[ ١٩٩ ]
كانت أحين أهل دهرها: وجهًا وغناء، وقد ذكرتها وأخبارها في كتاب القيان، وكانت تقول الشعر، شعرًا لينًا يستحسن من مثلها، وكان إسحاق بن أيوب التغلبي يهواها، فلم تفكر فيه حتى إلتقيا.
فحدثني عرفة وكيلها: قال: لما رأى إسحق بدعة، وسمع غناءها إزداد شغفه بها، ومالت هي إليه
[ ٢٠١ ]
بعد الانحراف عنه، والنفار من ذكره، وكانت تعبث بالشعر وتقوله، فكتبت إليه على يدي:
كيف أصبحت سيدي وأميري؟ عشت في كل نعمة وحبور
علم الله كيف كان إغتباطي ونعيمي وبهجتي وسروري
بلقاء الأمير لا عدمت نف سي وعيني لقاءه من أمير
فلما أوصلتها إليه سر بها سرورًا شديدًا وخلع علي خلعة نفيسة من ثيابه ووصلني بثلاثمائة دينار وبعث معي إليها بهدايا فيها ألف دينار مسيفة، مطبقة على غالية: دينارين، دينارين ودرج كبير من ذهب، مملوءًا مسكًا وعنبرًا وندًا ومائة ثوب فاخرة.
وكتب إليها:
أنا في نعمة بقربك تفدي ك حياتي من مفظعات الأمور
بلغت مهجتي بقربك مني أملي كله، وتم سروري
وصل الله بيننا ذاك ما عش نا وأبقاك لي بقاء الدهور!
وحدثني عرفة قال: لما قدم المعتضد من حرب وصيف وجاء به، دخلت عليه بدعة، فقالت: شيبتك يا سيدي هذه السفرة! فقال: دون ما كنت فيه يشيب! فلما إنصرفت، قالت هذا الشعر وغنته فيه:
[ ٢٠٢ ]
إن تكن شبت يا مليك البرايا لأمور عانيتها وخطوب
فلقد زادك المشيب جمالًا والمشيب البادي كمال الأريب
فإبق أضعاف ما مضى لك في عز وملك وخفض عيش رطيب
فطرب المعتضد وخلع عليها.
وحدثني عرفة، قال: لما قدم ق٧٩ المعتضد من الشام ومعه وصيف، دخلت إليه بدعة، يوم جلس للشرب، فقال لها: أما ترين الشيب كيف إشتغل في رأسي ولحيتي؟!
قالت له: عمرك الله يا سيدي أبدًا، حتى ترى أولاد أولادك قد شابوا، فأنت في الشيب: أحسن من القمر! وفكرت طويلا حتى قالت هذه الأبيات وغنته فيها:
ما ضرك الشيب شيئًا بل زدت فيه جمالا
قد هذبتك الليالي وزدت فيه كمالا
فعش لنا في سرور وإنعم بعيشك بالا
تزيد في كل يوم وليلة إقبالا
في نعمة وسرور ودولة تتعالى
فوصلها صلة سنية، وحمل معها ثيابًا فاخرة، وطيبًا كثيرًا.
[ ٢٠٣ ]