وهو يومٌ لبني أَسَدٍ وغَطَفانَ وطَيِّئٍ، وهم الأَحاليفُ، على بني عامرٍ، وفيه مقْتَلُ شُرَيحِ بنِ مالكٍ القُشَيْريِّ - قتلَه قَدُّ بن مالكٍ الوَالِبيُّ - وعُبَيْدِ بن مُعَاوِيةَ بن عبد الله بن كِلابٍ، والهَصَّان - وهو عامِرُ بن كَعْب - قتَلهما بنو أَسدٍ وبعدَه يومُ الجِفارِ.
كان سببُ يوم النِّسار أَنّ بني تميم كانوا يأْكُلُون عُمُومَتَهم بني ضَبَّةَ وبني عبدِ مَناةَ، فأَصَابُوا رَهْطًا من بني تميم، فطَلبَتْهُم تميمٌ، فلحقتِ الرِّبَابُ ببني أَسَد بن خُزَيْمَة، وهم يَوْمئذ حُلفاءُ لبني ذُبْيَانَ بن بَغِيضِ بن غَطَفَانَ وحُلَفاؤُهم أيضًا بنو طَيٍّ. ورئيسُ ذبيانَ حصنُ بن حذيفة بن بدرٍ، ورئيسُ بني أَسد عَوْفُ بنُ عبدُ الله بن عامِر بن جَذيِمة بن نَصر بن قُعَيْن، ويقال خالدُ بن نَضْلة الأَسَدِيُّ ورئيس الرِّبَاب يومَ النِّسار الأَسودُ بن المُنذِر، أَخو النُّعمان، وحَدَّث قٍيْسُ بنُ غالب أَنّ رئيسَ الرِّباب وجَمَاعةِ الأَحاليفِ يَومَ النِّسَار حِصْنُ بن حُذيفة. وأَنشد في تَصْداقِ ذلك قول زُهَير:
ومن مِثْلُ حِصْنٍ في الحُرُوب ومثْله لإِنْكارِ ضَيْمٍ أَو لأَمْرٍ يُحَاوِلُهْ
إِذا حَلَّ أَحياءُ الأَحالِيفِ حَوْلَه بذِي لَجَبٍ هَدَّاتُهُ وصَوَاهِلُهْ
وبلغ بني تميمٍ أَنّ الرِّبَابَ قد لَحِقتْ ببني أَسدٍ وأَحلافِها، فاستمدّ بنو تميمٍ بني عامرِ بن صَعصَعَة، فأَمدُّوهم، وعلى بني تميمٍ حاجِبُ بن زُرَارَة، وعلى بني عامِرٍ شُرَيْح بن مالكٍ القُشَيريُّ، أَو مالكُ بن كعبٍ أَحدُ بني أَبي بكرِ بن كِلابٍ، فسار هؤلاءِ وهؤلاءِ، حتى التقَوْا بالنِّسَار، فاقتتَلوا قِتَالًا شديدًا، فصبَرَتْ بنو عامر يومَئذٍ، فاستْحَرَّ فيهم القتلُ، وانفَضَّتْ بنو تميمٍ ووَاءَلَتْ لا تُلْوِي على أَحَدٍ، ولم يُصَبْ منهم كثيرٌ فهُزِموا وقُتِلُوا وسُبُوا، فغَضِبَتْ تميمٌ لبني عامِرٍ فسارُوا إِلى بني أَسَدٍ فالْتقَوا بالجِفَار، فلَقُوا أَشدَّ ممّا لَقيَتْ عامِرٌ.
ونحن نَذكُرُه بعد فَراغِنَا من ذكر يوم النِّسَار.
