وقال مرّة أخرى: حدّثني عن اعتقادك في أبي تمّام والبختريّ.
فكان الجواب: إن هذا الباب مختلف فيه، ولا سبيل إلى رفعه، وقد سبق هذا من الناس في الفرزدق وجرير ومن قبلهما في زهير والنابغة حتّى تكلم على هذا الصدر الأول، مع علوّ مراتبهم في الدّين والعقل والبيان، لكن حدّثنا أبو محمد العروضيّ عن أبي العبّاس المبرّد قال: سألني عبيد الله بن سليمان عن أبي تمّام والبحتريّ، فقلت:
أبو تمّام يعلو علوّا رفيعا، ويسقط سقوطا قبيحا، والبحتريّ أحسن الرجلين نمطا، وأعذب لفظا، فقال عبيد الله:
قد كان ذلك ظنّي فعاد ظنّي يقينا
فقلت: وهذا أيضا شعر. فقال: ما علمت.
فقال: هذه حكاية مفيدة من هذا العالم المتقدّم، وحكم يلوح منه الإنصاف، وقد أغنى هذا القول عن خوض كثير.
ودع ذا، من أين دخلت الآفة على أصحاب المذاهب حتى افترقوا هذا الافتراق، وتباينوا هذا التّباين، وخرجوا إلى التكفير والتفسيق وإباحة الدّم والمال وردّ الشّهادة وإطلاق اللّسان بالجرح وبالقذع والتّهاجر والتّقاطع! فكان الجواب: إنّ المذاهب فروع الأديان، والأديان أصول المذاهب، فإذا ساغ الاختلاف في الأديان- وهي الأصول- فلم لا يسوغ في المذاهب وهي الفروع.
فقال: ولا سواء، الأديان اختلفت بالأنبياء، وهم أرباب الصّدق والوحي الموثوق به، والآيات الدّالّة على الصّدق، وليس كذلك المذاهب.
فقيل: هذا صحيح، ولا دافع له، ولكن لمّا كانت المذاهب نتائج الآراء، والآراء ثمرات العقول، والعقول منائح الله للعباد، وهذه النتائج مختلفة بالصّفاء والكدر، وبالكمال والنّقص، وبالقلّة والكثرة، وبالخفاء والوضوح، وجب أن يجري الأمر فيها على مناهج الأديان في الاختلاف والافتراق وإن كانت تلك منوطة بالنبوّة، وبعد، فما دام الناس على فطر كثيرة، وعادات حسنة وقبيحة، ومناشئ محمودة ومذمومة، وملاحظات قريبة وبعيدة، فلابدّ من الاختلاف في كلّ ما يختار ويجتنب،
[ ١ / ٣٩٢ ]
ولا يجوز في الحكمة أن يقع الاتفاق فيما جرى مجرى المذاهب والأديان، ألا ترى أنّ الاتّفاق لم يحصل في تفضيل أمة على أمّة، ولا في تفضيل بلد على بلد، ولا في تقديم رجل على رجل، ولو لم يكن في هذا الأمر إلا التّعصّب واللّجاج والهوى والمحك والذّهاب مع السابق إلى النفس، والموافق للمزاج، والخفيف على الطّباع، والمالك للقلب، لكان كافيا بالغا بالإنسان كلّ مبلغ.
وشيخنا أبو سليمان يقول كثيرا: إنّ الدّين موضوع على القبول والتّسليم، والمبالغة في التّعظيم، وليس فيه «لم» و«لا» و«كيف» إلا بقدر ما يؤكّد أصله ويشدّ أزره، وينفي عارض السّوء عنه، لأن ما زاد على هذا يوهن الأصل بالشكّ، ويقدح في الفرع بالتّهمة.
قال: وهذا لا يخصّ دينا دون دين، ولا مقالة دون مقالة، ولا نحلة دون نحلة، بل هو سار في كلّ شيء في كلّ حال في كلّ زمان، وكلّ من حاول رفع هذا فقد حاول رفع الفطرة ونفي الطّباع وقلب الأصل، وعكس الأمر، وهذا غير مستطاع ولا ممكن، وقد قيل: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» .
