- ١- عزيزى القارىء.. تقدم لك الذخائر هذه المرة (قطعة) من تاريخنا الأدبى المطعّم دائما بالسياسة، هذه (القطعة) هى كتاب (الأوراق) للصولى (أبوبكر محمد بن يحيى ت ٣٣٥ هـ) .
هذا الكتاب يلف رحلته شىء من (الدرامية) - إن جاز التعبير- فقد ذكروا أن المؤلف لم يتمّه، كما أن الأجزاء التى أنجزت منه لم يتم تحقيقها بالكامل. ومع ذلك فقد دفعت قيمة الكتاب التى نوه بها القدماء، كما نوه بها الذين اطلعوا على بعض صفحاته من المحدثين.. أقول: دفعت قيمة الكتاب ذلك العاشق القادم من الغرب- من انجلترا على وجه التحديد- إلى أن يتحمل مشقة تحقيق ما تيسر له من أجزائه، هذا العاشق هو محققه الأستاذ ج. هيورث. دن، الذى شده ما سمع عن الكتاب من أساتذته من المستشرقين وأصدقائه من المصريين، كما لفتته طرافة مادة الكتاب، فانتهز فرصة قدومه إلى مصر معلما للغة الإنجليزية- وضع خطا تحت كلمة (الإنجليزية) - فهو لم يأت كواحد من المستشرقين لتدريس العربية أو بعض الموضوعات التى يعنى بها المستشرقون، وإنما قدم لتدريس الإنجليزية، وعلى الرغم من ذلك فقد انتهز فرصة وجوده فى مصر وحصوله على نسخة القطعة المتبقية من الكتاب ليشرع فى تحقيقه وتقديمه إلى القراء، ليبصروا عيانا ما سبق أن نوّه به سماعا.
[ م 1 / ٥ ]
- ٢-
المادة الأدبية فى الكتاب- وعمادها الشعر- كلها لمحدثين عبّاسيّين سواء كانوا من البيت العباسى- خلفاء وأبناء خلفاء- أو كانوا من غيرهم؛ والأحداث السياسية كلها أبطالها عباسيون- سواء من العرب أو غير العرب- والكل مثير ولافت، سواء الشعر أو الأحداث السياسية أو الأشخاص الذين أسهموا فى صنع تلك الأحداث.
من هذه الزاوية يعد كتاب الأوراق وثيقة أدبية وتاريخية لاغنى عن قراءتها لكل من يهمه تاريخ الأدب العربى، وقبل هذا لكل من يهمه تاريخ هذه الأمة العربية التى بقدر ما نعمت بعهود من التوحد والقوة عانت عهودا أطول من التفكك والهوان.
- ٣- قدّم الأستاذ المحقق ثلاثة أجزاء من الكتاب على مدى سنوات ١٩٣٤، ١٩٣٥، ١٩٣٦، هى- وفقا لترتيب طباعتها: قسم أخبار الشعراء، أخبار الراضى بالله والمتقى لله، أشعار أولاد الخلفاء.
كلمات المؤلف- الصولى- فى مطلع الجزء الثانى- أخبار الراضى والمتقى- تنص على أنه فرغ قبله من أخبار الخليفة القاهر (٣٢٠- ٣٢٢ هـ) [انظر ص ١] بينما تشير كلمات المحقق إلى وجود جزء تاريخى آخر يتناول أخبار خليفتين سابقين على القاهر، هما: المكتفى بالله (٢٨٩- ٢٩٥ هـ) والمقتدر بالله (٢٩٥- ٣٢٠ هـ)، وقد وعد المحقق بالبدء فى طبع هذا الجزء التاريخى بعد الجزء الخاص بأشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم [انظر صفحة (د) من مقدمة المحقق لأشعار أولاد الخلفاء] لكن يبدو أن حائلا حال دون ذلك، فبقى الكتاب- فيما نعلم- قاصرا على هذه الأجزاء الثلاثة التى
[ م 1 / ٦ ]
نقدمها اليوم لقراء الذخائر، بنفس الترتيب الذى قدمها به الأستاذ المحقق، وإن كانت القرائن تدل على أن ترتيب تأليفه كان مختلفا.
