من دلائل تفرد الله بتدبير بريته، وشواهد جري الأمور على إرادته ومشيئته، وحجج وحدانيته التي من جحدها أبان جهلا وعنتا، وبراهين ما أخبر به في قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أنه سبحانه يحمد على ما يسلبه كما يحمد على ما يهبه، ويشكر على ما يزعج ويضر كما يشكر على ما يبهج ويسر، فجئ القلوب ما يحدث فيها انصداعا، ودهم العقول ما يكاد يطيرها شعاعا، لم يلفتها الجزع عن حمده - جل وعز وعلا - ولم يمنعها الوله من الرضى بقضائه، وإن تحملت منه باهظا مثقلا. فالحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه، ولا يخرج شيء من مصنوعاته عن الشهادة له بأنه إله، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي حباه الشرف الباهر، وآتاه الفضائل الجمة والمفاخر، وأحسن العزاء لأمته في قوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) . وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي تولى من رسول الله - صلّى الله عليه - ما أبان به عن حسن صبره، واعتزل أمور الدنيا جانبا إلى أن واراه - ﵇ - في قبره، مع ما تداخل النفوس يومئذ من الحسرات، وفجعت به من الطوارق المستنكرات، حتى غدا ذوو الجلد في قبضة الهلع موثقين أسارى، وظلوا كما قال الله - عز من قائل -: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) وعلى آلهما الأئمة الأبرار، الذي اهتضموا حيث حلوا من الأرض وكانوا، وظلموا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، إلى أن استثمروا من الصبر استعادة حقهم، وضيقوا على أعدائهم مسالك طرقهم، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما.
وإن من حكمة الله - تعالى - وقدرته، وخفي علمه في تدبير خليقته، أن جعل أهل الدنيا فيها متفاضلين، وعند فراقها متساوين متماثلين، إذا نزل بهم حدث الموت لم يتميز فيه قوي من ضعيف، وإذا تجرعوا كأسه لم يختص بمر مذاقها مشروف دون شريف، وذلك يقين لا مجال للشك فيه، وحق لا يطور الباطل بناحية من نواحيه، وقد أخلدت النفوس إلى صحته وركنت، واطمأنت القلوب إلى حقيقته وسكنت، لأنه أمر حتم قد علم بالفطرة، وغامض من غوامض الحكمة، وسر من أسرار القدرة، وفي الصبر على ألمه الموجع، وترك الجزع الذي هو غير نافع ولا منجع، إيضاح للتذلل والخشوع، وإظهار للتضرع والخضوع، وإبانة عن الإخبات لله - جل وعز - فيما شاءه، ودلالة على رضى المخلوق بحكم خالقه فيما سره وساءه، وذلك موصل إلى السلوة بأقوى الأسباب وداع إلى نيلها مع إحراز الأجر الجزيل والثواب. ومن أبى في الرزء إلا الأسى كان بكاه منتهى جهده. وما أحسن قول الحسن البصري: (الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته، وآجرنا على ما لا بدّ لنا منه) .
يقول: كلفنا الصبر، وأكلفنا الجزع، لم يمكنا أن نقيم عليه وأجرنا على الصبر ولا بدّ من الرجوع إليه.
ثم إن التأسي يسهل المصاعب، ويهون المصائب، فلله ابن دريد في قوله: وفي خطوب الناس للناس أسى وإن كانت الخنساء قد غلبت على هذا الباب في المشهور من قولها:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي
وقد جعلت الغدر في تركها قتل نفسها كثرة الباكين حولها. وأين هذا من قول الآخر:
ولقد هممت بقتل نفسي بعده أسفا عليه فخفت ألا نلتقي
فذكر أن علة ما هم به من قتل نفسه الأسف على من فقده، على أن ذلك في قوة قول الخنساء. وإن علة الامتناع ما جاء في الحديث من أن قاتل نفسه في النار. وقد وثق بحصول من فقده في الجنة، وطمع بها إذا لحقه غير قاتل نفسه. وهذا العذر أشرف من عذر الخنساء؛ لأنه للمخافة من عدم اللقاء في المآل، وعذر الخنساء إنما هو للتأسي.
