وهو يومٌ لبني سُلَيمٍ على بني كِنانة قال أَبو عُبَيْدَةَ: لما بلَغَ بني سُلَيْم قولُ يزيدَ بن عَمْروٍ، قالتْ بنو الشَّرِيد، وما لرجُل من بني رِعْلٍ يَطلُبُ ثأْرنا، فأَحْرَمُوا النِّساءَ والدُّهْنَ وشُرْب الخَمْرِ أَو يُدْرِكوا ثَأْرهُم من بني كنانة. فَغَزَا عمرو بن خالدٍِ بن صَخْر ابن الشّريد بقومِهِ في أَلفِ فارِسٍ وأَلفِ رامٍ بني فِراسِ بن مالكٍ، فاقتتَلُوا قِتَالًا شديدًا، تَنَاصَفُوا فِيه، وعلى بني فِراسٍ عبد الله بن جِذْل الطِّعان، ثم إِن بَني سُلَيمٍ قَتلَتْ منهم نَفرًا غير مذكورِين، وسَبَوْا سَبْيًا فيهم أُمُّ عَمْروٍ بنْتُ مُكَدَّمٍ، فقال عبَّاسُ بن مِرْداسٍ يردُّ عَلى عبد الله بن جِذْلِ الطِّعانِ قولهُ: تَجَنَّبْتُ هِنْدًا رَغبةً عن قِتَالِه:
أَلاَ أَبْلِغَا عنّي ابنَ جِذْلٍ ورَهْطَهُ فكَيْفَ طَلَبْنَاكُمْ بكُرْزٍ ومَالِكِ
غَدَاةَ فَجَعْناكمْ بسَعْرٍ وبابْنِهِ وبابْنِ المُعَلَّى عاصمٍ والمُعَارِكِ
ثَمانِيةُ منكمْ ثأَرْنَاكُمُ بِهَا جَمِيعًا وما كانُوا بَوَاءً بمَالِكِ
قَتَلْنَاكُمُ ما بَينَ مثْنَى وموْحَدٍ تَكُبّكُمُ أَرْماحُنا في المَعَارِكِ
نُذِيقُكُمُ والمَوْتُ يبْنِي سُرادِقًا عليكُم بنا حَدَّ السُّيُوفِ البَواتِكِ
تَلوحُ بأَيْدينا كما لاحَ بَارِقٌ تَلأْلأَ في داجٍ من اللَّيْلِ حَالِكِ
فطَوْرًا نُلاقِيكُمْ وطَوْرًا نَعُلُّكُمْ بخَطّيَّةٍ فيها سِمَامُ النَّيَازِكِ
صَبْحَناكُمُ العُوجَ العَناجِيجَ بالضُّحى تَمُرُّ بِنَا مَرَّ الرِّياح السَّوَاهِكِ
إِذا خَرجَتْ من هَبْوة بَعْدَ هبْوَةٍ سمَتْ نَحْوَ مُلْتَفٍّ مِن المَوْتِ شَابِكِ
مُوَكَّلَة بالسَّيْرِ نَحْوَ عَدُوِّنا وبالرَّكْضِ منّا المُلحَقِ المُتَدَارِكِ
وقال هند بن خالدِ بن صخرِ بن الشَّرِيد:
قَتَلْتُ بمالِكٍ عَمْرًا وحِصْنًا وجَلَّيْتُ القَتَامَ عن الخُدُودِ
وكُرْزًا قَدْ أَبأْتُ به شُرَيْحًا علَى إِثْرِ الفَوَارِسِ بالكَدِيدِ
جزَيْنَاهُمْ بما انتَهَكُوا وزِدْنَا علَيْهمْ مثلْ ذَاكَ مِن المَزِيدِ
جَلَبْنَا من جُنُوبِ الفَرْدِ جُرْدًا كطَيْرِ الماءِ غَلَّسَ المْوُرُودِ
[ ٢٠ ]
عليها كلُّ أَرْوَعَ أَرْيحِيٍّ كضَوْءِ البَدْرِ منْ آلِ الشَّرِيدِ
صَبَحْنَا الحَيَّ حَيَّ بَني فِرَاسٍ مُلَمْلَمَةً تَوَقَّدُ في الحَدِيدِ
ولمّا سَمِع نُبيْشَةُ هذا الشِّعرَ غَضِبَ من ذِكْرِهِ يومَ الكَدِيد وافتخاره به، لأَنّه لم يَشهده هِند بن خالد، ولا أَحدٌ من بني الشَّرِيد، وإِنّما كان لنُبَيْشة دون بني الشَّرِيد فقال:
تَنَحَّلُ صُنْعَنَا في كُلّ يَوْمٍ كمَخْضُوبِ البَنَانِ ولا تَصِيدُ
وتَأْكُلُ ما يَعافُ الكَلبُ منه وتَزْعُمُ أَنَّ والدَِكَ الشَّرِيدُ
أَبى لي أَنْ أُقِرُّ الضَّيْمَ قَيْسٌ وصَاحِبُهُ المُوَارِيهِ الكَدِيدُ
قال أَبو عبيدة: وإنما فخَرَ هنْدُ بن خالِدٍ بيَوم الكَديدِ لأَنّ بني الشَّرِيد لم يَقْتَلوا يَوْمَ الفَيْفَاءِ أَحدًا، فأَراد أَن يُبِيئِهما بأَخَوَيْه مالكٍ وكُرْزٍ، فلمَا آبَ غَزِيُّ بني سُلَيمٍ إلى أَهْلِهم من الفَيفَاءِ، ومعهم من التَقَطُوا من السَبْي، وفيهِم أُمُّ عَمْروٍ بنت مُكدّم، قامَ نساءُ بني سُليم يَبْكِينَ مالكًا وكُرْزًا، فذَكَرَتْ أُمُّ عَمروٍ أَخاها رَبِيعةَ، فقالت تَبكيه:
هَلاَّ على الفَيَّاضِ عَمْروِ بن مالكٍ تُبَكِّينَ إِذْ تَبْكِينَ وابْنِ مُكَدَّمِ
فَتًى هوَ خَيْرٌ من أَخيكُنَّ مَالكٍ إِذَا احْمَرًّ أَطْرَافُ الرِّمَاحِ من الدَّمِ
وشُبَّتْ حُرُوبٌ بينَكُمْ وتقَصَّفَتْ عَوَالٍ بأَيِدِي شَجْعةٍ غَيْرِ لُوَّمِ
وهي أَبياتٌ.