وقال لنا القاضي أبو حامد المرورّوذيّ: أنا منذ أربعين سنة أجتهد مع أصحابنا البصريّين في أن أصحّح عندهم أن بغداد أطيب من البصرة، وأنا اليوم في كلامي معهم كما كنت في أوّل كلامي لهم، وكذلك حالهم معي، فهذا هذا. أنظر إلى فضل ومرعوش- وهما من سقط النّاس وسفلتهم- كيف لهج الناس بهما وبالتعصّب لهما حتى صار جميع من ببغداد إما مرعوشيّا وإمّا فضليّا.
ولقد اجتاز ابن معروف وهو على قضاء القضاة بباب الطاق فتعلّق بعض هؤلاء المجّان بلجام بغلته، وقال: أيّها القاضي، عرّفنا، أنت مرعوشيّ أم فضليّ، فتحيّر وعرف ما تحت هذه الكلمة من السّفه والفتنة، وأنّ التخلّص بالجواب الرّفيق أجدى عليه من العنف والخرق وإظهار السّطوة، فالتفت إلى الحرّانيّ- وكان معه وهو من الشهود- فقال: يا أبا القاسم، نحن في محلّة من؟ قال: في محلّة مرعوش، فقال ابن معروف: كذلك نحن- عافاك الله- من أصحاب محلّتنا لا نختار على اختيارهم، ولا نتميّز فيهم. فقال العيّار: امش أيّها القاضي في ستر الله، مثلك من تعصّب للجيران.
فقال الوزير- أحسن الله توفيقه-: هذا كلّه تعصّب وهوى وتماحك وتكلّف. قيل:
هذا وإن كان هكذا فهو داخل فيما عداه من حديث الدّين والمذهب والصّناعة والبلد.
قال أبو سليمان: ولمصلحة عامّة نهي عن المراء والجدل في الدّين على عادة المتكلّمين، الذين يزعمون أنّهم ينصرون الدّين، وهم في غاية العداوة للإسلام والمسلمين، وأبعد الناس من الطّمأنينة واليقين.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ثم حدّث فقال:
اجتمع رجلان: أحدهما يقول بقول هشام، والآخر يقول بقول الجواليقيّ، فقال صاحب الجواليقيّ لصاحب هشام: صف لي ربّك الّذي تعبده، فوصفه بأنه لا يد له ولا جارحة ولا آلة ولا لسان، فقال الجواليقيّ: أيسرّك أن يكون لك ولد بهذا الوصف! قال: لا، قال: أما تستحي أن تصف ربّك بصفة لا ترضاها لولدك! فقال صاحب هشام: إنّك قد سمعت ما نقول، صف لي أنت ربّك. فقال: إنه جعد قطط في أتمّ القامات وأحسن الصّور والقوام. فقال صاحب هشام: أيسرّك أن تكون لك جارية بهذه الصّفة تطؤها؟! قال: نعم، قال: أفما تستحي من عبادة من تحبّ مباضعة مثله!! وذلك لأنّ من أحبّ مباضعته فقد أوقع الشّهوة عليه.
فقال: هذا من شؤم الكلام ونكد الجدل، فلو كان هناك دين لكان لا يدور هذا في وهم ولا ينطق به لسان.
وحكى أيضا قال: ابتلي غلام أعجميّ بوجع شيد، فجعل يتأوّه ويتلوّى ويصيح. فقال له أبوه: يا بنيّ اصبر واحمد الله تعالى فقال: ولماذا أحمده! قال:
لأنّه ابتلاك بهذا، فاشتدّ وجع الغلام ورفع صوته بالتأوّه أشدّ ممّا كان، فقال له أبوه:
ولم جزعك! فقال: كنت أظنّ أنّ غير الله ابتلاني بهذا فكنت أرجوه أن يعافيني من هذا البلاء ويصرفه عنّي، فأمّا إذ كان هو الّذي ابتلاني به فمن أرجو أن يعافيني! فالآن اشتدّ جزعي، وعظمت مصيبتي. قال: ولو علم أنّ الّذي ابتلاه هو الذي استصلحه بالبلاء ليكون إذا وهب له العافية شاكرا له عليها بحسّ صحيح وعلم تامّ، لكان لا يرى ما قاله وتوهّمه لازما.