[ ٥٣ ]
فأما قول ابن الرومي مناقضا لهذا الباب، وذاكرا أن التأسي غير مخفف للمصاب:
وما راحة المرزوء في رزء غيره أيحمل عنه بعض ما يتحمل
وضرب من الظلم الخفي مكانه تعزيك بالمرزوء حين تأمل
لأنك يأسوك الذي هو كلمه بلا سبب لو أن رأيك يعدل
وقوله:
ومعز عن الشباب مؤس بمشيب اللدات والأصحاب
قلت لما انتحى يعد أساه
من مصاب شبابه فمصاب
ليس تأسو كلوم غيري كلومي ما به ما به، وما بي ما بي
وقول الآخر:
رأيت التأسي مما يهيج على المرء ساكن أوصابه
وما نال ذو أسوة سلوة ولكن أتى الحزن من بابه
تذكر في مثله أو رآه فأذكره ما به ما به
فذاك من تمويه الفصيح وخدعه، وتصرف البليغ وتنوعه، وإلا فالأول هو الصحيح الذي جاء في الكتاب والسنة. قال الله - تعالى -: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) وقال: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) .
ولولا أن الاجتماع يخفف كل ما ينوء، والاشتراك يهون صعب ما يسوء، لما قال الله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) لأنه نفى عنهم الانتفاع بالاشتراك في العذاب تغليظا عليهم لما قدموه من الظلم.
وقال رسول الله ﷺ: (تأسوا في مصائبكم بي) .
وذلك في كلام البلغاء، ونظم الشعراء أكثر من أن يحاط به.
معلوم أن مالكنا الملك السيّد الأجل الأفضل، ونعوته والدعاء له () سيد ملوك الزمن، ومن فاز بجزيل ثواب الله في حالتي المسرة والحزن. أما المسرة؛ فلأنه يشمل بها جميع عبيده ورعيته، ويستخلص دعاء كل منهم بكريم فعله وجميل نيته، وأما في الحزن؛ فإنه يستعمل حسن الصبر في الأمور التي لا حيلة في دفعها، ويدل بذلك على استحقاقه ما خصه الله به من إعلاء المنزلة عنده ورفعها، لا يرى في العظائم إلا صابرا مسترجعا، ولا ينفك وجهه إلا مسفرا وإن كان متوجعا متفجعا، إذا نازله هم لقيه من الرضى والتسليم بالجيش اللجب المجر، وإذا سما إليه خطب عرف شرف ما يناله في الصبر عليه من جزيل الأجر، على أن محله أعلى وأعظم من أن يكون من الأقدار إلا مخدوما، ومكانه من الله - جل وعز - يكاد يجعله من الأمور الحتمية موقى معصوما. ولما طرق - خلد الله ملكه - بالحادث الجلل، ودهم بالرزء الذي لولاه لرمي عرش المملكة بالثلل، من وفاة أخيه من جهة نسبته، وولده لكفالته إياه وتربيته:
ومن كان يستعفي الإله إذا اشتكى من الأجر في الشكوى وإن عظم الأجر
الأجل المظفر، سيف الإمام، جلال الإسلام، شرف الأنام، ناصر الدين، خليل أمير المؤمنين، الذي حلت وفاته من كل عين عقد وكائها، وأجرى فقده سواد النواظر في نجيع بكائها، وبغت القضاء فيه بأجور حكمه، وأنكر فعله، وشوهد من يومه الأنكد الشنيع ما لم تتمخض المنون بمثله:
ما إن سمعنا بطود قبله طفقت أنامل تتهاداه وراحات
تنافست أعين الباكين حين بكوا كأنما أعين الباكين ضرات
ولقد عفت منيته سبيل التماسك والجلد، وأتت غبطته بما لم يجر في الخاطر ولا جال في الخلد، لأنه - قدس الله روحه - صار إلى رحمة الله ورضوانه، وانتقل إلى جواره وسكنى جنانه، وهو في ريعان عمره وأوله، وشرخ شبابه ومستقبله، مع حسن تركيبه وبنيته، والحكماء في خدمته وتدبير صحته:
بنفسي مولى أسلمته عبيده ومرتحل لم ينتظر أن يودعا
