وانما أتساهل في اختيار أشعار هؤلاء لأنهم مقلون، فان لحق أشعارهم حقّ الاختيار قلت وذهبت.
قال الصولي: حدثنا محمد بن يزيد المبرّد، قال: كان عثمان بن رشد «١» العميري صالح الأدب مليح الشعر وكان سراة أهل البصرة يدعونه ويعاشرونه، فقال فيهم أبو شاكر عبد الله بن عبد الحميد:
ان عثمان الكدود «٢» بن رشد ذو ولايات على كلّ أحد
يملك الأكل عليهم قبل أن يأكل الملّاك في كل بلد
قد تولّى خبر الحضرة من قبل الله عليهم والرصد
يسرج الأشهب أعلى سحر ثمّ لا يخليه من ركض وكدّ
مرة عند جوين أو أبى حسن أيهما طعما أعدّ
فإذا استصعب إذن ساعة قال يا حارث «٣» ذا يوم نكد
عد إلى البيت الذي تعرفه وابتزل إذنك أن كان ركد
خبزنا أطيب من خبزهم وكذا الخمرة تطفو بالزّبد
مثل الثعلب والعنقود إذ قصرت عنه يداه حين مدّ
[ ١ / ٦٤ ]
قال: مثل الخلّ دعه جانبا وهو كالسّكّر طيبا والشهد!
حدّثنى محمد بن الحسن البلعىّ قال: حدّثنى أبو حاتم سهل بن محمد، قال: كان أبو شاكر عبد الله بن عبد الحميد من فتيان البصرة وظرفائهم، وعمّر عمرا طويلا، وكان موسرا لا يعرف إلا الشرب والسماع، فشرب يوما عند قوم من بنى زهرة كان يعاشرهم، فدخل اليهم ابن مسعدة الذّارع في حاجة لأبيه، وكان أحسن من بالبصرة وجها، فأوصل رقعة وأخذ الجواب، وأراد الانصراف، فحلف أبو شاكر أنه إن لم يجلس انصرف، فسألوه ذلك، فقال: أردّ الجواب وأعود اليكم، فمضى ثم رجع فشرب وغنىّ، فقال أبو شاكر:
لهف نفسي على الغزال الغرير وعلى وجهه الجميل النضير
وعلى طبعه فداء له أه لى ومالي ومعشري وعشيري
ذاك بدع من خلق ربك لم يجعل له في جماله من نظير
أمه الشمس كان ألقحها ال بدر فجاءت بنور حسن لنور
ما برى الله مثله بشرا سبحان خلّاقه العليم القدير
يا خليلي لا صبر لي، عيل صب رى فأبديت ما يجنّ ضميرى
فأشر ما تراه بارك فيك الله من قائل لنا ومشير
إن قلبي أمسى أسير أمير ليس من رأيه فكاك الاسير
ملك المسعدىّ بالحسن رقيّ فأسى بى فمن عليه مجيرى!
جاء في أزرقية يتثنى غصن بان ولحظ خشف غرير
نحو شرب لا فحش فيهم ولكن حلماء ذوو عفاف وخير
أعملوا كأسهم فطابت بما طا ب لهم من معتّقات الخمور
ليس يدرون غير ماهات واشرب وحديث كاللؤلؤ المنثور
[ ١ / ٦٥ ]
فأتاهم بدور فحيوه بالكأ س وفدّوه من صروف الدّهور
فتعالت به الشّمول فغنى أسعدينى بدمعك المنزور «١»
ثم ثنى والقوم قد طربوا من هـ قياما به لفضل السرور
هل عرفت الديار يا ابن أنيس دارس آيها كخطّ الزّبور
ثم نادي يا أرض سيرى فسارت طوع أمر يفوق أمر الأمير
يا خليلى قد كنت تزعم أنى ساحر اللفظ صائب التدبير
قد وربّى سحرت من قبل أن أسحر فاعجب لساحر مسحور!
