يقال: اختلف عليه العصران أي اللّيل والنّهار وقد يراد بهما الغداة والعشيّ، لأنّ العصر من أسماء العشي، ولذلك قيل: صلوة العصر، ثم يسمّى الغداة أيضا عصرا، ويثنّى كما يقال: القمران في الشّمس والقمر، وقد تصرفوا هذه اللفظة فقالوا: ألم يجيء فلان لعصر بضم العين أي لم يجيء حين مجيء.
وفي العصر لغتان: الضّم والفتح واستعمل في هذا أحدهما، وكذلك قالوا: أما نام لعصر أي لم ينم حين نومه، وما نام عصرا، وكلّ ذلك بالضّم ويقال: أعصرت الجارية أي بلغت حين إدراكها. قال: قد أعصرت أو قد دنا إعصارها. وهذا كما يقال: أحصد الزّرع وأجذّ النخل، كأنّها بلغت عصر شبابها وعصور شبابها وعصر شبابها، فأمّا فعل كذا عصرة أي مرة، فيجوز أن يكون من ذلك أيضا.
وحكى بعضهم أنّ العصر لما قد سلف، ولم يجيء في شعر الفحولة إلا كذلك وقد جاء في شعر من دونهم، وقال ابن الكلبي: هو الدّهر كلّه الماضي والمؤتنف، ويقال: لا أكلّمك العصرين، وما اختلف العصران، وهما القرنان والطّفلان. قال لبيد:
وعلى الأرض غيابات الطّفل. وقال: يسعى عليها القرنين غلام، وهما العصران والبردان والأبردان والبردتان، ويجمع فيقال: الأبارد. ويراد بها أطراف النّهار.
وقال أبو سعيد الضّرير: العيّوق ما دام متقدّما على الثّريا، ففي الزّمان بقية من الأبارد، وإذا استوى العيّوق مع الثّريّا فقد بقي منها شيء قليل، وقال ذو الرّمة:
وماج السّفا موج الحباب وقلّصت مع النّجم عن أنف المصيف الأبارد
ويقال: اختلف عليه الملوان: أي اللّيل والنّهار. قال ابن مقبل:
[ ١٨٩ ]
ألا يا ديار الحيّ بالسّبعان أمل عليها بالبلى الملوان
وهذا تثنية ملا، وفسّر أمل عليها: طال عليها. قال الشيخ: ويجوز عندي أن يكون أمل من إملال الكتاب، يقال: أمل الدّروس والخلوقة عليها الملوان، ويكون الباء في قوله:
بالبلى: إن شئت زائدة للتأكيد، وإن شئت قلت: أراد بسبب البلى ويكون مفعول أملى محذوفا.
وذكر بعض النّظار أنّ قولهم: ملوان لا يكون اللّيل والنّهار بدلالة قول ابن مقبل نهار، وليل دائم ملواهما. والشيء لا يضاف إلى نفسه ولكنّه المتّسع من الدّهر، ولو قيل: غدّوهما وعشيّهما كان أشبه. وقال ابن أحمر شعرا:
ليهنكم أنّا نزلنا ببلدة كلا ملوة بها ميبس غير منعم
وقد تصرّفوا في هذه اللّفظة على أبينة مختلفة فقالوا: لقيت عنده ملوة من الدّهر وملوة ومليا. قال الله تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
[سورة مريم، الآية: ٤٦] ومضت ملاوة من الدّهر وملاؤه وملاوة. قال أبو ذؤيب شعرا:
حتّى إذا جزرت مياه رزوبة وبأيّ حزّ ملاؤه يتقطّع
ومن هذا قوله تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ
[سورة الحج، الآية: ٤٤] أي أخّرت النّقمة منهم يقال: أملى الله لفلان العمر: أي أخّر عنه أجله، وقوله: بأيّ حز ملاوة، لفظة استفهام والمعنى معنى الخبر أي: تنقطع تلك المياه في حين، وأي حين، والمراد في أشدّ ما كان حاجة إليها عند انتهاء الحر وذهاب الرّطب، وانتشاف الغدران، وهذا كما تقول: في أيّ حين ووقت زيدا حين تمكّن العدوّ منه، وضاقت المسالك به، ويقال: على أيّ حزة أتانا فلان؟ أي أي ساعة وحين، وجئتنا على حزّة منكرة، وكأنّه يعني ما حزّ من الدّهر أي قطع، وإنّما أضاف الحزّة إلى الملاوة، وهما اسمان للوقت، لأنّ المراد بأيّ ساعة من الدّهر، فالحز اسم للجزء اليسير. والملاوة: للممتد المتّصل، وهذا كإضافة البعض إلى الكل، ويقال: تملّيت حبيبا: أي عايشته طويلا ملاوة وحينا، وملاك الله نعمة أي أدامها وأطال وقتها، وقال الأسود بن يعفر:
آليت لا أشريه حتّى يملّني وآليت لا أملاه حتّى تعارقا
قال قطرب: قوله: أملاه أتى به على مليه: بلاه وقالوا: أملاك الجديدان والأجدان والفتنان: أي اللّيل والنّهار، وابنا سمير، وكل ذلك اشتقاقه وطريقته ظاهر، قال:
لم يلبث الفتنان أن عصفا بهم ليل يكرّ عليهم ونهار
[ ١٩٠ ]
وقال آخر:
غدا فينا دهر وراحا عليهما نهار وليل يكثران التّواليا
ومن هذا الباب قولهم: لا أفعله ما اختلف الصّرعان أي الغداة والعشي، ويقال:
الصّرعان: أي الغداة، وبالفتح أيضا ويقال: أتيته صرعي النّهار أي طرفيه من طلوع الشّمس إلى الضّحى، وبالعشيّ بعد العصر إلى اللّيل، ثم قالوا: هما صرعان: أي مثلان، فعلى هذا يراد باختلافهما تصرّفهما، ويقال أيضا: هو ذو صرعين: أي لونين ويجمع على الصروع، وما أدري على أيّ صرعى أمره وقع، أي حاليه وتركهم صريعين: أي ينتقلون من حال إلى حال، وهو يفعله على كل صرعة، أي على كلّ حالة.
وحكى ابن الأعرابي: لا أكلّمك ما اختلف الصّرعان: الحينان غدوة وعشية، ومن كلامهم: عندك ديك يلتقط الحصى صرعيه، يقال: هذا مثلا للنّمام، قال: وعلى هذا: يراد الاختلاف الذي هو ضد الوفاق. فأما قولهم: المصراعان في الأبواب وأبيات الشّعر فيجوز أن يكون من التماثل، ويجوز أن يكون من قولهم: هو صرع كذا أي حذاءه. الزّيادي اختلف عليه الفتنان، أي الغدوة والعشية من الفتون وهو الضّروب.
وقال أبو سعيد في قول الله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا
[سورة طه، الآية: ٤٠] أي فتونا في اليمّ وفي مدين وحيث قيل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[سورة طه، الآية: ١٢] وذكر يعقوب زرته:
البردين والقرنين أي طرفي النّهار. وزرته الغربين أيضا: أي غدوة وعشية. الأصمعي اختلف إليه الرّدفين أي الغداة والعشي- والغداة ردف اللّيل والعشيّ ردف النّهار.
ويقال: لقيته بأعلى سحرين وبأعلى السّحرين أي وقت السّحر الأعلى وهو قبيل الصّبح. قال: غدت بأعلى سحرين تذأل. وبأعلى سحر. قال العجاج: غدا بأعلى سحر وأجرسا. رد بعضهم بيت العجّاج وقال: كان ينبغي أن يقول: بأعلى سحرين لأنّه أوّل تنفّس الصّبح، ثم الصّبح وتقول: أسحرنا كما تقول: أصبحنا- وتسحّرنا أكلنا سحورا- وجئتك بسحر- وبسحرة- وبالسّحر- وسحيرا.