لقد راضه الموت الكريه مذاقه ولو لم يرض لم يرض بالأرض مضجعا
ولا اتخذ الغبراء دار إقامة وقد كان مثواه من النجم أرفعا
فلست ترى إلا مختنقا بعبرته، متنفسا عن نار حسرته، عادما لسكونه وصبره، باكيا على انقطاع أمله، وانفصام ظهره:
والناس مأتمهم عليه واحد في كل دار رنة وزفير
فما يغتبط بدنياه من تأمل هذا الحين، ولا يأمن فيظ النفس إلا من طمع بالصبر وأين وأين؟
وكل أسى لا تذهب النفس بعده فما هو إلا من قبيل التصنع
ولئن مضى إلى جوار الله الكريم، وانتقل إلى ما أعد له من النعيم المقيم؛ فللكافة ما مالكها - ثبت الله دولته - من دوام ظله مسل عن كل موال، وبقاؤه محسن الخلف عن كل من مضى وسلف:
[ ٥٤ ]
لم يستحق الدهر كونكما معا فيه فعوض قاطنا بمودع
والله يجعل كل الأعمار زيادة في مدته وعمره، ويجيب فيه ما يرفعه الحريص في سره وجهره. بكرمه، وطوله، وقدرته وفضله.
ولما كانت خدمة مجلسه العالي - ثبت الله سلطانه - فرضا على عبيد مملكته، وحقا لا عذر في التخلف عن تأديته، وقد صنع شعراء المقام الأشرف - ضاعف الله سعوده، ونصر أحزابه وجنوده - في هذا الباب ما أربوا فيه على من سبقهم، وآيسوا غيرهم من أن يلحقهم؛ بادر المملوك بهذه الخدمة، وأنشأ ما يأتي ذكره في هذه الحادثة الملمة على ما هو عليه من الحال التي ضلت معها العقول، وحجزت الأحزان فيها بين القائل والمقول.
والذي صنعه المملوك: إن كان الدهر قد فجئ بفادح المصيبة، ورمى بسهامه المصمية المصيبة، وبالغ في الفجيعة الفظيعة، وسعى بين الأرواح والأجسام بالفراق والقطيعة، وطرق من المصاب بالأجل المظفر - كرم الله مثواه - بما منع الطرف وسنه، وفتح من الصبر مستحسنه؛ فما حكم مداه إلا في مفاصله، ولا مكن ظباه إلا من مقاتله، ولا سطا إلا على قمره المنير فأخفاه، ولا عدا إلا على رونقه المونق فطمسه وعفاه:
إن خان فيه الدهر عندي إنما في نقصه وعلى محاسنه سعى
في كل يوم عثرة من صرفه لا تستقال بأن يقال لها: لعا
فيا لله! ما أعجب فعله، وأبين جهله، وأقبح إساءته إلى نفسه، وأشنع سواد يومه بعد بياض أمسه:
يوم أظل بغمة لا يشتفي فيها الهدى وبغمة لا تنجلي
وأعجب من ذلك انطلاق الأيدي بعده - شرف الله ضريحه - بتحقيق خبر فقده، والإقدام على التعزية عنه وقد عدمت العقول من بعده، فوا لهفاه على مضيه وذهابه! ووا أسفاه على ما فعله الدهر، ودهى به! ووا حسرتاه! ما أمر العيش لما مر! ووا حرباه! لقد أساء القدر فيه بعدما سر:
لئن حسنت فيه المراثي وذكرها لقد حسنت
من قبل
فيه المدائح
ولله مطيع بن إياس في قوله:
يا أهل، بكوا لقلبي القرح وللدموع الهوامل السفح
يا خير من يحسن البكاء له ال يوم وإن كان أمس للمدح
ومع هذه الحال فليس إلا التسليم والرضى، والتقبل لما حكم الله به وقضى، والتصبر وإن كان عمن لا تجد النفوس منه عوضا. على أن النعمة بالمقام الأعظم المالكي - ثبت الله سلطانه - قد ألانت قلوبا على الدهر قاسية، والموهبة في امتداد ظله قد غدت مصلحة لهذا الكلم آسية:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطا على أنه لولاك لم يمكن الصبر
عرانا ببؤسى لا يماثلها الأسى وإنك نعم لا يقوم بها الشكر
فأوجبت الأولى الملام فلم يلم وأنى له لوم وأنت له عذر!
