قال أبو عمرو وغيره: الزّمان ستة أشهر، والحين ستة أشهر، قال الله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
[سورة إبراهيم، الآية: ٢٥] وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: الزّمان عندهم أربعة أشهر ويقال: شيء مزمن أي أتى عليه زمان، وكان الزّمانية فيه لامتدادها.
وقال ابن الأعرابي: يقال من الزّمان زمنة، وزمن ومن الزّمانة أيضا يقال: به زمنة وزمن، ويقال: لقيته في الزّمن بين الزّمنين، ألا تراه قد حدّ للّقاء وقتا، وللفراق وقتين، وكلّ قريب، ويقال: لقيته زامت الزّمين أي ساعة في مدة من الدّهر يسيرة. وقال غيرهم: الحين الوقت في كلّ عدد، والملا غير مهموز مثله، ويقال: الحين سبع سنين، واحتجّ بقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
[سورة يوسف، الآية: ٣٥] وقيل هو أربعون سنة لقوله تعالى:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
[سورة الإنسان، الآية: ١] وذاك أنّه روي في الخبر أن آدم ﵇ أتى عليه بعد خلق الله إيّاه وهو طين أربعون سنة ثم نفخ فيه ولم يدر ما هو.
وقيل: الحين ثلاثة أيّام لقوله تعالى: إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ
[سورة الذّاريات، الآية: ٤٣] فكان فيما روى ذلك القدر. وقال آخرون: ثلاث مرّات في اليوم لأنّه تعالى قال:
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٧] إلى وحِينَ تُظْهِرُونَ
[سورة الروم، الآية: ١٨] قالوا: وهذا يقتضي أن يكون في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
[سورة النّحل، الآية: ٦] غدوة وعشية قال الشيخ: المحصّل الصّحيح أنّ قولهم: الحين لما يتطاول من الزّمان ويتقاصر ويكون محدودا أو غير محدود.
[ ١٧٥ ]
وقد حكي عن أبي زيد وأبي عبيدة ويونس أن (الدّهر) و(الزّمان) و(الزّمن) و(الحين) يقع على محدود، وعلى عمر الدّنيا من أوّلها إلى آخرها. قال الأعشى شعرا:
لعمرك ما طول هذا الزّمن على المرء إلّا عناء معن
يريد به الوقت الممتد وقيل في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
[سورة ص، الآية: ٨٨] أراد يوم بدر وقيل: أريد به القيامة. وجميع ما حكيناه عند الفحص يدلّ على أنّ المراد به تبع لمقصود المتكلّمين. فإذا قال: لم ألقك منذ حين وهو يريد تبعيد الوقت، علم ذلك بالحال أو القرينة، وكذلك لو قال: أعطيك حقّك بعد حين، وأراد: تقريب الوقت.
وإذا حلف الحالف على حين، فإن كان من أهل المعرفة بالحين أخذ بقوله، وإن لم يكن من أهلها حمله الإمام على أعرف الأوقات فيه عند العامة، واستظهرنا بعد الحالين في الوجود.
وقال شرقي الزّمن عندهم شهران- والزّمين شهر واحد. وقيل: الزّمان ستة أشهر- والزّمن أربعة أشهر- والزّمين شهران- والحرس كمال السّنة ما بين أولها إلى آخرها. وقال غيره: الحرس ما بين الحين إلى السنة. وقال الخليل: الحرس وقت من الدّهر دون الحقب.
قال شعرا:
وعمرت حرسا دون مجرى داحس لو كان للنّفس اللّجوج خلود
ويقال: شيء محروس، أي عليه حرس، ويقال: أحرس بالمكان، أقام حرسا. قال:
وعلم أحرس فوق عنز- والعنز أكمة صغيرة.
والبرهة عشر سنين. وقال الخليل للبرهة: حين من الدّهر طويل- والعصر عشرون سنة. وقيل: العصر لا يكون إلّا لما سلف. وقوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
[سورة العصر، الآية: ١، ٢] قال ابن الكلبي: هو الدّهر كلّه الماضي والمؤتنف، وقد قيل:
عصر وأعصر وعصور. قال: كر اللّيالي واختلاف الأحصر. وقال آخر: أبعصور من بعد تلك عصور، والعصران الغداة والعشيّ.
والأشدّ ثلاثون سنة، وقيل: هو لما بين ثلاث وثلاثين إلى تسع وثلاثين. قال الشيخ:
تحقيقه بلوغ نهاية القوّة والشّباب. واختلف في بنائه، فمنهم من يقول: هو جمع وواحدة شد ومثله ضب واضب. ومنهم من يقول هو واحد ومثله من الأبنية قولهم آنك وهو الأسرب وقولهم آجر. وقال سيبويه: افعل ليس من أبنية الواحد. وهذان أعجبان عند أصحاب العربية.
