فأما الصلاة الوسطى: فقد اختلفوا فيها: فروي عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه الفجر، وقال غيره: هي العصر، وقد جاء القرآن في توكيد أمر الفجر بما يصحح قول عليّ فيه، قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا
[سورة الإسراء، الآية: ٧٨] وكلتا الصّلاتين متوسطة لسائر الصّلوات، فإذا جعلت صلوة الفجر الوسطى فهي بين صلوات اللّيل والنهار والنّهار: الظّهر والعصر، واللّيل العشاء أن الأولى والآخرة. وإذا جعلت العصر هي الوسطى: فهي متوسّطة بين الفجر والظّهر من صلوة النّهار. والعشاءين الأولى والآخرة من صلوات اللّيل، وقوله تعالى: الصَّلاةِ الْوُسْطى
[سورة البقرة، الآية: ٢٣٨] مؤكد للدلالة على أنّ الصلوات المفروضات خمس، لا زيادة فيها، ويزيل التّأويل فيما ذهب إليه بعض المتفقهة من فرض الوتر، بالخبر المرويّ عن رسول الله ﷺ: «إنّ الله زادكم صلوة وهي الوتر» وقد يزيد الله النّاس مما يدعوهم إليه من أعمال البر مما هو فضيلة لفاعله، ونافلة للمتقرّب به ولا يكون في قوله: «زادكم صلاة» ما يوجب الفرض، ولو كان الوتر فريضة لكانت عدة الصلاة المفروضات ستا، والسّتّ لا أوسط لها، ولا وسطى، وإنّما الوسط للإفراد، لأنّها تكون منها واسطة وحاشيتان متساويتان، كالخمس فإنّها اثنان في أحد الطّرفين، واثنان في الآخر، وواحد في الوسط، ويجوز أنّ يكون معنى الوسطى: العظمى والكبرى، يراد بذلك فضل محلّها، وزيادة ثوابها والله أعلم أيّ الوجهين هو المراد. وقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٤] يقول: حرمة الشّهر تجب على الفريقين في الكفّ عن
[ ١٦٩ ]
القتال لكنّ الكافر إذا اعتدى، فليس على المؤمن أن يقبض يده، ويلقي بها إلى التّهلكة، بل إذا قوتلوا في الأشهر الحرم كان مطلقا لهم، ومفروضا عليهم قتالهم فيها.
وقوله تعالى: الْحُرُماتُ قِصاصٌ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٤] معنى القصاص: أن تفعل بصاحبك مثل الذي هو فعل بك، فإذا قاتلت الكافر في الشّهر الحرام كما قاتلك فقد قاصعته وفعلت مثل فعله، وقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
[سورة البقرة، الآية: ١٩٤] معناه: جازوه جزاء الاعتداء، فسمّى الجزاء باسم الاعتداء، طلبا للمطابقة في اللّفظ، وإيذانا بأنّ الثّاني كالفرض المؤدّى، فالمواصلة فيه مرعية.