فالحمد لله الذي جعل المقام المالكي الأفضلي مستقيما للذماء، مجددا ملابس النعماء، مستقرة به الرأفة في الأرض كما استقرت الأدعية في السماء، وضاعف الله للأمة بتخليد ملكه ضروب المنن، وجعله من حوادث الدهر في أمنع المعاقل وأحصن الجنن. بمنه، وطوله، وقدرته، وحوله.
والمملوك يتبع ذلك بلمعة من أحسن ما يرويه للمتأخرين في باب التعازي نظما ونثرا. على أن منها ما يلهب في الضلوع نارا، ثم يستخرجها من العيون أدمعا غزارا:
يا عجبا من حرقات الجوى تصعد نيرانا وتجري مياه!
والناس - وإن رغبوا في التسلي، وحثوا على حسن التعزي؛ عالمون أن في إفاضة الكئيب لدمعته ما يذهب من لوعته، وفي إرساله لعبرته ما يعينه على سلوته.
يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال - عند موت ابنه أيوب - لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة - كالمستريح إلى مشورته - فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من بأس؛ فقد دمعت عينا رسول الله - ﷺ - على ابنه إبراهيم، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا، ثم أقبل عليهما، فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، لكنه لما دفنه، وحثا عليه التراب قال: يا غلام، دابتي، ثم التفت إلى قبره، فقال متمثلا:
[ ٥٥ ]
وقفت على قبر مقيم بقفرة مناخ قليل من حبيب مفارق
فمن مليح هذا الباب قول الشريف الرضي:
خبر تمخض بالأجنة ذكره قتل النفوس وأسلف البلبا (لا)
الشك أبرد للحشى في مثله يا ليت شكي دام فيه وطا (لا)
ينظر إلى هذا المعنى قول مهيار:
كم قد تعللت المنى بك تارة أمن، وطورا خيفة وحذار
وتخالفت فيك الرواة فسرني وتلونت بحديثك الأخبار
ولقد ظننت بها وراء لثامها خيرا، فكشف قبحها الإسفار
ما كنت أول كوكب نزل الدنا وسما إلى نظرائه فتعالى
لا رزء أعظم من مصابك إنه وصل الدموع وقطع الأوصالا
ألا أقالتك الليالي عثرة يا من إذا عثر لازمان أقالا
لمن الصوارم عريت أمطاؤها حول الخيام تنازع الأطوالا
بدلن من لبس الشكيم مقاودا مربوطة ومن السروج جلالا
فجعت بمنصلت يعرض للقنا أعناقها، ويحصن الأكفالا
*** وهذا من قول أبي الفرج الببغاء:
يلقى الطعان بصدر منه ليس له ظهر وهادي جواد ما له كفل
***
إن طوح الفعال دهر ظالم فلقد أقام وخلد الأفعالا
طلبوا التراث فلم يروا من بعده إلا على وفضائلا وجلالا
هيهات فاتهم تراث مخاطر حفظ الثناء وضيع الأموالا
قد كان أعرف بالزمان وصرفه من أن يثمر أو يجمع مالا
وأرى الكمال جنى عليه لأنه غرض النوائب من أعير كمالا
صلى الإله عليك من متوسد بعد المهاد جنادلا ورمالا
طرح الرجال لك العمائم حسرة لما رأوك تسير، أو إجلالا
يريد: حسرة وإجلالا، وأو هاهنا بمعنى الواو؛ قال الله - تعالى -: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا)، وقال الشاعر:
أتى الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر
وقال آخر:
وقد زعمت ليلى بأني أحبها لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وقال مهيار:
كنت خبيئًا ترقب الأيام في ظهوره الميقات أو تراصد
ولا يصح الوزن بالواو؛ لأن الكف لا يجوز في الرجز.
