فمن ذلك: قول قاسم بن علي معارضة لأبي عبادة البحتري.
قال البحتري من قصيدة أولها:
بات نديما لي حتى الصباح أغيد مجدول مكان الوشاح
مشبها للثغر:
كأنما يبسم عن لؤلؤ منظم أو برد أو أقاح
وقال القاسم بن علي (الحريري):
نفسي الفداء لثغر راق مبسمه وزانه شنب ناهيك من شنب
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
فالبحتري شبه الثغر بثلاثة، والقاسم شبهه بخمسة وهذا أكثر ما يمكن في بيت.
وإذا استحسن قول الوأواء:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت وردا وعضت على العناب بالبرد
وفيه خمسة تشبيهات بخمسة مشبهات فأن تستحسن هذه العدة لمشبه واحد أجدر.
والقاسم هذا باهر الفضل، فائق الطبع، غزير الأدب، كثير الملح فمما أعرب فيه عن براعته، وأبان عن بديع صناعته، أنه يمدح الشيء فيحسن في مدحه، ثم يذمه فيكشف عن قبحه، كقوله يمدح الدينار:
أكرم به أصفر راقت صفرته
وحببت إلى الأنام غرته
كم آمر به استتبت إمرته
وجيش هم هزمته كرته
وحق مولى أبدعته فطرته
لولا التقى لقلت: جلت قدرته!
وقوله يذمه:
تبا له من خادع مماذق
أصفر ذي وجهين كالمنافق
وحبه عند ذوي الحقائق
يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق
وشر ما فيه من الخلائق
أن ليس يغني عنك في المضائق
إلا إذا فر فرار الآبق
واها لمن تقذفه من حالق
ومن إذا ناجاه نجوى الوامق
قال له قول المحق الصادق
ولا رأي في وصلك لي، ففارق
وقد جعل هذا الشعر على وجه اللغز، وهو كثير الاستعمال لهذه الطريقة. ومن مليحها ما صنعه على لسان السروجي وولده وقاض تقدما إليه، فالذي نسبه إلى السروجي:
[ ٥٠ ]
أيد الله القاضي، إنه كانت لي مملوكة رشيقة القد، أسيلة الخد، صبورة على الكد، تخب أحيانا كالنهد، وترقد أطوارا في المهد، ذات كف ببنان، وفم بلا أسنا، مطبوعة على المنفعة، مطواعة في الضيق والسعة، وطالما خدمتك فحملت، ولربما جنت عليك فآلمت وململت، وإن هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إياها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلفها إلا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثم أعادها وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها.
والذي نسبه إلى الولد: أما الشيخ فأصدق من القطا، وأما الإفضاء ففرط عن خطا، وقد رهنته على أرش ما أوهنته مملوكا لي متناسب الطرفين منتسبا إلى القين، نقيا من الدرن والشين، يقارن محله سواد العين، يغذي الإنسان، ويتحامى اللسان، إن سود جاد، وإن وسم أجاد، وإذا زود وهب الزاد، ومتى استزيد زاد، لا يستقر بمغنى، وقلما ينكح إلا مثنى، يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته.
والذي نسبه إلى القاضي: إما أن تبينا، وإلا فبينا! فقال الولد:
أعارني إبرة لأرفأ أط مارا عفاها البلى وسودها
فانخرمت في يدي على خطأ مني لما جذبت مقودها
فاعتاق ميلي رهنا لديه ونا هيك بها سبة تزودها
فالعين مرهى لرهنه ويدي تقصر عن أن تفك مرودها
وقال الشيخ:
أقسمت بالمشعر الحرام ومن ضم من الناسكين خيف منى
لو ساعفتني الأيام لم ترني مرتهنا ميله الذي رهنا
ولا تصديت أبتغي بدلا من إبرة غالها ولا ثمنا
لكن قوس الخطوب ترشقني بمصميات من هاهنا وهنا
وخبر حالي كخبر حالته ضرا وبؤسا وغربة وضنا
قد عدل الدهر بيننا فأنا نظيره في الشقاء وهو أنا
لا هو يستطيع فك مروده لما غدا في يدي مرتهنا
ولا مجالي لضيق ذات يدي فيه اتساع للعفو حين جنى
فهذه قصتي وقصته فانظر إلينا وبيننا ولنا!
