حدّثنى أبو بكر بن إسماعيل، قال: حدّثنا بكر بن محمد المازني، قال: كان حمدان بن أبان بن عبد الحميد موسرا سريا، وكان ابنه أبان بن حمدان بن أبان ظريفا ماجنا يدمن الشراب ويصحب الخلعاء، فقال له أبوه: يا بنى قد افتضحت [في] البلد بأفعالك هذه المشهورة، فلو غمضتها وسترت ما يظهر منها، واستعملت ذلك فى البساتين، كان أخفى وأستر، فلزم البساتين وترك دخول البصرة جملة، وأقام بناحية المعلى، فكتب أبوه حمدان يذكر شوقه اليه وشفقته عليه من البستان وحميّاته، فكتب اليه:
يا أبى لا ترث لي من غيبتى أنا في خير ولهو ودعه
صرت من حبس دنا مطلقا ومن الضيق إلى كل سعه
بيت خيش ونبيذ سائغ وحيال الباب منى مشرعه
[ ١ / ٦٢ ]
ومعي في كل يوم مسمع حاذق يطربني أو مسمع
وندامى كمصابيح الدّجى كلّهم يأخذ كأسا مترعه
لا يبالى من لحافى شربها أبدا حتى يوارى «١» مصرعه
وسخول «٢» خمسة أو ستة فاذا قلّوا فعندى أربعه
وخواب هادرات هدرها ودساتيج «٣» ملأى مترعه
ومغنّ غرد يطربنى فإذا شئت تغنيت معه
قال: فكتب إليه أبوه حمدان: نشدتك الله يا بنى أن تدخل البصرة وهذه حالك فإن احتجت الينا لحقنا بك.
قال الصولى: فقلت لأبى ذكوان حين قرأت عليه هذا الخبر إن بعض أهل البصرة ينشد بعض هذه الأبيات لبعض أولاد العتبي، فقال لي ذاك شعر آخر فأنشدنيه «٤» وأبان هذا قليل الشعر جدا لا أعرف له إلا غزلا وجدته فى بعض كتب أهله فمنه ما قاله فى إلف نأى عنه:
غاب على حسن وصلنا الهجر فخان قلب المتيم الصبر
وانتظمت أسهم الفراق له جوانحا بين طيّها جسم
والبين مذ كان آفته ينقص عن دهر عمرها العمر
من لم يمت بين هجرة ونوى فما له في حياته عذر
ثم قدم غائبه هذا، فقال:
بنفسى من ولى وخلف لي الحزن ولم يتّرك للعين حظّا من الوسن
[ ١ / ٦٣ ]
اذا [ما] أراد العاذلات ملامتى أتاهم بعذر واضح وجهه الحسن
فمن كان مسرورا بقرب لقائه فلا ذاق ما قد ذقت منه من الحزن
تقرب منّى من تمنيت قربه وتلك لعمرى نعمة مالها ثمن
فقرت بما أهوى وأعطانى الرّضا وقد كنت ذا وجد عليه بذا الزمن