قالوا وقد فجئوا بنعشك سائرا
من ميل الجبل العظيم فمالا
وهو يكثر من هذا المعنى كقوله:
أتنظر كيف تسفع بالنواصي ليالبنا وتعثر بالجبال
وقوله:
جبل هوى لو خر في البحر اغتدى من وقعه متتابع الإزباد
ما كنت أحسب قبل حطك في الثرى أن الثرى يعلو على الأطواد
وقوله:
إن كان ذا الطود خ ر فبعدما استعلى طويلا
وقوله دعاء لمريض:
لا زعزعتك الخطوب يا جبل.
وقوله:
أي طود لك من أي جبال لقحت أرض به بعد حيال
ما رأى حيا نزار قبله جبلا سار على أيدي الرجال
ومن مليح ما في هذه القطعة:
عجبا أصبحت للضيم وما نثر الطعن أنابيب العوالي
لا أرى الدمع كفاء للجوى ليس أن الدمع من بعدك غالي
وبرغمي أن كسوناك الثرى وفرشناك زرابي الرمال
وهجرناك على ضن الهوى رب هجران على غير تقال
كل مأسور يرجى فكه غير من أصبح في قد الليالي
لا تقل تلك قبور إنما هي أصداف على غر لآلي
وقوله أيضا:
أرواحنا دين وما أنفاسنا إلا قضاء والزمان غريمها
لم يشفع الدهر الخؤون لمهجة في العمر إلا عاد وهو خصيمها
يا دهر كم أسهرت لي من ليلة قد كنت قبل؛ أنامها وأنيمها
إن كان رزؤك ذا جسيما فالذي ينمي إليك من الأمور جسيمها
فتعز، إن من العزاء شجاعة وأجل ما عزى نفوسا خيمها
وقوله أيضا:
إن المنايا معدات لأنفسنا وإن أمدت بأعوام وأعوام
نسعى بأقدامنا عنها فتدركنا سبق الجياد وما تسعى بأقدام
ما لي بطي الليالي غير مكترث وما ورائي منها كان قدامي؟!
إن الحياة وإن عزت مخائلها ظل، وإن المنى أضغاث أحلام
نامي البقاء إلى الذاوي تراجعه كلا، وما يرجع الذاوي إلى النامي
وقوله:
[ ٥٦ ]
نغالب ثم تغلبنا الليالي وكم يبقى الرمي على النبال
ونطمع أن يمل من التقاضي غريم ليس يضجر بالمطال
يحط السيل ذروة كل طود ويهون بالجنادل والرمال
هي الأيام جائرة القضايا وملحقة الأواخر بالأوالي
ولأبي الفرج الببغاء:
خلف المدائح بعدك التأبين عن أي حادثة يعزى الدين
ما كان في الدنيا كيومك مشهد بهر العقول، ولا أراه يكون
لم يبق محذورا فكل مصيبة جلل لديه، وكل خطب دون
قرت عيون المشركين وطالما قرت به للمسلمين عيون
ولابن معلى الأندلسي:
أمعتنق الصعيد وكان يغدو عليه وهو معتقل الصعاد
أرى لبس الحداد عليك مما يشق على المهندة الحداد
ومن كلام الوزير أبي القاسم بن المغربي: ولقد سمعت نبأ من هذا الحادث الرائع، وذروا من هذا الخبر المكروه الطلائع، فكنت كالظبي أفزعه القناص، وكالهارب لاحت له الأشخاص، فدافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه، فلما صرح مخض الاستخبار عن محض الحذار؛ فقدت الحس فلا أدعي ألما، وذقت سكون الموت فما أشتكي سقما، وغرقت في أمواج الوساوس، وضعت بين أجبال الهواجس، فلقد كنت يومئذ - وكل يوم يومئذ - عجبا لمعتبر، ومثلا لمفتكر.
