التفكير المنطقي المنظم، ولا هي تتبع الطريق الذي يسلكه ذلك التفكير حتى يخرج في صورة لفظية. وقد رحنا نقول: إن هذا معنى شعري وذاك منطقي على أساس من اعتبار للتجربة الشعرية عند الشاعر، والفكرة المنطقية عند غير الشاعر، وهو اختلاف جوهري، كما يقول "جاك ماريتان"١.
ولكن ينبغي هنا أن ندرك أن اللغة في مجملها ذات طبيعة تحليلية "أغلب اللغات لها هذه الطبيعة، وبعضها -كاللغة العربية- تركيبي"، ولكن تجربة الشاعر وحده. وهنا تأتي المفارقة في عمل الشاعر؛ لأنه يريد إنتاج تركيب معين من خلال اللغة ذات الطبيعة التحليلية، "وإحداث أثر تركيبي من خلال أداة تحليل يمثل نجاحًا للشاعر، والنثر الذي هو طريقة تعبيرية أكثر ميلا إلى التحليل، لا يتمثل فيه مثل هذه المفارقة بنفس الدرجة"٢.
ولكي يستخدم الشاعر هذه الأداة التي يستخدمها غيره، والتي تتمشى مع أغراضهم أكثر مما تسعفه، فإنه يجد نفسه مضطرا في كثير من الحالات لأن يغير من قيمة هذه العملة، وهذا التغيير يحدث أحيانًا على ألسنة الناس أنفسهم، وأحيانًا أخرى نتيجة للضرورات المفاجئة في التعبير الفني، وقد يحدث هذا التغيير من القلم المتردد في يد المؤلف. وكل هذه التغييرات التي يحدثها الشعر في اللغة يجعل منها شيئًا آخر، إنها تصبح لغة شعرية لا أنها في ذاتها لها هذه الخاصية، ولكن لأنها خضعت للتجربة الشعرية في نفس الشاعر، ومقتضيات التعبير عن هذه التجربة.
فإذا نحن اعتبرنا هذا الأساس، تبين لنا الخطأ في محاولة فهم طبيعة الشعر من خلال نظرية في الغاية من الشعر بعامة، تجعل مهمته تربية الشبان وتثقيفهم. والذين يأخذون بذلك يخلطون -كما يقول فاليري- بين الآراء العامة والمتعة المباشرة التي يثيرها العمل الفني. إنهم يفهمون العمل الفني على مرحلتين، فلا يفهمون القصيدة أو يتذوقونها من حيث هي شعر تذوقًا مباشرًا، ولكنهم يترجمونها -إذا صح التعبير- إلى النثر أولا، ثم يفهمونها ويتذوقونها ويحكمون عليها أخيرًا من خلال هذا النثر. فهم يعاملون القصيدة كما لو كانت منقسمة إلى عبارة نثرية مكتفية بذاتها وقائمة وحدها من جهة، وإلى قطعة موسيقية خاصة من جهة أخرى، ثم يمضون فيقسمون العبارة بدورها فتنحل في أيديهم إلى متن صغير "قد يقل في بعض الأحيان إلى أن يصل إلى كلمة
_________________
(١) ١ Jaques Maritain: Creative thought in Art and Poery. Bollingen seriels.، New York ١٩٣٥. pp. ٢٥٧-٨. ٢ David Daiches: Poetry.، "ed in: the Enjoyment of the Arts.، Philo. Libr. ١٩٤٤ pp. ١٧٨ ff.
[ ٧٧ ]
واحدة أو عنوان العمل ذاته" وإلى كمية من التوابع، كالمحسنات والصور "التفصيلات الجميلة". أما فيما يختص بموسيقى الشعر، فإنهم يقفون منها بعيدًا، فبعضهم يعتقد أنه شيء لا يمكن إغفاله والتهاون فيه، وهي عند بعضهم موضوع لدراسات تجريدية علمية أحيانًا، وغير مثمرة في العموم.