والسبت من الدّهر ثلاث مائة سنة، وقال بعضهم: السبت أربعون سنة وأنشده:
[ ١٧٦ ]
وقد نرتعي سبتا ولسنا بحيرة محلّ الملوك تفدة فالمغاسلا
والحقبة من السّتين إلى الثمانين. وقال بعضهم: من السّبع إلى العشر. وقال الخليل:
الحقبة زمان من الدّهر لا وقت له والجمع الأحقاب. وقيل الحقب: السّنون واحدها حقب، والحقب: الدّهر والجمع الأحقاب. وقيل: في قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا
[سورة النبأ، الآية: ٢٣] واحدها الحقب ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم منها مقداره ألف سنة من سني الدّنيا. وذكر قطرب أنّ الحقب بلغة قيس مائة سنة.
والقرن من الثّمانين إلى المائة، وقالت طائفة منهم القرن ثلاثون سنة وقيل القرن أربعون سنة. وقال أبو عمرو غلام ثعلب: الصّحيح عندي أنّ القرن مائة سنة، وذاك أنّ النبيّ ﷺ مسح يده على رأس صبي وقال له: «عش قرنا» فعاش مائة سنة. وقد احتجوا أيضا بقوله ﵇: «خير النّاس قربي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وهذا يدل على أنّ القرن ثلاثون إلى الأربعين.
وقال ابن الأعرابي: الهنيد مائة سنة، والهند مائتا سنة والدهر ألف سنة. وقول الله تعالى: بِضْعَ سِنِينَ
[سورة يوسف، الآية: ٤٣] قيل: إنها سبعة. وقال أكثر أهل اللغة: إنّ البضع لما بين الثّلاثة إلى العشر. وحكي البضع بفتح الياء وقال المبّرد: هو ما بين العقدين إلى الواحد، وإنما جاز في الاثنين أيضا عنده لأنه جمع، وبضع اسم الجماعة المحظورة بالعقود. وقال أحمد بن يحيى: البضع من ثلاثة إلى سبعة وأكثره تسعة، ويقال: بضع عشر وبضعة عشر شهرا، وبضع وعشرون إلّا أنه مع العشرة أكثر وأصله من القطع، يقال: بضعة بضعا والمقطوع بضع، فهو مثل الطّحن والطّحن.
وذكر أبو عبيد الوقص ما زاد من السّنين على العشر، وإحدى عشرة وقص وكذلك المياه التي لا تورد بين المائين المورودين وقص قال والشّنق في الدّية خاصة، وقيل: الوقص والبضع اسمان للعدد فهما يستعملان في كلّ معدود وهذا هو الصّحيح.
والنّيف يجيء بعد العقود يقال: نيّف وعشرون، ونيّف وتسعون، ولا يقال: نيف وعشرة، ويجوز عشرة ونيف لأنه اسم لما يزيد على العقد ووزنه فيعل وأصله من ناف ينوف إذا ارتفع وأشرف وانبسط، ويقال: ناف النّفس ينوف نوفا إذا تحرّك ونسم بعد خفوضه وهموده. ويقال في الدّنف الحرض قد نافت له نفس ترجوه معه، وإذا حمحم الفرس للقضيم، قيل: ناف نوفا، ويقال: أناف على الشيء أي أشرف، نافه يناف. والنّوف السّنام لإشرافه والبطر لزيادته في ذلك الموضع والعلم قال شعرا:
يخبّ به العطّاف رافع نوفه له زفرات بالخميس العرمرم
الآن: فقد قال أبو العباس: يشار به إلى حاضر الوقت، وتلخيص هذا أنّه الزّمان الذي يقع فيه كلام المتكلم فهو آخر ما مضى وأول ما يأتي من الأزمنة، وهذا مراد قولهم:
الآن حد الزّمانين، والذي أوجب بناءه أنها وقعت في أوّل أحوالها بالألف واللام. وحكم الأسماء أن تكون منكورة شائعة في الجنس. ثم يدخل عليها ما يعرّفها من إضافة، وألف ولام فخالفت الآن سائر أخواتها من الأسماء، بأن وقعت معرفة في أوّل أحوالها، ولزمت موضعا واحدا كما تلزم الحروف مواضعها التي وقعت فيها في أوّليتها غير زائلة عنها، ولا نازحة منها واختيرت الفتحة لآخرها لخفّتها ولمشاركتها للألف التي قبله. وقال الفرّاء فيه قولان:
الأوّل: أنّ أصله أنّ الشيء يئين إذا أتى وقته، كقولك: آن لك أن تفعل كذا وإني لك، ثم أدخلوا الألف واللّام عليه، وإن كان فعلا كما يروى أنّه نهى النّبي ﷺ عن قيل وقال فعلان ماضيان وأدخل عن الجارة عليهما وتركا على ما كانا.
الثّاني: إنّ الأصل فيهما أوان، ثم حذف الواو فبقي آن، كما قالوا: رواح وراح، والكلام عليه قد مضى في غير هذا الموضع من كتبنا.