قال أبو بكر: وعلىّ بن مسعدة هذا، يقال إنه أحسن من ولد بالبصرة، كان الناس يقصدونه ليروا وجهه وحسنه إلى أن شاخ، وفيه يقول أبو نواس:
رأيت الهلال بوجه الهلال علىّ بن مسعدة الذّارع
وأبو شاكر القائل في الزهري يمدحه وجدت هذه القصيدة في كتاب:
ألا يا مجلس الشرب على نهر أبى بكره
لدى القصر وعند الرو ض في الغبطة والنضره
وعند الواحد الماج د من خير بنى زهره
كريم الجدّ واري الزن د محض طيب العشره
ظللنا عنده في عي ش صدق ناضر الزهره
لدينا الراح والريحا ن في زق وفي ذكره «٢»
وعوّاد وطبّال تخيرناه عن خبره
وزمّار ونعّار عليم مطرب النعره
وألوان ملاه لس ت أحصيها من الكثره
[ ١ / ٦٦ ]
وظبي ذو دلال غ نج في طرفه فتره
له من عنبر الهند على جبهته طرّه
وقدّ قد حكى الغصن ووجه لاح كالزهره
غزال جعل الدّرّ له من لفظه سحره
فما يلفظ إلّا س قطت من فمه درّه
يثنى ويغنى قل لعبد الله ياعرّه «١»
لقد صيرتنى لما نطقت الشعر بى شهره
فكم من نخرة قد ن خر الشّرب ومن نعره
ولّبوه كما لبى حليف الحجّ والعمره
وصرنا فيه صفّين تبارى زمرة زمره
فكنا يمنة نصف ونصف جالس يسره
وأمّرنا أميرين وكل جائز الإمره
فناديتهم صبرا قليلا تنجلى الغبره
إلى أن خان أصحابي وذاقوا سرعة الفتره
بنفسى أنتم كرّوا فإن الفتح فى الكرّه
فكرّوا بعد ما والله همّ القوم بالفرّه
وما زلت بهم حتى أتانا الله بالنّصره
وحتى جعل الله على أعدائنا الدّبره
أمير «٢» القوم قد دبّ ر أن يغلب بالكسره
رجا أمرا تمناه فأخطت استه الحفره
[ ١ / ٦٧ ]
وكم من لذة قد أع قبت صاحبها حسره
وفى الشرب «١» عدوّان مصبان «٢» على فجره
كلا الشخصين قد أرص د أن يختل بالغدره
إلى أن قام أيوب من البيت الي الحجره
أعدّ الشرّ للقوم مفاجاة على غرّه
أتاهم خاتلا كاللّ صّ يمشى قطرة قطرة
فأعلى رأس عباد على الغفلة آجرّه
فثار القوم للحرب على الكرّة والفره
فعين اللّاطم الوج هـ بالكفين مخضره
وعباد له في وج هه من دمه غره
وهذا مثل سكران وهذا مثل ذى مرّه
حكوا في فعلهم هذا هراش الهرّ والهرّه
وفي شربه ولهوه، ووصف مجلس الزهري الذي مدحه، يقول أبو شاكر
ألا ربّ حديث ل نبيّ الله مأثور
بألا يدخل الجنة أهل الإفك والزّور
كمثل الأعور المعوو ر والقوم المعاوير
وشخص لا أسميه من اهل المجد والخير
حبانى صفو ودّ من هـ ما شيب «٣» بتكدير
وشرب من بني زهرة أمثال الدنانير
توافوا يوم دجن مذ كر للهو ممطور
[ ١ / ٦٨ ]
فظلوا يشربون الخم ر صرفا فى القوارير
بكفّى طفلة حورا ء بل زادت على الحور
كستها الشمس في الخدّي ن منها بهجة النور
فقلنا قد وليت الح كم قولا غير مغدور
فإن شئت علينا فاع دلي في الحكم أو جوري
فلم تلبث بنا أن خب رتنا أيّ تخبير
مقاصير تبدّى من هم دون مقاصير
وأبواب من السّاج بأصناف المسامير
وكنا مثل خيل ت تجاري في مياصير «١»
وغنّى مطرب القوم على المثلث والزير
سليمى تلك في العين قفى ان شئت أو سيرى
فسارت تحتنا الأرض وما قلنا لها سيري
وقال أيضا:
أيا فهدة ماذا الج زع الظاهر يا فهده
وما هذا الذي أحدث ت يا برذونة زرده «٢»
أئن طلّقت أصبحت عن الإسلام مرتدّه
وولولت وأعولت وأوردت من «٣» الرعده
وهتّكت ستور البي ت للوحشة والوحده
[ ١ / ٦٩ ]
ألست القندة الحلو ة يا أحلى من القنده «١»
فتاة رشحها مسك وفى ريقتها شهده
إذا ما عبرت «٢» قالت أيا أمّ ويا جدّه
فما يبكيك من قرد لقرد أمّه قرده
لئيم الجد كابى الزن د إمّا اقتدحوا زنده
تقى الله وكونى أ مة حازمة جلده
وقولي قول ذى لبّ رجا الله وما عنده
أيا ربّ لك الحمد على الرّخاء والشّده
وهى طويلة.
قال أبو بكر: وأنشدنا محمد بن يزيد المبرّد لأبى شاكر عبد الله بن عبد الحميد وهو أخو أبان:
يا طلل الحىّ جادك الطّلل مالك وحش العراص يا طلل
لست أرى فيك من عهدت وقد كنت لهم موطنا، فما فعلوا؟
أيام حبل الصفاء منك ومن بهجة بيت الأسباب متصل
جارية كالمهاة بارعة «٣» ال خدين والخدّ شادن عطل
لم تلق بؤسا ولم تعان أذى لكن عداها النعيم والجذل
دسّت رسولا أن ائتنا رقدة ال حىّ إذا ما علمتهم غفلوا
فجئت والليل مكتسى سدف «٤» ال ظّلمة وهنا والطرق أختيل
حتي أجزت الاحماس «٥» إنى على أمثال هاتيك حازم بطل
[ ١ / ٧٠ ]
فلم يرعها إلا قيامي لدى ال باب فجاءت والمشى منخزل «١»
تقول يا مرحبا ويرعبها ال خوف من الحاضرين والوجل
فأرخيت دوننا وقد هدأ ال ليل ستور الحجاب والكلل
ثم دعتنى الى مبارزة ال حبّ فرجّت من تحتنا المثل «٢»
فكان شىء هيهات أذكره إنّى ضنين بسرها بخل
فهرولت عند ذاك إذ عظم الا مر وقالت ودمعها هطل
أين من أمّى أفر إن علمت أمّى بما قد صنعت يا رجل؟
كيف احتيالي لها إذا فطنت ما تنفع اليوم عندها العلل؟
قد كان يجزيك لو قنعت به فيما فعلت اللّزام «٣» والقبل!
لكن أبت شقوتى فهات فما أحتال أم ما أقول إن سألوا؟!
قلت: تقولين للذي يسل يمنعنى من جوابك الكسل!