وحكى أيضا أنّ رجلا من العجم حجّ وتعلّق بأستار الكعبة فطفق يدعو ويقول:
يا من خلق السّباع الضارية، والهوامّ العادية، وسلّطها على الناس، وضربهم بالزّمانة والعمى والفقر والحاجة، فوثب الناس عليه وسبّوه وزجروه وقالوا: ادع الله بأسمائه الحسنى. فأظهر لهم الندّامة، والتّقارف فخلّوا عنه بعد ما أرادوا الوقيعة به، فرجع وتعلّق بأستار الكعبة، وجعل ينادي: يا من لم يخلق السّباع الضّارية، ولا الهوامّ، ولا سلّطها على النّاس، ولم يضرب الناس بالأوجاع والأسقام. فوثبوا عليه أيضا وقالوا له: لا تقل هذا فإنّ الله خالق كلّ شيء، فقال: ما أدري كيف أعمل؟ إن قلت: إنّ الله خالق هذه الأشياء وثبتم عليّ، وإن قلت: إنّ الله لم يخلقها وثبتم عليّ. فقالوا:
هذا ينبغي أن تعلمه بقلبك ولا تدع الله به.
قال أبو سليمان: وهذا أيضا من شؤم الكلام وشبه المتكلّمين الّذين يقولون: لا يجوز أن يعتقد شيء بالتقليد، ولابدّ من دليل، ثم يدلّلون ويختلفون، ثم يرجعون إلى القول بأنّ الأدلّة متكافئة.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وكان ابن البقّال يجهر بهذا القول، فقلت له مرّة: لم ملت إلى هذا المذهب؟
فقال: لأني وجدت الأدلّة متدافعة في أنفسها، ورأيت أصحابها يزخرفونها ويموّهونها لتقبل منهم، وكانوا كأصحاب الزّيوف الّذين يغشّون النّقد لينفق عندهم، وتدور المغالطة بينهم. فقلت له: أما تعرف بأنّ الحقّ حقّ والباطل باطل؟ قال: بلى، ولكن لا يتبيّن أحدهما من الآخر. قلت: أفلأنّه لا يتبيّن لك الحقّ من الباطل تعتقد أنّ الحقّ باطل وأنّ الباطل حقّ؟ قال: لا أجيء إلى حقّ أعرفه بعينه فأعتقد أنّه باطل، ولا أجيء أيضا إلى باطل أعرفه بعينه فأعتقد أنّه حقّ، ولكن لمّا التبس الحقّ بالباطل والباطل بالحق قلت إنّ الأدلّة عليهما ولهما متكافئة، وإنها موقوفة على حذق الحاذق في نصرته، وضعف الضّعيف في الذّبّ عنه. قلت: فكأنّك قد رجعت عن اعترافك بالحقّ أنّه حقّ، وبالباطل أنّه باطل. قال: ما رجعت. قلت: فكأنّك تدّعي الحقّ حقّا جملة والباطل باطلا جملة من غير أن تميّز بالتفصيل. قال: كذا هو. قلت: فما نفعك بالاعتراف بالحقّ وأنّه متميّز عن الباطل في الأصل، وأنت لا تميّز بينهما في التفصيل؟
قال: والله ما أدري ما نفعي منه. قلت: فلم لا تقول: الرأي أن أقف فلا أحكم على الأدلّة بالتّكافؤ، لأنّ الباطل لا يقاوم الحقّ، والحقّ لا يتشبّه بالباطل، إلى أن يفتح الله بصري فأرى الحقّ حقّا في التفصيل، والباطل باطلا على التّحصيل، كما رأيتهما في الجملة، وأنّ الّذي فتح بصري على ذلك في الأوّل هو الّذي غضّ بصري عنه في الثاني؟ قال: ينبغي أن أنظر فيما قلت. فقلت: انظر إن كان لك نظر، ولا تتكلّف النّظر ما دام بك عمى أو عشا أو رمد.