وقولهم أيّان فإنّه يقوم مقام متى، فهو يتضمّن معنى الألف وكان حكمه أن يكون ساكن الآخر، لكنّه حرّك لالتقاء السّاكنين، واختيرت الفتحة لخفّتها ولأنّ قبلها ياء مشدّدة، وهما بين الياء والنّون، ليس بحاجز حصين وهو الألف.
وحكى الكسائي أنّ أبا عبد الرّحمن السّلمي قرأ: أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
[سورة النّحل، الآية: ٢١] بكسر الألف.
وإبّان وأفان فهما معربان متمكّنان وتضيفها فتقول: جئت على إبّان فلان وإفاته أي في وقته، وتفردهما بنزع الجار منهما، فتقول: جئت إبّان ذلك وإفاته، وانتصابهما على الظّرف.
وأما قولهم أوان فمعناه الوقت ويجمع على آونة قال ابن أحمر شعرا:
يؤرّقنا أبو حنش وطلق وعمّار وآونة أنالا
وقد جاء مبينا منونا في قول الشاعر:
طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن ليس حين بقاء
وإن كان متمكنا في جميع الكلام تقول: هذا أوان طيّب، وأدركت أوان فلان، قال أبو العباس: إنّما بني من قبل أنّ الأوان من أسماء الزّمان، وأسماء الزّمان قد تكون مضافات إلى الجمل، كقولك: هذا يوم يقوم زيد، وأتيتك زمن عمرو أمير. فإذا حذفت الجملة من
[ ١٧٧ ]
قولك أوان، وقد يضم معناها وهو في حكم المعرفة بها استحق البناء، ثم عوّضت منها التّنوين كما فعلت ذلك بقولك: حينئذ وساعتئذ وفارق قولك: أوان الغايات، لأن الغايات مضافة إلى المفردات في التقدير، وأوان مضافة إلى جملة فهو كاسم حذف بعضه وبقي بعضه وقد عوّض مما حذف فيه والغايات لم يؤت فيها بما يكون عوضا، ونيّة الإضافة فيه أقوى إذا كانت إلى المفرد لا إلى الجملة، واختيرت الكسرة في أوان لما بني لالتقاء السّاكنين.
وذكر بعض الكوفيين أنّ لات جارت لأوان بمنزلة حرف من حروف الخفض، ولو كان كذلك لفعل به مثل ذلك في قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
[سورة ص، الآية: ٣] .
وأما إذ وإذا فهما اسمان مبهمان. فإذ لما مضى وإذا للمستقبل، فهما كالأسماء النّاقصة المحتاجة إلى الصّلات، لأنّ الأسماء موضوعها أن تدلّ على مسمياتها في الأصل، فإذا صار بعضها لا يدلّ بنفسه على ما هو المطلوب منه واحتاج إلى ما يكشفه، ويوضح معناه حلّ بما بعده من تمامه محلّ الاسم الواحد، وصار هو بنفسه كبعض الاسم، وبعض الاسم مبنيّ. فإذ يوضح بالابتداء والخبر، والفعل والفاعل تقول: جئتك إذ قام زيد، وإذ زيد قام، وإذ يقوم زيد وإذ زيد يقوم، فإذا كان الفعل مستقبلا حسن تقديمه وتأخيره. وإذا كان ماضيا قبح التأخير، لا يقولون: جئتك إذ زيد قام، إلا مستكرها من قبل، أنّ إذ للماضي، فإذا كان في الكلام فعل ماض اختير إيلاؤه إيّاه لمطابقتهما ومشاكلة معناهما. وإذ عند أصحابنا اسم مضاف إلى موضع الجملة التي بعدها، ولا يجازي بها، لأنها مقصورة على وقت بعينه ماض.
وإذا من أسماء الزّمان أيضا ويقع بعدها الأفعال المستقبلة، وهي موضحة بما بعدها كما كانت إذ غير أنها لا يليها إلا الأفعال مظهرة كانت، أو مضمرة كقولك: أجيئك إذا قام زيد، يعني الوقت الذي يقوم فيه، وفيها معنى المجازاة فلذلك لا يقع بعدها إلا الأفعال.
فإذا رأيت الاسم بعدها مرفوعا فعلى تقدير فعل قبله، لأنّه لا يكون بعده الابتداء والخبر وإنّما لم يجازيها لأنّها تقع محدودة، والمجازاة معتودة على أنّها يجوز أن يكون وألّا يكون تقول أجيئك إذا احمرّ البسر، ولا يجوز أن تقول: إن احمر البسر، فلمّا كان إذا لوقت معلوم لم يجاز بها، وإن كان فيها معنى المجازاة، إلا أن يضطر شاعر قال الفرزدق:
ترفع لي خندق والله يرفعنا نار إذا ما خبت نار لهم تقد
ومعنى المجازاة: أنّ جوابها يقع عند الوقت الواقع كما يقع المجازاة عند وقوع الشّرط. ولإذا موضع آخر يكون فيه اسما لمكان وذاك من ظروفه وسيجيء الكلام فيه في الباب الذي يليه.
[ ١٧٩ ]