[ ١٥٧ ]
كانت مولدة، شاعرة، مغنية، متقدمة في الحالتين على طبقتها. حسنة الوجه والغناء، أهداها عبد الله بن طاهر إليه لما ولي الخلافة في جملة أربع مائة جارية قيان وسواذج فتقدمتهن عنده، فلما قتل صارت إلى وصيف، فلزمت السلب وفاء للمتوكل، حتى أراد وصيف قتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعطاه إياها فأعتقها، وقال لها: أقيمي حيث شئت، فانحدرت من سر من رأى إلى بغداد، وأخملت نفسها حتى ماتت.
[ ١٥٩ ]
حدثني جعفر بن قدامة، عن ملاوي الهيثمي، وعلي بن يحيى المنجم بذلك.
وحدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني إبن خرداذبة قال: حدثني علي بن الجهم قال: كنت يومًا بحضرة ق٧٦ المتوكل، وهو يشرب ونحن بين يديه إذ دفع إلى محبوبة تفاحة مغلفة بغالية، فقبلتها وإنصرفت عن حضرته إلى الموضع الذي كانت تجلس فيه إذا شرب، ثم خرجت جارية لها ومعها رقعة، فدفعتها إليه، فقرأها وضحك، وضحكًا كثيرًا، ثم رمى بالرقعة إلينا فإذا فيها مكتوب:
يا طيب تفاحة خلوت بها تشعل نار الهوى على كبدي
أبكي إليها وأشتكي دنفي وما ألاقي من شدة الكمد
لو أن تفاحة بكت لبكت من رجفتي هذه التي بيدي
إن كنت لا تعلمين ما لقيت نفسي فمصداق ذاك في جسدي
فإن تأملته علمت بأن ليس لخلق عليه من جلد!
فما بقي أحد إلا إستظرفها وإستملح الأبيات، وأمر عريبًا وشارية فصنعا في الشعر لحنين غنى بهما في يومه.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: قال المتوكل لعلي بن الجهم، وكان يأنس به ولا يكتمه شيئًا من أمره: يا
[ ١٦٠ ]
علي، إني دخلت على قبيحة الساعة، فوجدتها قد كتبت إسمي على خدها بغالية، فو الله ما رأيت أحسن من سواد الغالية على ق٦٦ بياض ذلك الخد!، فقل في هذا شيئًا! وكانت محبوبة جالسة من وراء الستارة تسمع الكلام، فإلى أن دعا بالدرج والدواة، قالت على البديهة: وكاتبة، وأنشأت تقول:
وكاتبة بالمسك في الخد جعفرًا بنفسي مخط المسك من حيث أثرا
لئن كتبت في الخد سطرًا بكفها لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا
فيا من لمملوك لملك يمينه مطيع له فيما أسر وأظهرا!
ويا من مناها في السريرة جعفر سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا
قال: فبقي علي بن الجهم واجمًا لا ينطق بحرف، وأمر عريب فغنت فيها هذه الأبيات التي تقدم ذكرها.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم: أن جواري المتوكل تفرقن بعد قتله، فصار لوصيف عدة منهن، فيهن محبوبة، فاصطبح يومًا وأمر باحضار الجواري، فاحضرن وعليهن الثياب الفاخرة الملونة والحلي، وقد تزين، إلا محبوبة فإنها جاءت في بياض غير فاخرة، فغنى الجواري، وشرب، وقال لمحبوبة: غني!، فأخذت العود وغنت وهي تبكي:
أي عيش يطيب لي لا أرى فيه جعفرا
ملكًا قد رأته عي ني طريحًا معفرا
[ ١٦١ ]
كل من كان ذا سقا م وحزن فقد برا
غير محبوبة التي لو ترى الموت يشترى
لا شترته بملكها كي توارى وتقبرا
إن موت الأخوين أطيب من أن يعمرا
فاشتد ذلك على وصيف، وهم بقتلها، فاستوهبها بغا فأعتقها فأخملت نفسها إلى أن ماتت.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني ملاوي عن علي بن الجهم، قال: غاضب المتوكل محبوبة، فاشتد عليه بعدها عنه، ثم جئته يومًا، فحدثني أنه رأى في النوم أنها قد صالحته، ودعا بخادم، وقال له: أذهب، فاعرف خبرها، وأي شيء تصنع! فرجع وأعلمه أنها تغني، فقال: أما ترى إلى هذه! تغني وأنا عليها غضبان؟! قم بنا حتى نسمع أي شيء تغني؟ فقمنا حتى صرنا إلى حجرتها، فإذا هي تغني بهذه الأبيات:
أدور في القصر لا أرى أحدًا أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني ركبت معصية ليست لها توبة تخلصني
فهل لنا شافع إلى ملك قد زارني في الكرى وصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا عاد إلى هجره فصارمني
[ ١٦٢ ]
فطرب المتوكل وأحست به، فخرجت إليه، وخرجنا نتبادر، فأعلمني أنها رأته في النوم قد جاءها فصالحها، فقالت هذا الشعر، وغنت فيه، فأقام عندها يشرب وخرجت إلينا الجوائز.
[ ١٦٣ ]