وحكى لنا أبو سليمان قال: وصف لنا بعض النّصارى الجنّة فقال: ليس فيها أكل ولا شرب ولا نكاح. فسمع ذلك بعض المتكلّمين فقال: ما تصف إلّا الحزن والأسف والبلاء.
وقال أبو عيسى الورّاق- وكان من حذّاق المتكلّمين-: إن الآمر بما يعلم أنّ المأمور لا يفعله سفيه، وقد علم الله من الكفّار أنّهم لا يؤمنون، فليس لأمرهم بالإيمان وجه في الحكمة.
قال أبو سليمان: انظر كيف ذهب عليه السّرّ في هذه الحال، من أين أتوا، وكيف لزمتهم الحجّة.
وقال أبو عيسى أيضا: المعاقب الّذي لا يستصلح بعقوبته من عاقبه، ولا يستصلح به غيره، ولا يشفي غيظه بعقوبته جائر، لأنّه قد وضع العقوبة في غير موضعها. قال: لأنّ الله تعالى لا يستصلح أهل النار ولا غيرهم، ولا يشفي غيظه بعقوبتهم، فليس للعقوبة وجه في الحكمة. هذا غرض كتابه الّذي نسبه إلى الغريب المشرقيّ.
[ ١ / ٣٩٥ ]
وقال أبو سعيد الحضرميّ- وكان من حذاق المتكلّمين ببغداد، وهو الذي تظاهر بالقول بتكافؤ الأدلّة-: إن كان الله عدلا كريما جوادا عليما رؤوفا رحيما فإنّه سيصيّر جميع خلقه إلى جنّته، وذلك أنّهم جميعا على اختلافهم يجتهدون في طلب مرضاته، فيهربون من وقع سخطه بقدر علمهم ومبلغ عقولهم، وإنّما تركوا اتّباع أمره لأنّهم خدعوا، وزيّن لهم الباطل باسم الحقّ، ومثلهم في ذلك مثل رجل حمل هديّة إلى ملك، فعرض له في الطريق قوم شأنهم الخداع والمكر والاستلال، فنصبوا له رجلا، وسمّوه باسم الملك الذي كان قصده فسلّم الهدية إليهم، فالملك الّذي قصده إن كان كريما فإنّه يعذره ويرحمه ويزيد في كرامته وبرّه حين يقف على قصّته، وهذا أولى به من أن يغضب عليه ويعاقبه.
وقال أبو سليمان: ذكروا أنّ رجلا رأى قوما يتناظرون، فجلس إليهم فرآهم مختلفين، فأقبل على رجل منهم فقال: أتلزمني أن أقول بقولك وأنا لا أعلم أنّك محقّ؟ فإن قلت: نعم، قلت لك: إنّ بعض جلسائك يدعوني إلى مخالفتك واتّباعه، وليس عندي علم بالمحقّ منكم، وإن ألزمتني أن أتّبع كلّكم فهذا محال، وإن قلت:
لا يلزمك أن تتّبعني ولا غيري إلّا بعد العلم بالمحقّ منكم، لم يخل العلم بذلك من أن يكون فعلي أو فعل غيري، فإن كان العلم فعلا لغيري فقد صرت مضطرّا، ولا أستوجب عليه حمدا ولا ذمّا وإن كان الفعل لي فمن أعظم جهالة ممّن يفعل ما يلزمه الأمر والنهي به، وإن قصّر صيّره ذلك إلى العطب والهلاك، مع أنّ هذا القول يؤدّي إلى أن أكون أنا المعترض على نفسي، لأنه إنما يلزمني ذلك إذا علمت أنّي أقدر أن أعلم وألّا أعلم.