فنقل القصيدة من صورتها "الشعرية" إلى صورة "نثرية" يعد قتلا للشعر فيها. القاعدة العامة التي تقول: إن كل ما يمكن أن يقال في النثر من الأفضل دائمًا قوله١ نثرًا -وهذا ما يؤكد الفارق الجوهري بين الشعر والنثر- هذه القاعدة تؤكد أن تحويل "العملة الشعرية" إلى "عملة نثرية" غير مستطاع إلا على حساب الشعر ذاته. وكلما كانت القصيدة "شعرية" قل إمكان التفكير فيها "نثريا" دون أن تتلف. فتلخيص القصيدة وصياغتها نثرًا يعد جهلا تاما بجوهر الفن، وليست الأفكار التي تظهر أو يوحي بها نص القصيدة هي الشيء الوحيد والرئيسي في الكلام، ولكنها وسائل تشترك بالتساوي مع الأصوات والإيقاع والانسجام والزخارف في أن تثير نوعًا من التوتر أو الهياج، وأن تخلق فينا عالمًا -أو حالة من الوجود- غاية في التآلف.
وتقسيم القصيدة إلى فكرة وصورة موسيقية ينظر إليهما على حدة، هو خطأ ظاهر، فموسيقى القصيدة ليست عملا مستقلا عن الشعور الذي تحتويه، أو هي لا تتم في زمن مستقل لا تتمثل فيه "الحالة" بكل حذافيرها، وإنما هي جزء أساسي لمن يريد تذوق الشعر من حيث هو شعر. ومن ثم يرى "فاليري" أنه إذا كان المعنى والصوت "أو إذا كان المحتوى والصورة" يمكن انفصالهما بسهولة، فإن القصيدة تنحل وتفسد؛ ذلك أن أي تجزيء لعناصر العمل الفني المتكاملة، واعتبار بعضها مستقلا عن بعضها الآخر، هو في الحقيقة إفساد لهذا العمل ولقيمته التعبيرية والشعورية على السواء.
فإذا انتفى تقسيم العمل الشعري وتفتيته، كان البحث عن فكرة في القصيدة، والحكم عليها بحسب قيمة هذه الفكرة "من وجهة نظر خاصة دائمًا" أمرًا منافيًا لطبيعة الشعر. إن الشعر قد يتضمن الأفكار، ولكن دور هذه الأفكار في الشعر يختلف عنه في النثر، فالفكرة في الكتاب الذي نقرؤه تتحدد في أذهاننا في أشكال متقاربة إن لم يكن في شكل موحد، ولكن الفكرة في القصيدة غير ذلك، فليس هناك معنى حقيقي للنص الذي نقرؤه، ولا سلطان للشاعر ذاته حتى نعود إليه فنعرف منه ذلك المعنى الحقيقي؛ لأنه هو نفسه قد لا يستطيع التحديد. "إنه أراد" أولا، وأخذت عليه هذه الإرادة وجوده
_________________
(١) ١ T. S. Eliot: Points of View.، Faber and Faber، London، p. ٥٢.
[ ٧٨ ]
كله، ولكنه حين لم يستطع التحرك في الخارج وتنفيذ رغباته، راح يتحرك في داخل نفسه. وتتمثل تلك الإرادة في هذه الحركة الداخلية التي امتدت إلى الخارج في صورة لفظية هي ما سميناه القصيدة. ومن ثم قد "يريد" الشاعر شيئًا ويقول شيئًا آخر، وتكون القصيدة عندئذ كالجهاز الذي يستطيع أن يستخدمه كل فرد بأسلوبه وبحسب طرقه؛ وبذلك يفهم كل منا الفكرة في القصيدة على نحو خاص مختلف إلى حد بعيد١.
إن القصيدة في أبسط تصور لها لا تعدو أن تكون مجموعة من الألفاظ مرتبطة ومنسقة على نحو معين، ولكنها حين تتكون على هذا النحو تكون قد اكتسبت شخصية خاصة لها حيويتها ولها فعاليتها. وهذا الارتباط الخاص للألفاظ هو الذي ينشئ العلاقات الجديدة التي تتمثل لنا في صور التعبير المختلفة، التي تظهر دائمًا في الكتابة الشعرية، وأعني بصفة خاصة تكوين "الصورة"، فالألفاظ في ارتباطها تكون في القصيدة مجموعة من الصور التي تنقل إلينا الشعور أو الفكرة.
_________________
(١) ١ أفكار فاليري السابقة مستقاة من كتابه Variete، وبخاصة الجزء الثالث.
[ ٧٩ ]