سمع المملوك من ينشد:
لا تعلمن مؤالفا ومخالفا حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين مضاضة في القلب مثل شماتة الأعداء
فقال: يتوجه النقد في البيت الأول لكونه أجرى المؤالف مجرى المخالف في النهي عن إعلام حاليه، وإنما الواجب أن يعلما حاله في السراء؛ لما في ذلك من مسرة المؤالف، وغيظ المخالف، وأن لا يعلماها في الضراء إشفاقا من حزن المؤالف، وشماتة المخالف. والوجه أن يكون البيت:
لا تعلمن مؤالفا ومخالفا بنوازل البأساء والضراء
والدليل على ذلك تعليله إياه في البيت الثاني.
كان المملوك يوما مع إخوان له، وهم يتذاكرون أشياء من الأدب، فأنشد بعضهم قول ابن سعيد الحلبي:
إذا أخذ المرآة ينظر وجهه حسبتهما شمسين بينهما بدر
فأنشد آخر في التشبيه بالمرآة:
والنجم وجه مقبل والبدر مرآة صدية
فقال المملوك: هذا البيت مما جمع تشبيهين بغير أداة، وفيه نقد لا يدرك لمجرد الأدب؛ وذلك أن هذا التشبيه لا يكون إلا في وقت مخصوص، وهو إذا صار القمر بدرا في الثور، وكان ذاهبا إلى مقاربة الثريا، أو منصرفا عنها، لأن النجم - على مذهب العرب - الثريا. ألا تراه شبهها بالوجه، ثم ذلك لا يكون والشمس في الثور، إذ كانت الثريا من كواكبه، وكل كوكب لا يظهر إذا كانت الشمس في برجه؛ لأنه يكون تحت شعاعها.
ومن مليح ما قيل في المرآة:
قوراء تحويك وتحتويها
حاملة أشخاص حامليها
أعجب بها! تريك ما تريها
مظهرة منك بها شبيها
والحسن والقبح جميعا فيها!
وعلى ذكر التشبيه، فقد أحسن بعض الشاميين في قوله - وكتب به إلى صديق له يدعوه على عجة -:
وعندي عجة تزهى بحسن تناهى فاستمالت كل نفس
ولم أر قبل صائغها حكيما يصوغ من الكواكب عين شمس
ومن مليح اللغز فيها قول الآخر في أبيات: حروفها تقرأ مقلوبة: ومراده: اسمها، لا قلب حروفها.
وهذا يدخل في باب المحاضرة بقول الصقلي:
قد جاء بالنسرين يمسح خده ويشوفه
زهر ألذ بقربه ويسرني تصحيفه
ومراده أن (هذه الكلمة التي هي) يسرني، تصحيف نسرين.
وقوله أيضًا في كرسي:
وا وحشتا لمفارق قد كان عيشي أنسه
فاعذر أخاك فإنه شيء يسرك عكسه
ومراده: عكس يسرك.
ومن فضلاء الشاميين السابق المعري، وله رسالة وسمها بتحية الندمان. قال: ولهذا اللقب معنيان: أحدهما، رضيع المدامة، والآخر، فعلان، من الندامة.
فمن محاسنها قوله: صرت إلى حلب، والزمن موشي الجلباب، مقتبل الشباب، قد تم عذاره، ونم بمحاسن وجهه آذاره.
وذكر المملوك بهذا الفصل قول محمد القيرواني - وقد كتب إجابة لمن سأل عما آل إليه حال الجدب -:
[ ٤٩ ]
وأما ما انعجم عليك من حال حولنا فقد برئ - بحمد الله - عليل برانا، وأثرى فقير ثرانا، بطالع وسمي دنا فأسف، وتابع ولي وكف فما كف ثرثارا قطره، محجوبا شمسه وبدره، حتى إذا ركب بالطام، وخيف منه انحطام الأطام، مزق عن الرقعاء صحيح إهابها، واختزن در البر في أصداف ترابها.
وللملوك رسالة في مضاهاة هذه الإجابة منها: وأما استقراؤك حال سنتنا التي وصفتها بالمجدبة، وهي المجدية، ووسمتها بالمهلكة وهي المحيية؛ فقد كانت البلاد مغبرة مقشعرة فيها، وجاء - من كرم الله - ما يذهب عنها الشدائد وينفيها، فأتت جيوش النعم متوافرة مقتحمة، ودنت ضروب المنح مكاثرة مزدحمة. فتأمل الألطاف كيف تستبق ولا يخاف من فوتها، وانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها وذلك أن السحاب أنجم ثم أثجم، والغيث ارتفع ثم اندفع، بهطل لا يخشى ضيمه، في يوم ستارته غيمه، تخال مزنه للشمس عاشقا، وتظنه بها مغرما ولها وامقا، فكلما جعلت تحتجب ظل لعدمها يبكي وينتحب، فعاد نسيم وقتنا عليلا مريضا، وغدا أديم أرضنا صحيحًا أريضًا، قد أحيا انهلال القطر بجرعاتها مواتا، واستحفظت من الحب سرا فوشت به نباتا.
رجع المملوك إلى تحية الندمان.
فمن فصولها: ولقد نشطت يوما للنزهة في جماعة من الغرباء وطنا وفطنا، فمر لنا يوم خنث الشمائل، غنج الضحى والأصائل، فلما قبض المغيب روح الشمس، وصارت من الظلام في رمس، حثثنا الصغير بالكبير، وحدنا عن شرب القليل إلى الكثير.
والمملوك يقول: إن قوله: وطنا وفطنا، من تركيب قول البديع: فما أجرنا حزنا حتى هبطنا بطنا.
وقد أحسن البحتري في قوله:
جلن في يابس التراب فما رم ن طعانا حتى وطئن الطينا
فأما وصفه الشمس في مغيبها، وما استعاره لها عند غروبها؛ فهو مما أغرب فيه، وأتى بإحسان لا يقدر الحاسد يكتمه ولا يخفيه.
وقد أحسن الآخر في وصفها عند أفولها بقوله: فجليت عروس الشمس في الإصفرار، وأخذ الليل يدنس ثوب النهار.
وذكره هاهنا تدنيس الثوب مع جلاء العروس من المعاني التي تبتهج بها القلوب، وتنشرح لها النفوس.