فأما قوله: دافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه؛ فهو من قول أبي الطيب:
طوى الجزيرة حتى جائني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
وقد أخذه ابن سعيد الحلبي، فقال، وأحسن:
أتاني وعرض البيد بيني وبينه حديث لأسرار الدموع مذيع
تصاممت عن راويه حتى أربته وإني على ما غالني لسميع
ولما سمع ابن مكنسة إذاعة سر الدموق قال:
دعوها تفض بعد دمع نجيعا نهاها النهى فأبت أن تطيعا
وسر تبدد في عبرة وكنت جمعت عليه الضلوعا
ومن قطعة ابن سعيد:
فلهفي على الآمال فيك فإنها ثوابت لم يقدر لهن شروع
وعز على ساري الدجى أن يجوبه وما لك من بين النجوم طلوع
ألوم عليك الوجد وهو مبرح وأعتب فيك الدمع وهو نجيع
وأعلم أني ما منحتك طائلا وهل هي إلا زفرة ودموع
وقول الوزير: فلقد كنت يومئذ _وكل يوم يومئذ - فالأصل فيه قول الأضبط بن قريع - وكان سيد بني سعد، وكانوا يؤذونه، فلما انتقل عنهم رأى غيرهم يفعل فعلهم، فقال-: بكل واد بنو سعيد. فذهبت مثلا.
وأخذ هذا المعنى متمم بن نويرة، فقال يرثى أخاه مالكا:
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم: إن الأسى تبعث الأسى دعوني؛ فهذا كله قبر مالك
وقال الحجاج في خطبة له: يا أيها الرجل - وكلكم ذلك الرجل_
ولأبي تمام في هذا المعنى:
فلا تحسبن هندًا لها الغدر وحدها سجية نفس كل غانية هند
وللبحتري:
بلوتهم واحدا واحدا فكلهم ذلك الواحد
ومن أحسن ما خوطب به المعزى قول أحمد بن سليمان:
جاءك هذا الصبر مستجديا أجرك في الصبر فلا تجده
سلم إلى الله فكل الذي ساءك أو سرك من عنده
إن الذي الوحشة في داره تؤنسه الرحمة في لحده
ولمهيار:
كلح الصباح بموته عن ليلة نفضت على وجه الصباح ظلامها
فلئن مضى بعلاه دهر صانها فلقد أتى برداه يوم ضامها
وتصرف في معنى البيت الأول، فقال:
صبغت وفاتك فيه أبيض فجره يا للعيون من الصباح الأسود
ثم قال:
ولئن غمزت من الزمان بلين عن عجم مثلك أو عضضت بأدرد
فالسيف يأخذ حكمه من مغفر وطلى، ويأخذ منه سن المبرد
وأخذ هذا المعنى الخفاجي فقال:
لتطل ليالي الدهر بعدك إنه سيان بين صباحه وظلامه
سودته في ناظري كأنما خلعت لياليه على أيامه
وقال:
أشكو فراقك ثم أعلم عنده أن السبيل إلى لحاقك مهيع
وألوم طول الليل أرقب فجره أو ما ظلام الليل بعدك أسفع
وقال:
قد سألنا أطلالكم فأجابت ومن الصمت واعظ ونذير
يا سواد الهموم صرت على الأي ام لما ضاقت عليك الصدور
[ ٥٧ ]
ولمهيار مما لا يجوز أن يتمثل بثانيه إلا شاعر:
أبكيك لا ما تستحق وجهد ما تسع الصبابة أن تسيل محاجري
وأشارك النواح فيك بأنني أبكيك، والتأبين نوح الشاعر
وهذا المعنى أيضا مما تصرف فيه فقال:
خان بكاء العين أجفانه فناح، والنوح بكاء الفم
وقال:
خان بكاء العين أجفانه فناح، والنوح بكاء الفم
وقال:
إن أنفدت عيني عليك دموعها فليبكينك بالقوافي مقولي
وما أحسن قوله في هذه القصيدة:
ما كنت أحسب والزمان مقاتلي
يرمي ويخطئ
أن يومك مقتلي
وقال:
أمر بفي عليك الزلال وآلم جلدي وقع الشفوف
أتحمل فقدك ذاك العظيم جوارح جسمي هذا الضعيف؟!
وهذا ينشد مطلقا ومقيدا؛ فإذا أطلق كان من الأول من المتقارب، وإذا قيد كان من الثاني منه.