وقال في وصف كرم الخلق: أنا أراعي الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، وأستقل الجزيل للنزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأودع معارفي عوارفي، وأولي مرافقي مرافقي، وألين مقالي للقالي، وأديم تسآلي عن السالي، وأقنع من الجزاء، بأقل الأجزاء، ولا أتظلم حين أظلم، ولا أنقم ولو لدغني الأرقم.
وقال في عكس ذلك: أنا لا آتي غير المواتي، ولا أصافي من يأبى إنصافي، ولا أواخي من يلغي الأواخي، ولا أمالي من يخيب آمالي، ولا أداري من جهل مقداري، ولا أبذل ودادي لأضدادي، ولا أدع إبعادي للأعادي، وإلا فلم أعلك وتعلني؟ وأقلك وتستقلني؟ وأجرح لك وتجرحني؟ ومتى أصحب ود بعسف؟ وأي حر رضي بخطة خسف؟
قد كلت للخل كما كال لي على وفاء الكيل أو بخسه
ولست بالموجب حقا لمن لا يوجب الحق على نفسه
ومن مليح شعره قوله:
لقد أصبحت موقودا بأوجاع وأوجال
وخوان من الإخوا ن قال لي لإقلالي
فكم أخطر في بال ولا أخطر في بال
فمحرابي أحرى بي وأسمالي أسمى لي
فهل حر يرى تخفيف أثقالي بمثقالي
وقوله:
إني امرؤ أبدع بي بعد الوجا والتعب
فزفرتي في صعد وعبرتي في صبب
وأنتم منتجع الراجي ومرمى الطلب
لهاكم منهلةٌ ولا انهلال السحب
وجاركم في حرم ووفركم في حرب
ما لاذ مرتاع بكم فخاف ناب النوب
ولا تستدر آمل حباءكم فما حبي!
فأما قوله:
فزفرتي في صعد وعبرتي في صبب
فمن المعاني التي تصرف فيها الشعراء وتفننوا، وتوسعوا توسعا أجادوا فيه وأحسنوا، فمن ذلك قول ابن أبي سعيد:
شتان في الحالين ما بيننا وبيننا في المنظرين اشتباه
يا عجبا من حرقات الهوى تصعد نيرانا وتجري مياه
وهذا أصنع من بيت القاسم بن علي، لأن القاسم جعل الزفرة غير العبرة، فهذا في ارتفاع والتهاب، وهذه في انحدار وانصباب، وابن أبي سعيد جعلهما شيئا واحدا إذا صعد كان نارا، وإذا جرى كان ماء، فالنار علة الماء؛ لأن صعودها يجريه.
وقد عكسه الآخر في قوله:
[ ٥١ ]
ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرى تلهب منه في الأصابع نار
فجعل الماء علة النار، وأن جريانه سبب لتلهبها.
وقد أحسن الصاحب غاية الإحسان في قوله:
لا تحسبن دموعي البض غير دمي وإنما نفسي نار تصعد ()
ولابن عباد أحد سلاطين الأندلس:
نار وماء صميم القلب أصلهما متى حوى القلب نيرانا وطو (فانا)
ضدان ألف هذا الدهر بينهما لقد تلون في الدهر ألوا (نا)
وأما قول القاسم:
وجاركم في حرم ووفركم في حرب
فمعنى متداول أيضا. ومن مليح ما قيل فيه:
لك العرض المباح لمن بغاه من العافين والعرض المصون
وجارك ضد مالك منذ أما محلك، ذا يعز، وذا يهين
وعلى ذكر قاسم، فللقاضي الرشيد محمد بن قاسم - وكتب به إلى صديق له كانت جاريته تزور داره، فجاءت على عادتها، وسألها أهله أن تقيم عندهم - فاستزار مولاها بقوله:
سيدة الروم رام عترتها مقامها عندهم إلى العتمه
فكن صلاة العشاء زائرنا والنون للجمع ليس للعظمه
ولقد ملح ابن قاسم وتظرف، كما تنوع قاسم وتصرف.
