الزُّمَّج أخبث الجارج طبعًا، وأشدُّه مكرًا، وربّما تناول عين الحامل له آنس ما كان به.
وحدَّثنا جحظة قال: كان بظهر الكوفة أعرابيّ له زمَّجٌّ يصيد بها في كلّ يومٍ ظبيًا، فيتقوَّت به هو وعياله، فاتَّل خبرها بالواثق، فوجَّه في طلبها بخادمٍ له، فذكر الخادم أنّه وافى الأعرابيَّ وهو جالسٌ بفناء بيته، فسلَّم، فردَّ عليه وقال: ما أنت؟ قال: ضيفٌ، قال: انزل بالرُّحب والسَّعة، فنزل، وقام الأعرابيّ فدخل إلى بيته، وخرج إليه، فجلس معه يحدِّثه حتى قرب وقت الغداء، ثمّ دخل فأخرج إليه كالدَّجاجة العظيمة مشويّةً، فأكلاها، فلمّا أكل قال: أنا رسول أمير المؤمنين، جئتك في طلب الزُّمَّج، قال: يا هذا، هلاّ تكلَّمت قبل ذلك؟ جئتنى والله وما كان في بيتي شيءٌ، غير الزُّمَّج، فلم أدر ما أقريك، فذبحتها وشويتها وأكلناها.
فرجع الخادم إلى الواثق فأخبره الخبر، فعجب من كرم الأعرابيّ، ووجَّه فحمله ووصله بألف دينار.
ورأى المحدثين في الزُّمَّج كرأيهم في العقاب، لقلَّة وصفهم له، وما نعرف فيها غير قول بعضهم:
أَعَددتُ للنّدْمَانِ صَيْدَ زُمَّجِ
عَبْلِ السَّرَاةِ ذي قَوَامٍ عَسْلَجِ
كأَنّه في قَرْطَقٍ مُدَبَّج
بينَ ذُنَابَاهُ وبَيْنَ المنْسجِ
رِيشٌ كمِثْلِ الحُبُكِ المُزَبْرَجِ
يَدفُّ فِعْلَ العائِمِ المُلَجِّجِ
حُجْنٌ خَطَاطِيفُ بكَفَّىْ أَهْوَجِ
تَظُنُّهَا مَخْلوقَةً من عَوْسَجِ
ذي منْسَرٍ كقَرْنِ ظَبْىٍ أَدْعَجِ
وساقِ هِقْلٍ خاضِبِ مُضرَّجِ
أَطلقْتُه في يَومِ دَجْنٍ مُبْهِجِ
فرُحْتُ للشَّرْبِ بعَيْشٍ رَهْوَجِ
أَوْسَعْتُهمْ من القَدِيدِ المُنْضَجِ
ومن حَنِيذِ المُعَجَلِ المُلَهْوَجِ