وقال:
نعم! هذه يا دهر أم المصائب فلا توعدني بعدها بالنوائب
هتك بها ستر المجامل بيننا ولم تلتفت فيها لقينا المراقب
سددت طريق الفضل من كل وجهة وملت على العلياء من كل جانب
أمن بعده يا دهر أحظى براجع من العيش أو آسى على إثر ذاهب؟
تنافث عن جمر الغضا ناد باته كأن فؤادي في حلوق النوادب
بكت أدمعا بيضا ودمت جباهها فتحسبها تبكي دما بالحواجب
متى دنس الحزن السلو غسلته فعاد جديدا بالدموع السواكب
وهذا تصرف في معنى قول ابن المعتز: إذا دنس الليل أثوابها=غدت في ثياب صباح جديد وقال:
ذهب الذي كانت تجاملني له الدْ دُنيا وتسقط دوني الأخطار
عجبا، يكون الجو بعدك ساكنا واليوم أبيض ما عليه غبار
وكأن كفك لم تبن في ظهرها قبل الملوك وتشهد الآثار
ويخف بين بنانها إن حملت ضبط الحسام ويثقل الدينار
وقال:
بكر النعي فسك فيه مسامعي وأعاد صبحي جنح ليل أليل
الغاية في هذا المعنى قول أبي تمام: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا
رحل الحمام بها غنيمة فائز ما ثار قط بمثلها عن منزل
كانت يد الدين الحنيف وسيفه فلأبكين على الأشل الأعزل
ولابن حيوس:
وليس يعلو قرى الغبراء من أحد ولا يكون لأضياف المنون قرى
حوادث لم تميز في تصرفها من ضيع الحزم ممن أكثر الحذرا
قضى وما إن قضى من لذة وطرا وكم قضت منه آمال الورى وطرا
ومن كلام حسن بن عبد الصمد المعروف بابن أبي الخشباء: غي بدع من الزمان أن تنتكث حباله، وتصرد نباله، وتفهق بالغدر فجاجه، ويجدح بالسم أجاكه، وتراش في قصد الكرام سهامه، ويثار في قبض النفوس عجامه، ولذلك عرفت النفوس مواقع نكره، وأنست بغرائب غدره ومكره، واطمأنت الضلوع وقد أصمت صوائبه، وهجعت العيون وقد استيقظت نوائبه، ولما طرق الحادث بمن لا أسميه تفاديا من تحقيق الخبر بمصرعه، وصونا له عن مورد الحمام ومشرعه؛ رأيت المحامد ذات نور خامد، والمآثر ذات عقد متناثر، والقمر وقد سئم هالته، والصبح وقد خلع الليل عليه غلالته. وشاهدت الفضل وقد أسودت سحنته، واشتدت على الزمان إحنته؛ إذ طرق بما يتجاوز القدر ويوحش الأضالع من صحبة الصدر. هذا - والله - هو المصاب الذي تستعذب فيه الحلوم هفواتها، وتفارق له القلوب سويداواتها، وتستخف النوفس فيه حمل الأوزار، وتأنف العيون من لقائه بغير الدموع الغزار، حتى تجعل ذلك دابها، وتخضب بالنجيع أهدابها، إلا أنه نزل بمن لا يصبح الجزع مالكه، ولا تخطب الخطوب تهالكه، فلذلك ساغ للعبيد أن يخلوا الخدم من الإرشاد إلى مواقف التسليم، والحض على الصبر على الحادث الأليم، ويقتصروا على الرغبة إلى الله ي أن يهب له عقبى الدار، ويغفل عنه جوامح الأقدار، ويسعد بني الدنيا بسعادة حده، ويصون عن درجة الكسوف شموس مجده:
إذا صفحت عنك الليالي وأعربت بحفظك فينا هان كل مضيع
ولابن سنان:
وكيف يفوز الغيث فيك بمنة إذا كنت لا أرضى سحائب أدمعي
وليس بكاء العين إلا خيانة ولا اللؤم إلا أنها بقيت معي
وأين وفائي! لا مدى الدمع بالغ رضاي ولا جهد الصبابة مقنعي
[ ٥٨ ]
تصاممت عن ناعيك حتى أربته ودافعت فيك القول من كل مدفع
ولما أبى إلا يقينا حديثه فزعت إلى جفن من الدمع مترع
فأي حسام حالت الأرض دونه وكان متى يضرب به الخطب يقطع