ولم تَزل الحروبُ والمغاوراتُ بين بَنِي فِرَاسٍ وبني سُلَيْم، وقُتِل في حُروبهم نُبَيْشَة ولم تُدْرِكْ بَنُو سُلَيم البَوَاءَ بمَن قَتَلَتْ بنو فِرَاس، حتى جاءَ الإسلامُ، وكان يوم فتْح مَكَّةَ، فوَجَّهَ رسول الله صلى الله عليه وآله، خالِدَ بن الوليدِ بن المُغِيرةِ إلى أَهلِ الغُمَيْصاءِ من بني كِنانَة، ونَدَب معه بني سُلَيم، وكانت بنو كِنانَة قَتلَتْ غَمَّ خالدِ بن الوليدِ الفَاكِهَ بن المُغِيرةِ في الجاهِليّة، وكانًَت بنو سُلَيْم تَطْلُبهم بما أَصابُوا منهُم من القَتْلَى، فأَذْرَعُوا القَتْلَ في بَنِي كِنَانَة، للِّثأَْرِ القديم، والتِّرَةِ التي كان خالدٌ يَطْلبهم بها بدَمِ عَمِّه، فوَدَاهُم رسول الله صلى الله عليه وآله بعدما قتَلهم خالدٌ. وتبرّأَ ﵇ مما صَنَع بهم خالدٌ. فقالت سَلْمَى بنْتُ خالدٍ امرأَةٌ من بني كِنَانَةَ:
واللهِ لوْلاَ رَهْطُ آلِ مُحمّدٍ لَلاقَتْ سُلَيْمٌ يَوْمَ ذلك ناطِحَا
لبَالَطَهمْ زَيْدٌ وأَصحابُ جَعْفرٍ ومُرَّةُ حتَّى يُصْبِحَ البَرْكُ سَارِحَا
وكَمْ فيهمُ يومَ الغُميْصَاءِ مِنْ فَتًى أُصِيبَ ولم يَشْملْ له الرَّأْسُ وَاضِحَا
ومِنْ سيّدٍ كَهْلٍ علَيْهِ مَهَابَةٌ أُصِيبَ ولم يَجْرَحْ وقد كان جارِحَا
أَطافَتْ بخُطّابِ الأَيَامَي فطُلِّقَتْ غَداتَئِذٍ منْ كانَ منهُنّ ناكِحَا
فأَجابَتْهَا الخَنْساءُ ابنةُ عمْرو، ويقال بل عَبّاسُ بن مِرْدَاسٍ والثَّبتُ أَنّهَا للخَنْساء:
دَعِي عنك تَقْوَالَ الضَّلالِ كَفَى بنَا لِكَبْشِ الوَغَى بالأَمْسِ يا سَلْمُ ناطِحَا
فخَالِدُ أَوْلَى بالتَّعَذُّرِ منْكُمُ غَداةَ عَلاَ نَهْجًا مِن الحقِّ وَاضِحَا
إِلَيْكم بإِذْنِ الله يَبْغِي مُصَمِّمًا سَوَانِحَ لا تَكْبُو لَهَا وبَوَارِحَا
نَعَوْا مَالِكًا بالقَاعِ لمّا هَبَطْنَه عَوَابِسَ مِنْ كابِي الغُبَارِ كَوَالِحَا
فإِن نَكُ أَبْكَيْنَاكِ سَلْمَى فرُبَّما تَركْنَا علَيْكُم نائِحاتٍ ونائِحا
فأَقَّرَّتِ الخنساءُ أَنّهم طلَبوهم بمالكٍ في قولهم نَعوْا مالِكًا بالقَاعِ وأَنّهُم لم يُدْرِكُوا به من قَتَلوا منهم قبْلَ ذلك.