الغزالي:
حلت عقارب صدغه في خده قمرا فجل بها عن التشبيه
قد كنت أعهده يحل ببرجها فمن العجائب: كيف حلت فيه؟!
ولما أنشد المملوك هذين البيتين ابن مكنسة عمل بديها:
قلت إذ ذرفن الدلا
ل على خده الشعر
هذه آية بها ظهر الحسن واشتهر
ما رئي قبل صدغه عقرب حلت القمر
وعلى ذكر القمر والعقرب فقد أحسن ابن المغربي في قوله - وقد لسبت العقرب جارية كان يهواها -:
كم تستحم العين فيك بمائها حتى كأن بها جنون المذهب
إن كان نالك مؤلم من عقرب فالبدر ممتحن ببرج العقرب
وبرج العقرب: هبوط القمر. وقد جاء في الحديث أن رسول الله - ﷺ - نهى عن السفر إذا كان القمر في برج العقرب.
ولمحمود بن القاضي الموفق:
لام العواذل مغرما في حب ملهية وقينه
ولو أنهن رأين تأ ثير الغرام به وقينه
وهذا تجنيس لفظي خطي تركيب، فأما الخط واللفظ فواضحان، وأما التركيب فالكلمتان في عدته متساويتا، وذلك أن الواو في الأولى عاطفة، وهي في الثانية من أصل الكلمة، والنون في الأولى من أصل الكلمة، وفي الثانية ضمير جماعة المؤنث، فأما الهاء فهي في الأولى تاء التأنيث المبدلة هاء في الخط والوقف، وفي الثانية ضمير المفعول الذي هو المغرم.
وهو يكثر من استعمال هذه الطريقة، وهي من أحسن ضروب التجنيس، فمن ذلك قوله:
وقد كان رأيك ركني الذي عليه اعتمادي وها قد وهى
ومن هذه الأبيات:
ترى الشمس يسمو بها أوجها إذا قابلت منهم أوجها
والمملوك يختم هذا الجزء ببعض ما لهذا المملوك محمود من الخدم الشريفة، تحريا للصدق الذي لا يشوبه إفك، وعملا بقول الله - عز من قائل -: (ختامه مسك) فمن ذلك قوله من قصيدة:
لي مهجة جفناك قد فتناها وبغى العدو أذاتها فتناهى
ما كان أفتاها بوصلي رحمة فمن الذي بقطيعتي أفتاها؟
آها لما صنع الهوى بل واها فيه تلذ نفوسنا بلواها
ندية الأردان يفعم نشرها فكأنه أوصاف شاهنشاها
هادي الدعاة الأفضل الملك الذي فخر الزمان بما أتاه وتاها
قد كان عدم العدل أقنط أنفسا فجعلتها تقوى على تقواها
وقوله من قصيدة أخرى:
إني لأشكر بدر الخدر حين بدا وقد تقارب حيانا فحيانا
يرضي الهوى والتقى والعاذلات فما ينفك يجمع إحصانا وإحسانا
إن طالما أوضعت في الغي راحلتي فقد حمانيه وصف الأفضل الآنا
سيف الإمام الذي فخر الملوك بأن غدت تعفر في ناديه تيجانا
يقري العيون جمالا والعفاة جدى ملء الأماني والجانين غفرانا
أغليت قيمة هذا النظم فارتفعت وكان كلا على الأذهان إذ هانا
فما يجوز زمان أنت مالكه ولا يروعنا ما دمت ترعانا
[ ٥٢ ]
قد أورد المملوك في رسالته ومختصره ما يدل على عجزه عن مفترط الخدمة الشريفة وحصره، ولا غرو أن يكون اجتهاده متأخرا عما يلزم ويجب، إذ كان المقام الأعظم مما يخفق كل قلب لمهابته ويجب، والله - سبحانه - يحرس عليه رأي مالكه وسلطانه، ويقره من خدمته فيما يليق بمساكن مثله وأوطانه، بجوده السابغ وإحسانه، وفضله الغامر وامتنانه، إن شاء الله ﷿.