وهذا الحد فالمملوك يقف عنده، ثم يعطش قلمه بعده، لما يلزم في باب المصاب إذا رمته الليالي وراء ظهرها، وأبعدت الأيام عهده بمرها، من الاكتفاء من القول بيسيره، والاستغناء عن كثيره بقليله، كراهية لتجديد الحزن وتطريته، وإشفاقا من تشييد ما يجب الحرص على تعفيته ولاسيما هذا الفادح الذي نبه خامل الثرى. ومنع الجفون من مصافحة الكرى، وأحزن مليك الأرض وسلطان الورى:
وتر الردى من لو تناول سيفه يوما لنال من الردى ما شاء
وهذا الخطب وإن رمى العقول بالخبل، وعم بالغم أهل السهل والجبل، ولم يسلم أحد فيه من رزء، ولا خلا من الأخذ منه بأوفر جزء؛ فالذي يسهل صعبه، وينفس كربه، ويسيغ صابه، ويخفف أوصابه، أن مالكنا - خلد الله دولته - مكفوف بالحماية، مشمول بالوقاية، محفوظ بعناية الله وكفايته، مخصوص بإطالة العمر وإطابته، جار على عادته في تدبير مملكته، وكلاءة رعيته، وإعزاز دين الله - تعالى - ونصرته. والله - تعالى - يجعل منتقص المدد زيادة في مدته، ولا يخلي البسيطة من رواء سلطانه وبهجته. بفضله وطوله، وحوله، وقدرته.
قال الشيخ أبو القاسم المصنف: كنت أنفذت نسخة هذه الرسالة إلى بعض الرؤساء الكبراء ممن كان يؤثر الوقوف على ما أعمله، فبلغني أن كاتبه قال لما رأى ترجمة هذه الرسالة قبل الوقوف عليها: هلا قال: الغلوة في السلوة وأنكر التدلي، فكتبت إليه: بلغ عبد الحضرة ما انتقد عليه في ترجمة ما خدم به. وما استبعد من التدلي العائد بدنو النائي وتقربه، وقد كان يجب أن يبقى على من عمل عجلا، وترجم مرتجلا، ولم تكن له مهلة لتنقيح ألفاظه وتهذيبها، وإبرازها في معارض تستحسنها النقدة وتهذي بها، وإن بعض من انتقد عليه قال: هلا كانت الترجمة: الغلوة في السلوة؟ وعبدها يقول: أما الغلوة فهي: المرماة، والمغلاة: السهم، فالغلوة: غايته، وهذا ضد مراده؛ وذلك أن التدلي إنما هو التوصل؛ تدليت على الشيء إذا توصلت إليه. ومنه أدلى فلان بحجته إذا توصل بما أتى به إلى بغيته، ومن ذلك قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) وهذه الآية من باب قوله سبحانه: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) . وهو من المقلوب. أي: تنوء بها العصبة أولو القوة و: ثم تدلى فدنا.
وقد قال الشاعر:
لا تقلواها وادلواها دلوا إن مع اليوم أخاه غ (دوا)
وتقلواها: تبعداها، وادلواها: قرباها والدلو من هذا؛ لأنها تقرب الماء بعد بعده.
فقول عبدها: التدلي على التسلي إنما معناه: التوصل إلى السلوة بأسبابها من التاسي، وطلب الثواب، وغير ذلك.
وقول من قال: الغلوة في السلوة، إنما هو الوصول إلى غايته، والفرق بين من قصد التوصل، وبين من بلغ الغاية لا يخفى عن أحد، فقد بان تضاد الترجمتين، وتنافي الغرضين، وما ضر من انتقد لو صبر إلى أن يقف على الرسالة، ثم يقول ما يختار، ولا يعجل بأن يضع مني ما صدر عني، فالله المستعان وصبر جميل.
قال الشيخ أبو القاسم: كانت وفاة الأجل المظفر - ﵁ - يوم الخميس تاسع جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكانت ولادته في سنة تسع وسبعين وأربع مائة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما، حسبنا الله ونعم الوكيل.
١ ١
[ ٥٩ ]