وحكى لنا أيضا قال: سئل عندنا رجل من المتحيّرين بسجستان فقيل له: ما دليلك على صحّة مقالتك؟ فقال لا دليل ولا حجّة. فقيل له: وما الّذي أحوجك إلى هذا؟ قال: لأنّي رأيت الدليل لا يكون إلّا من وجوه ثلاثة:
إمّا من طريق النبوّة والآيات، فإن كان إنما يثبت من هذه الجهة فلم أشاهد شيئا من ذلك ثبتت عندي مقالته.
وإما أن يكون ينبت بالكلام والقياس فإن كان إنما يثبت بذلك فقد رأيتني مرّة أخصم ومرّة أخصم، ورأيتني أعجز عن الحجّة فأجدها عند غيري، وأتنبّه إليها من تلقاء نفسي بعد ذلك، فيصحّ عندي ما كان باطلا، ويفسد عندي ما كان صحيحا، فلمّا كان هذا الوصف على ما وصفت لم يكن لي أن أقضي لشيء بصحّة من هذه الجهة، ولا أقضي على شيء بفساد لعدم الحجّة.
وإمّا أن تكون ثبتت بالأخبار عن الكتب فلم أجد أهل ملّة أولى بذلك من
[ ١ / ٣٩٦ ]
غيرهم، ولم أجد إلى تصديق كلّهم سبيلا. وكان تصديق الفرقة الواحدة دون ما سواها جورا، لأنّ الفرق متساوية في الدّعوى والحجّة والذّبّ والنّصرة.
فقيل له: فلم تدين بدينك هذا الذي أنت على شعاره وحليته، وهديه وهيئته؟
فقال: لأنّ له حرمة ليست لغيره، وذاك أنّي ولدت فيه، ونشأت عليه، وتشرّبت حلاوته، وألفت عادة أهله، فكان مثلي كمثل رجل دخل خانا يستظلّ فيه ساعة من نهار والسّماء مصحية، فأدخله صاحب الخان بيتا من البيوت من غير تخبّر ولا معرفة بصلاحه، فبينا هو كذلك إذ نشأت سحابة فمطرت جودا، ووكف البيت، فنظر إلى البيوت التي في الفندق فرآها أيضا تكف، ورأى في صحن الدّار ردغة، ففكّر أن يقيم مكانه ولا ينتقل إلى بيت آخر ويربح الرّاحة، ولا يلطّخ رجليه بالرّدغة والوحل اللّذين في الصّحن، ومال إلى الصّبر في بيته، والمقام على ما هو عليه، وكان هذا مثلي، ولدت ولا عقل لي، ثم أدخلني أبواي في هذا الدّين من غير خبرة منّي، فلمّا فتّشت عنه رأيت سبيله سبيل غيره، ورأيتني في صبري عليه أعزّ منّي في تركه، إذ كنت لا أدعه وأميل إلى غيره إلّا باختيار منّي لذلك، وأثرة له عليه، ولست أجد له حجّة إلّا وأجد لغيره عليه مثلها.
وحكى لنا ابن البقّال- وكان من دهاة الناس- قال: قال ابن الهيثم: جمع بيني وبين عثمان بن خالد، فقال لي: أحبّ أن أناظرك في الإمامة، فقلت: إنّك لا تناظرني، وإنّما تشير عليّ، فقال: ما أفعل ذلك، ولا هذا موضع مشورة، وإنما اجتمعنا للمناظرة، فقلت له: فإنّا قد أجمعنا على أنّ أولى الناس بالإمامة أفضلهم، وقد سبقنا القوم الذين يتنازع في فضلهم، وإنما يعرف فضلهم بالنّقل والخبر، فإن أحببت سلّمت لك ما ترويه أنت وأهل مذهبك في صاحبك، وتسلّم لي ما أرويه أنا وفرقتي في صاحبي، ثم أناظرك في أيّ الفضائل أعلى وأشرف، قال: لا أريد هذا، وذاك أني أروي مع أصحابي أنّ صاحبي رجل من المسلمين يصيب ويخطئ، ويعلم ويجهل، وأنت تقول في صاحبك: إنّه معصوم من الخطأ، عالم بما يحتاج إليه.
