وهو يومٌ لبني تَغْلِبَ على بني تميم أَغارَ النُّعمانُ بن زُرْعَةَ بن هَرْمِيّ بن السَّفَّاح بن خالِدِ بن كَعْب بن زُهَيرِ بنِ تَيْم بن أُسامَةَ، في خَيْل من بني تَغلِبَ، على بني تميم بفَلْجٍ، فلَمّا التقَى النّاسُ، وكان على تَميم هُرَيمُ بن مالكٍ، فنَادى: يالَ مُضَرَ: يا آلَ خِنْدَفَ: ونادى النُّعْمَانُ: يا آلَ تَغلِبَ: يا آلَ مالِكِ بنِ بَكْرٍ: فحَشَدَتْ تَغلِبُ، وحَشَدَتْ تَمِيمٌ، واشتَدَّ القِتَالُ، وعَظُمَ الشَّرُّ بين الفريقَيْن، وكَثُرَ القِيلُ، ثم إِنَّ حَسّانَ بنَ زُرْعَة، أَخَا النُّعْمَانِ، حَمَلَ على هُرَيمِ بن مالك الحَنْظَلِيّ، فطَعَنَه فصَرعَهُ، وتَنادَى القَوْمُ على دَمِهِ، فقُتِل من بني تميمٍ يومَئذٍ مالكُ بن قُرَّةَ، وعَوْفُ بن حابِسٍ وابنُ حُرْثَانَ، وعِقَالُ بن أَوْسٍ وعُطَارِدُ بنُ حارِثة، وخَلْقٌ. وأُسِرَ من سَرَواتِهم نَفَرٌ، وأَصابَتْ تَغْلِبُ سَبَايَا وأَمْوالًا عِظَامًا، وقد كانت تَغلِبُ جالَتْ جَوْلَةً، فثبتَتْ بنو تَيْم بن أسامةَ خاصَّةً، حتى أَزالُوهم عن أَفارِيقهِم، وكانت كُمَاةَ النَّاسِ يومئذٍ بنو زُهَير بن تَيْمٍ، وأَوّلُ مَن قُتِلَ في هذِه الوَقْعَةِ غُلامٌ من بني عِمْرانَ بن تَغْلِبَ يُكْنَى أَبا أُثَالٍ، كان حليفًا في بني حَنْظَلَة، فقال في ذلك اليَوْم النُّعْمَانُ بن زُرْعَةَ:
لَعَمْرُ أَبِيكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي وقَدْ تُجْلَى العَمَايَةُ بالسُّؤَالِ
لِنعْمَ فَوَارِسُ الهَيْجَاءِ تَيْمٌ عَلى فَلْجٍ صَبَاحَ أَبِي أُثَالِ
غَدَاةَ رَأَتْ نَوَاصِيَهَا تَمِيمٌ عِجَالَ الشَّدِّ سَاقِطَةَ النِّعَالِ
عَليْهَا كُلُّ أَصيَدَ مَالِكيٍّ مِن الشُّمِّ الشَّرَامِحَةِ الطِّوَالِ
فَدَارَت بَيْنَنَا رَحَيَا مُدِيرٍ يُسَاقَوْنَ المَنِيَّةَ بالسِّجَالِ
طِعَانٌ تَخْرُجُ النَّسَماتُ منهُ وضَرْبٌ يَخْتَلِي هَامَ الرِّجَالِ
فغُودِرَ مَالِكٌ وأَبو يَزِيدٍ وقَعْقَاعٌ وأَجْلَوْا عن عِقَالِ
وَأُبْنَا بالنِّهَابِ وبالسَّبَايَا وبالأَسْرَى تُقَوَّدُ في الغِلالِ
فقُولاَ لِلأَرَاقِمِ غَيْرَ بَغْيٍ وبَغْيُ المَرْءِ أَقْرَبُ للسَّفَالَ
أَلاَ إِنِّي رَأَيْتُ بني زُهَيرِ فَوَارِسَ مَالِكٍ يَوْمَ النِّزَالِ
كمَا أَنِّي وَجَدْتُ سَرَاةَ غَنْمٍ بَنِي تَيْمٍ إِذَا اخْتَلَفَ العَوَالِي
وقال حسّان بن زُرْعةَ في قَتْلِه هُرَيْمَ بنَ مالِك الحَنْظَلىّ:
سَائِلِي عَنِّي زُهَيْرًا تُخْبَرِي يَوْمَ فَلْجٍ والمَنَايَا تَخْتَطِفْ
يَوْمَ غَادَرْتُ هُزَيمًا ثَاوِيًا وسِنَانُ الرُّمْحِ فيه مُنْقَصِفْ
[ ٢٩ ]
تَعْصِبُ الطَّيْرُ عليه كُلَّمَا حَاوَلَ النَهْضَ تَأَبَّاهُ النَّزَفْ
فنَأَى مِنِّي وفي حَيزومِه مِثْلُ جَيْبِ الدِّرْعِ تَمْكُو وتَكِفْ
ولقَدْ تَعْلَم تَيْمٌ أَنّني نِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ في اليَوْمِ الكَسِفْ
إِذْ لَقِينَا مِن تَمِيمٍ عُصْبَةً كقُرُومِ الشَّوْلِ تَمْشِي في الزَّغَفْ
يَوْمَ نادَتْ في وَغَاهَا خِنْدِفًا وتَنَادَيْنَا بآبَاءٍ شُرُفْ
من زُهَيْر دُونَ حَيَّيْ مالِكٍ وزُهَيْرٌ نِعْمَ مِرْدَاةُ الهَدَفْ
وأَبِي السَّفَّاجُ أَلْفَى خَالِدًا تَالِدَ المجْدِ وكَعْبٌ قد عُرِفْ
عِصْمَةُ النَّاسِ إِذَا مَا أَمْحَلُوا وشِهَابٌ حِينَ تَصْطَكُّ الحَجَفْ
وقالت الحَنْظليَّةُ ترْثِي مَنْ أُصِيبَ منهُم من قصيدَة:
إِنَّ ابْنَ زُرْعَةَ حَسَّانًا وأُسْرَتَه جَرُّوا عَلَيْنَا شُؤُونًا ذَاتَ أَشْجَانِ
أَبْقَى ابنُ زُرْعَةَ أَنْوَاحًا مَفَجَّعَةً تَفْرِي الجُيُوبَ عَلى عَوْفٍ وحُرْثَانِ
فانْعَيْ عِقَالًا وقَعْقاعًا ومِن عُدُسٍ زَيْدَ بنَ عَمْروٍ وأَوْسًا وابنَ زَبَّانِ