وقَتَلَ قَدُّ بن مالكٍ الوَالبيُّ - ثمّ الأَسَدُّى - شُرَيحَ بنَ مالكٍ القُشَيريَّ رأْسَ بني عامرٍ، فقال سَهْمٌ الأَسديُّ في الإسلام مفتخِرًا بذلك:
وهُم تَرَكُوا رَئِيسَ بَني قُشَيرٍ شُرَيحًا للضِّباع وللنُسورِ
وقَتَلُوا عُبَيْد بن مُعَاوية بن كِلابٍ، وقتَلوا الهِصَّانَ وهو عَامِرُ بن كَعْب، من بني أَبي بَكْر بن كِلابٍ، وأَسرَ خَالدُ بنُ نَضْلَة الأَسَدِيُّ دُودَانَ بنَ خالدٍ أَحَدَ بني نُفَيْل بنِ عَمْرِو بن كِلابٍ، وأَسَرَ أَيضًا حَنْثَرَ بن الأَضْبَط الكِلابيّ. فقال خالدُ بن نَضْلَة الأسَديُّ في أَسْره إيّاهما:
تَدَارَكَ إِرخاءُ النَّعامة حَنْثَرًا ودُودَانَ أَدَّت في الصِّفادِ مُكَبَّلاَ
وسَبَوْا نِسْوَةً منهم، فصارَتْ سَلْمَى بنتُ المُحلّقِ لعُرْوة بن خالِدِ بن نَضْلَة الأَسَديّ، وصارَت العَنْقَاءُ ابْنَةُ هَمّامٍ، منم بني أَبي بكر بن كِلابٍ، لزِيَاد بن زُبَيْر بن وَهْب بن أَعْيَا بن طَرِيفٍ الأَسَدِيّ، وصارَتْ أُمُّ خازِمٍ بنتُ كِلاَبٍ لأَرْطَاةَ بن مُنْقِذٍ الأَسَدِيّ، وصَارَتْ رَمْلَةُ بنتُ صُبَيْحٍ للحارثِ بن جَزْءِ بن جَحْوَانَ الأَسَدِيّ. وصارَت هِنْد بنتُ وَقَّاصٍ لقَيْس بن عبدِ الله الفَقْعَسيّ، وصارَت أُمامةُ بنتُ العَدَّاءِ لأُسامة بن نُمَيْرٍ الوالبيّ. فقالتْ سَلْمَى بنتُ المُحلّقِ تُعَيِّرُ جَوَّابًا بفَرَّتِهِ والطُفيلَ:
لَحَى الإِلهُ أَبَا لَيْلَى بفَرَّتِهِ يَوم النِّسَارِ وقُنْبَ العَيرِ جَوّابَا
[ ٢٣ ]
كيْفَ الفخَارُ وقد كانتْ بمعْتَرَكٍ يَوْم النِّسارِ بنو ذُبْيانَ أَرْبابَا
لم تَمْنعُوا القوْمَ إِذ شَلُّوا سَوَامَكمُ ولا النِّسَاءَ وكانَ القَومُ أَحْزابَا
وحمَى بعد ذلك بني عامرٍ وبني تميمٍ بنو خُوَيْلِدِ بن نُفيْل بن عَمْرو بن كِلابِ، وهم بنو بِنْت الحَرِيش فقالت الفارِعَةُ بنتُ مُعَاوية القُشيْريًّة في كلمةٍ لها:
لَوْلاَ بنُو بِنتِ الحَرِيش تُقُسِّمَت بيْنَ القبَائِلِ مازِنٌ والعَنْبَرُ
وقال بِشْرُ بن أَبي خازِمٍ في تَصْداقِ حَدِيثِ غَطَفانَ وبني أَسدٍ وأَنّ بني ضَبَّة استغاثُوهم ودَعَوْهم فأَغاثوهم قَصيدةً أَوّلُها:
عفتْ من سُليْمَى رَامَةٌ فكَثِيبُهَا
وفيها:
أَجَبْنَا بني سَعْدِ بن ضَبّةَ إِذْ دَعَوْا وللهِ مَوْلَى دَعْوَةٍ لا يُجِبيبُهَا
وكُنّا إِذا قُلْنا هَوَازِنُ أَقبِلِي إِلى الرُّشْدِ لمْ يأْتِ السَّدادَ خَطِيبُهَا
عَطفْنا لهُمْ عَطْفَ الضَّرُوسِ من المَلاَ بشهْبَاءَ لا يَمْشِي الضَّرَاءَ رَقيبُهَا
فلمَّا رَأَوْنَا بالنِّسارِ كأَنَّنا نَشَاصُ الثُّريّا هَيَّجَتْها جَنُوبُهَا
جعَلْنَ قُشيْرًا غايَةً يُهْتدَى بها كمَا مَدَّ أَشْطانَ الدِّلاءِ قَليِبُهَا
لَحَوْنَاهُمُ لَحْوَ العِصىّ فَأَقبَلوا على آلةٍ يَشْكو الهَوَانَ حَرِيبُهَا
لَدُنْ غُدْوةً حتَّى أَتَى اللَّيْلُ دُونَهمْوَأَدْرَكَ جَرْيَ المُبْقِياتِ لُغُوبُهَا
بني عامِرٍ إِنّا تَرَكْنَا نِسَاءَكمْ مِن الشَلِّ والإيجافِ تَدْمَى عُجُوبُها
وقال عبيدُ بنُ الأَبْرص في ذلك، ويَذكُرُ غَضَبَ بني تميمٍ لبني عامِرٍ:
ولَقَد تَطَاوَل بالنِّسارِ لَعامرٍ يَوْمٌ تَشِيبُ له الرُّؤُوسُ عَصَبْصَبُ
ولَقَد أَتَاني عن تميمٍ أَنَّهم ذَرِبوا لِقَتْلَي عامِرٍ وتَغَضَّبوا
رَغْمٌ لَعَمْرُ أَبِيك عنْدي هَيِّنٌ إِنِّي يَهُونُ عَليَّ أَلاَّ يُعْتَبْوا