فكيف أرضى هذه الجملة؟ قلت: فأقبل كلّ شيء ترويه أنت وأصحابك في صاحبي من حمد أو ذمّ، وتقبل أنت كلّ شيء أرويه أنا وأصحابي في صاحبك من حمد أو ذمّ، قال: هذا أقبح من الأوّل، وذلك أني وأصحابي نروي أنّ صاحبك مؤمن خيّر فاضل، وأنت وأصحابك تروون أنّ صاحبي كافر منافق، فكيف أقبل هذا منك وأناظرك عليه؟
قال ابن الهيثم: فلم يبق إلّا أن أقول: دع قولك وقول أصحابك، واقبل قولي وقول أصحابي، قال: ما هو إلّا ذاك، قلت: هذه مشورة، وليست مناظرة.
قال: صدقت.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وحكى لنا الزّهيريّ قال: سأل رجل آخر فقال: أتقول إنّ الله نهانا أن نعبد إلهين؟ قال: نعم، قال: وأمرنا أن نعبد إلها واحدا؟ قال: نعم، قال: فالاثنان اللّذان نهانا عن عبادتهما معقولان هكذا؟ وأشار بإصبعيه، قال: نعم، قال: فالواحد الذي أمرنا بعبادته معقول هكذا؟ وأشار بإصبع واحدة، قال: لا، قال: فقد نهانا عمّا يعقل وأمرنا بما لا يعقل، وهذا يعلم ما فيه فانظر حسنا.
وحكى لنا الزّهيريّ قال: حدّثنا ابن الأخشاد قال: تناظر رجلان في وصف الباري سبحانه، واشتدّ بينهما الجدال، فتراضيا بأوّل من يطلع عليهما ويحكم بينهما، فطلع أعرابيّ، فأجلساه وقصّا قصّتهما، ووصفا له مذهبيهما، فقال الأعرابيّ لأحدهما- وكان مشبّها-: أمّا أنت فتصف صنما، وقال للثاني: وأمّا أنت فتصف عدما، وكلاكما تقولان على الله ما لم تعلما.
وقال لنا الأنصاريّ أبو كعب: قال ابن الطحّان الضّرير البصريّ- وكان يقول بقول جهم-: إذا كان يوم القيامة بدّل الله سيّئات المؤمنين حسنات، فيندمون على ما قصّروا فيه من تناول اللّذّات، وقضاء الأوطار بالشّهوات، لأنهم كانوا يتوقّعون العقاب، فنالوا الثّواب، وكان يتلو عند هذا الحديث قول الله ﷿: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
[الفرقان: ٧٠] .
وحكى لنا ابن الثلّاج قال، قال أبو عثمان الآدميّ: إنّ الجنّة لا ساتر فيها، وذلك لأنّ كلّ ساتر مانع، وكلّ مانع آفة، وليست في الجنّة آفة، ولهذا روي في الحديث: إنّ الحور يرى مخّ ساقها من وراء سبعين حلّة سوى ما تحت ذلك من اللّحم والعظم، كالسّلك في الياقوت، فقال له قائل: الجنّة إذا أولى من الحمّام، إذ قيل: بئس البيت الحمّام، يذهب الحياء، ويبدي العورة.
وحكى لنا ابن ربّاط الكوفيّ- وكان رئيس الشّيعة ببغداد، ولم أر أنطق منه- قال: قيل لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب﵇-: من أين جاء اختلاف النّاس في الحديث؟ فقال: الناس أربعة: رجل منافق كذب على رسول الله ﷺ متعمّدا، فلو علم أنّه منافق ما صدّق ولا أخذ عنه. ورجل سمع رسول الله ﷺ يقول قولا أو رآه يفعل فعلا ثم غاب ونسخ ذلك من قوله أو فعله، فلو علم أنّه نسخ ما حدّث ولا عمل به، ولو علم الناس أنّه نسخ ما قبلوا منه ولا أخذوا عنه. ورجل سمع رسول الله ﷺ يقول قولا فوهم فيه، فلو علم أنّه وهم ما حدّث ولا عمل به. ورجل لم يكذب ولم يهم، وشهد ولم يغب.