وقال أحمد بن يحيى: الأسحار: الأطراف وبه سمّي سحر، وأنا أراك منذ سحر.
وقال قطرب: أتيتك سحرية وسحريا وسحر، ويقول: سحرى هذه اللّيلة أيضا. قال في ليلة لا نحسّ في سحرّيها وعشائها.
ويقال: صبح ولا جمع له، وصباح وصبيحة وأصبوحة وإصباح، لأنّ العرب تجعل الإصباح لنفس اللّيل، فيقول: أصبح قال فبات يقول: أصبح ليل حتى تجلّى عن صريمة الظّلام.
والصّبح صبحان، كما أنّ السّحر سحران. ويقال: ابنا جمير اليومان اللّذان يستسر القمر
[ ١٩١ ]
فيهما في المحاق قبل البحيرة، وابن حمير أيضا.
وحكى أبو العباس المبرّد أنّه يقال للشّتاء والصّيف: العصران وكذلك لكل مختلفين معناهما واحد. قال الرّبيع بن صبيع:
أصبح منّا الشّباب قد بكرا إن بان منّا فقد ثوى عصرا
يعني سنين كثيرة، والقارنان اللّيل والنّهار وأنشد للكميت شعرا:
يا من عذ يرى من ذواله كم ذا يزيد على إباله
يغدو عليّ مقارنا كالقلونين مع الغزالة
فلا جبانك مشقصا أوسا أويس من الهباله
قوله: على إباله، مثل يقال للرّجل إذا جاء بمكروه ثم أعقب بعده بمثله ضغث يزيد على إباله، والإبالة الحزمة الكبيرة. قوله فلا جبانك يريد لأرمينّك بسهم حبالك. والأوس العطية، وأويس تصغير أوس وهو الذّئب. والهبالة من الاهتبال وهو الاغتنام، وقال بعضهم:
الهبالة اسم ناقة. يقول من يعذرني منه مقارنا غدوة وعشية وقيل في القارنين هما اللّيل والنّهار. ويقال للشّمس والقمر القمران. قال: لنا قمراها والنّجوم الطّوالع. ويقال لهما السّراجان من قوله تعالى: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا
[سورة نوح، الآية: ١٦] والنّيران ومما جاء مثنى من أسماء الكواكب السّماكان الرّامح- والأعزل- والنّسران: الطّائر- والواقع- والفرقدان والشّعريان- العبور- والغميصاء- والمرزمان وهما مرزما الشّعريين والهراران- قلب العقرب والنّسر الواقع والخراتان «١» في الأسد والغميصاوان والوزنان حضار- والوزن والمحلفان وهما حضار والوزن أيضا.
وقال ثعلب الهراران النّسران لأنّهما إذا طلعا في المشرق فهو نهاية البرد وهذا كما قيل: سهيل لأنّ الحرّ يسهل عند طلوعه، وقيل للدّبران الحادي والدّابر والتّابع ويقال: ما رأيته منذ أجردان وجريدان وأجدان وجديدان أي يومان أو شهران. وابنا سمير اللّيل والنّهار والسّمر الدّهر وابنا سبات اللّيل والنّهار، وقيل ابنا سبات رجلان وأنشده شعرا:
وكنّا وهم كابني سبات تعزفا سوى ثم كانا منجدا وتهاميا
وعرقوتا الدّلو والفرغان للمقدّم والمؤخّر، وحكى أبو العبّاس ثعلب: الأثرمان: الدّهر والموت وأنشد شعرا:
[ ١٩٢ ]
ولمّا رأيتك تنسي الذّمام ولا قدر عندك للمعدم
وتجنو الشّريف إذا ما أخلّ وتثني الدّنيء على الدّرهم
وهبت أخاك للأعجمين وللأثرمين ولم أظلم
أخلّ: احتاج من الخلة والأعجمان: السّيل والحريق، وحكى أبو عمر وغلام ثعلب مرزم السّماك ومرزم الجوزاء.