: «١» من الصعب أن يقطع برأي في الأصل الذي انحدر منه أبو حيان التوحيدي، فإن البعض ليزعم أنه فارسي من أصل شيرازي أو نيسابوري أو واسطي، بينما يزعم آخرون أنه عربيّ نشأ في بغداد، ثم وفد بعد ذلك على شيراز. وعلى الرغم من أن ياقوت الحموي يعترف في ترجمته لأبي حيان جهل أصله ونشأته، خصوصا وأن «أحدا لم يذكره في كتاب، ولا دمجه في خطاب»، إلا أنه يميل إلى الظن بأن أبا حيان كان فارسي الأصل، قدم بغداد وأقام بها مدة، ثم مضى بعد ذلك إلى مدينة الرّي. ويستنتج من تضاعيف أحاديث أبي حيان أنه كان يجهل اللغة الفارسية، إلا أن هذا الجهل لا يكفي لإثبات أصله العربي، إذ من الجائز أن يكون قد انحدر عن أصل فارسي، ثم استوطن بغداد مع قومه النازحين إليها، فأتقن العربية، وتعصّب المعرب، وتكفل بالرّد على الشعوبية. ويميل بعض الباحثين إلى القول بأن التوحيدي كان «من أولئك الموالي الذين اختلطت فيهم الدماء والعناصر، فكونت مزيجا غريبا. على أنه كان يشعر بواشجة قربى مع الغرباء
[ ١ / ٦ ]
والأفاقين، حتى كان لا يخالط إلا الغرباء والمجتدين الأدنياء الأردياء، وما هذا إلا لشعوره بأنه واحد منهم، إذ كان يرتد إليهم، مهما زجره عن ذلك زاجر من كبار القوم» «١» .
وأصحاب هذا الرأي يستنتجون أنه من المرجح أن يكون أبو حيان فارسي الأصل، مع احتمال دخول أجناس أخرى في تكوينه العنصريّ.
وأما القائلون بعربيته، فإنهم يؤكدون أنه ليس في مؤلفاته ما يشير إلى فارسيته، فضلا عن أنه لو كان يمت إلى فارس بصلة النسب، لباهى بذلك في عصر كانت الدولة فيه للفرس، وكانت صلته بأمرائهم وحكامهم في القرن الرابع أمله وهدفه. على أنه يلاحظ أن أبا حيان قد زار بلاد الفرس، وكتب رسالة «في العلوم» وجّه فيها الحديث إلى الفارسيّين فقال: «أطال الله بقاءكم وجعل حظ الغريب السلامة بينكم، إذا فاتته الغنيمة منكم
وبعد فإني لم أرد بلادكم من العراق مباهيا لكم، ولا حضرت مجالسكم طاعنا فيكم، ولا تأخرت عنكم متطاولا عليكم الخ» . وواضح من هذه العبارات أن أبا حيان كان يعتبر نفسه غريبا في بلاد الفرس، ولو أنه كان فارسي الأصل، لانتهز هذه الفرصة للتقرب من الفارسيّين أو التودّد إليهم. وعندما وجه الوزير ابن العارض الشيرازي إلى أبي حيان السؤال التالي: «أتفضل العرب على العجم، أم العجم على العرب؟»، فيروي التوحيدي للوزير حديثا مسهبا لابن المقفع- وكان فارسيا أصيلا- يقول فيه إن العرب «أعقل الأمم، لصحة الفطرة، واعتدال البنية، وصواب الفكر، وذكاء الفهم» ! وعلى الرغم من أن الوزير يعلّق على هذه الرواية بقوله: «ما أحسن ما قال ابن المقفع! وما أحسن ما قصصت وما أتيت به!» إلا أننا نرى أبا حيان يستطرد فيقول: «إن لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلّها وعقدها كمال وتقصير» . والتوحيدي يريد بهذه العبارة أن يطمئن الوزير إلى قلة احتفاله بالفوارق العنصرية والخلافات الجنسية، فلا فرق بين فارسيّ وعربيّ، ولا موضع لتفضيل إنسان على آخر لأصله أو نشأته أو وراثته! والتوحيدي يضيف إلى هذا أن الفضائل المأثورة، التي تنسب في العادة إلى كل أمة من الأمم المشهورة «ليست لكل واحد من أفرادها، بل هي الشائعة بينها، ومن جملتها من هو عار من جميعها، وموسوم بأضدادها (بدليل أن) الفرس لا تخلو من جاهل بالسياسة، خال من الأدب، داخل في الرعاع والهمج، كما أن العرب لا تخلو من جبان جاهل طياش بخيل عييّ » .