- ٤- عزيزى القارئ.. كم أتمنى أن يكون قد لفتك وصفى لمحقق الكتاب الأستاذ (ج. هيورث. دن) بأنه (ذلك العاشق القادم من الغرب)، كم أتمنى أن تسألنى عن سر هذا الوصف، وأقول لك: إجابتى شرطها أن تقرأ كلمات الرجل فى وصف حماسته للسفر إلى مصر شوقا إلى رؤية مخطوط (الأوراق) والعمل على تحقيقه ونشره.
يقول: «ظللت أتحين الفرص التى تذلل لى الطريق إلى مصر، وكنت كما قال الشاعر:
أعلّل النفس بالامال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وحدث أن اختارتنى وزارة المعارف فى مصر مدرسا للغة الإنجليزية، فكان هذا الاختيار الغاية التى لا مطلع وراءها، ووقع من نفسى (مواقع الماء من ذى الغلة الصادى) .
وطبعا لم يكن ثمة ما يحبب إلىّ مثل هذا الاختيار سوى أنه يتيح لى نشر الكتاب، وكما يقول المتنبى:
ولو لم يكن فى مصر ما سرت نحوها بقلب المشرق المستهام المتيّم
لقد جاء هذا النص فى مقدمته للجزء الأول- قسم أخبار الشعراء (صفحة د) - واصفا- كما قلت- حماسته لإخراج الكتاب، ولقد أخرج جزءه الأول ثم جزءه الثانى (أخبار الراضى والمتقى)، وها هو ذا فى مقدمته للجزء الثالث يشعر بالامتنان للذين نوّهوا بعمله فى الجزئين ثم حثوه على إخراج جزئه الثالث، يقول: «لم تكد المطبعة
[ م 1 / ٧ ]
تفرغ من إصدار القسم الثانى المشتمل على أخبار الراضى بالله والمتقى لله.. ولم تكد النسخ الأولى منه تصل إلى أيدى العلماء حتى انثالت علىّ الرسائل، بعضها فرح مستبشر بمضيّى فى إظهار ذلك القسم وسابقه، متفائل بالنجاح فى إخراج كتاب الأوراق، وبعضها يطرى عملى فيه وعنايتى به.. ولم يكن حظى من الذين قرأوا الكتاب ولم يكتبوا إلىّ، بأقل من حظى من أولئك الأفاضل الذين قرأوا الكتاب وكتبوا إلىّ، بل كان حظى من بعضهم أوفى وأجل، فهم لم يكتبوا إلىّ فحسب، إنما ملأوا الدنيا كتابة فى الصحف وإذاعة فى المذياع» .
[مقدمة أشعار أولاد الخلفاء. صفحة أ، ب] .
أذكرك- عزيزى القارئ- بأن النصين اللذين قرأتهما للتوّهما لرجل غير عربى، تعلم العربية هناك فى مدرسة العلوم الشرقية بلندن، وقد يكون هناك- إلى جانب الدراسة- ما ساعده على إجادتها، ومع ذلك يظل هو الرجل صاحب اللسان الآخر، الذى لم يرضع العربية من ثدى الأم كما يقولون، يكتب العربية بهذا المستوى الرائع، ويضمّن نصه الأول بيتين ونصف البيت من الشعر تضمينا محكما واقعا موقعه من سياق الكلام، وأنا أحيلك على المقدمات التى صدّر بها الأجزاء الثلاثة التى نشرها من الكتاب، وهى صفحات قليلة، ولكنها تؤكد إلى أى مدى كانت العربية طيّعة لقلمه- وهو الغريب عنها، القاطن فى بلد لا يتكلمها- هذا فى الوقت الذى يتلوّى فيه أبناؤها تحت دعوى صعوبتها، ويعتذرون- أولا يعتذرون- عن الخطأ فيها، وربما جعلوا ذلك الخطأ مدعاة للفخر والتباهى بأنهم من دارسى اللغات الأجنبية، أو أنهم غير مختصين بالعربية.
[ م 1 / ٨ ]
- ٥-
ألست معى- عزيزى القارئ- فى أننى وأنت- إن كنت منتميا مثلى إلى هذه الأمة- فى أننا معا من أمة حار فى فهمها المنجمون؟، هى الأمة التى ضحكت من (حالها) الأمم، الأمة التى فيها من المضحكات المبكيات ما لا يحصى، وإن كان أشدّها مدعاة للضحك- أو للبكاء، سيان- تنكّر أبنائها للغتهم والتباهى بعدم إتقانها، بل وبالجهل بها، وليتهم وقفوا عند هذا الحد، حد استشعار القصور فى أنفسهم، ومحاولة ستره، ولكنهم تجاوزوا هذا الحد إلى انتقاد اللغة، فهى- مرة- قاصرة، ومرة صعبة، ومرة فيها تزيّد فائض عن الحاجة!! ما وجه القصور؟ يجيبون القصور عن ملاحقة التطور العلمى بعدم الاشتمال على المصطلحات اللازمة لمجاراة هذا التطور! ناسين أن اللغة نتاج حضارى وأن غناها وفقرها- فى مجال المصطلحات خاصة- إنما هو انعكاس لغنى أو لفقر الحضارة التى أنتجتها، وأن الحضارة التى تنتج (المسمّيات) هى التى تحمل اللغة على تقديم (الأسماء)، أما الحديث عن الصعوبة فكلام مرسل، وكل لغة لها بنيتها الخاصة فى الاشتقاق والتصريف وتعلق الكلمات بعضها ببعض وعناصر الربط بينها عند الإضافة، فضلا عما يقدّم وما يؤخر.
ويأتى حديث الزيادة أو الفائض الذى لا لزوم له.. فلا لزوم للإعراب ولا لزوم لنون النسوة ولا لزوم للتثنية- يكفى المفرد والجمع- ولا لزوم للجملة الفعلية- تكفى الجملة الإسمية- لماذا؟ لأن هذه الظواهر لا وجود لها في بعض اللغات الأخرى الحديثة المتطورة!! وليس هذا مكان النقاش، ولكنى فقط أذكر بمبدأ أساسى يجب أن نقر به: إنّ من
[ م 1 / ٩ ]
الخطأ الفادح قياس بنية لغة على بنية لغة أخرى، هذا مرفوض بالنسبة لكل اللغات، ولو كان للنقاش والمقارنة مكان هنا لذكرت كثيرا من الظواهر فى بعض اللغات الأخرى مما يمكن الجدل حول جدواها، لكن ليس هذا هو المكان المناسب.
وإنما أقول لأصحاب هذه الأفكار ممّن أصابتهم عقدة الخواجة: إننى على يقين من أنه لو كان الأمر بالعكس، أى لو كان الإعراب وعلامة التأنيث- أقصد نون النسوة- والتثنية والجملة الفعلية موجودة فى بعض اللغات الأخرى دون العربية لأصبح الموقف- فى تصورى- مختلفا ولوقفتم تهاجمون العربية لخلوها من هذه الظواهر، التى كانت ستكون عندئذ خصائص تدل على رقى اللغة التى توجد فيها ودقتها وحرصها على التفريق بين النوعين وعلى إبراز الفارق المعنوى بين الجملة الفعلية والإسمية..
إلخ.
هذه- أيها السادة- هى الحقيقة: إننا نأتمر- ربما لا شعوريا- بأوامر من خارجنا، أوامر- قد لا نكون على وعى بها- تجعلنا عبيدا للإحساس بالدونية، ومن ثم للتقليد، وإلا فلو كان الأمر أمر صلاحية للاستمرار لوجبت التحية لتلك اللغة التى ضربت الرقم القياسى فى طول عمرها بين اللغات الحية، ولعد طول العمر هنا دليلا على الحيوية والمرونة والقابلية للتطور، لا مظهر عجز وشيخوخة لا وجود لهما إلا فى أذهان القائلين بهما.
معذرة- عزيزى القارئ- إذا كنت قد أقحمت عليك هذا الموضوع.. وإنما جر إليه التداعى.. التداعى بالتناقض بين جمال العربية التى كتب بها الرجل الغريب عنها، الأستاذ (ج. هيورث. دن) وهو يقدم تحقيقه لكتاب (الأوراق) للصولى، وركاكة اللغة التى يتحدث بها- متباهين- بعض أبنائها، مضيفين إلى ذلك
[ م 1 / ١٠ ]
اتهامها بالصعوبة والتخلف، زاعمين لأنفسهم الحق والقدرة على إجراء ما يرونه من عمليات البتر والترقيع مما يسمّونه تطويرا.
أما العربية فإنى أسمعها تردد بلسان الشاعر القديم:
وكم جاهل بى وهو يجهل جهله ويجهل علمى أنّه بى جاهل
عبد الحكيم راضى أغسطس ٢٠٠٤
[ م 1 / ١١ ]