قال: وإنّما دلّ بهذا على نفسه، ولهذا قال: كنت إذا سئلت أجبت، وإذا سكتّ ابتدئت.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وحكى لنا ابن زرعة النّصرانيّ قال: قيل للمسيح، ما بال الرّجلين يسمعان الحقّ فيقبله أحدهما ولا يقبله الآخر؟ فقال: مثل ذلك مثل الرّاعي الذي يصوّت بغنمه فتأتيه هذه الشاة بندائه، ولا تأتيه هذه.
قال أبو سليمان: هذا جواب مبتور، وليس له سنن، ولعلّ الترجمة قد حافت عليه، والمعنى انحرف عن الغاية، وليس يجوز أن يكون حال الإنسان كيف كان، حال الشاة في إجابة الداعي وإبائها، فإنّ له دواعي وموانع عقليّة وحسّيّة.
فقال الوزير: هذا أيضا باب قد مضى مستوفى، ما الذي سمعت اليوم؟
فقلت: رأيت ابن برمويه في دعوة، وترامى الحديث فقال: رأيت اليوم الوزير شديد العبوس، أهو هكذا أبدا، أم عرض له هذا على بختي؟ فقال ابن جبلة: لعلّه كان ذاك لسبب، وإلّا فالبشر غالب على وجهه، والبشاشة مألوفة منه. فقال ابن برمويه: ما أحسن ما قال الشاعر:
أخو البشر محمود على حسن بشره ولن يعدم البغضاء من كان عابسا
فقال عليّ بن محمد- رسول سجستان-: ما أدري ما أنتما فيه، ولكن يقال: ما أرضى الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا ملك الإخوان، ولا استلّت الشّحناء، ولا رفعت البغضاء، ولا توقّي المحذور، ولا اجتلب السرور، بمثل البشر والبرّ، والهديّة والعطيّة.
وقال الوزير: هات ملحة المجلس.
فكان الجواب: قال أبو همّام ذات يوم: لو كان النخل لا يحمل بعضه إلّا الرّطب، وبعضه إلّا البسر، وبعضه إلّا الخلال، وكنّا متى تناولنا من الشّمراخ بسرة خلق الله مكانها بسرتين، ما كان بذلك بأس.
ثم قال: أستغفر الله، لو كنت تمنّيت بدل نواة التّمر زبدة كان أصوب.
وسأل الوزير: هل يقال في النساء رجلة؟
فكان الجواب: حدّثنا أبو سعيد السّيرافيّ قال: كان يقال في عائشة بنت أبي بكر الصّدّيق ﵄: «كانت رجلة العرب»، وإنما ضاعت هذه الصّفة على مرّ الأيام بغلبة العجمان.
فقال: إنّها والله لكذلك، لقد سمعت من يقول: كان يقال: لو كان لأبيها ذكر مثلها لما خرج الأمر منه.
قال: هل تحفظ من كلامها شيئا؟
فقلت: لها كلام كثير في الشريعة، والرّواية عنها شائعة في الأحكام، ولقد نطقت بعد موت أبيها بما حفظ وأذيع، لكنّي أحفظ لها ما قالته لمّا قتل عثمان:
[ ١ / ٣٩٩ ]
خرجت والناس مجتمعون، وعليّ فيهم، فقالت: أقتل أمير المؤمنين عثمان؟
قالوا: نعم، قالت: أما والله لقد كنتم إلى تسديد الحقّ وتأكيده أحوج منكم إلى ما نهضتم إليه، من طاعة من خالف عليه، ولكن كلّما زادكم الله صحة في دينه، ازددتم تثاقلا عن نصرته طمعا في دنياكم، أما والله لهدم النّعمة أيسر من بنيانهها، وما الزّيادة إليكم بالشّكر، بأسرع من زوال النعمة عنكم بالكفر، أما لئن كان فني أكله، واخترم أجله، إنّه لصهر رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم مرّتين، وما علمنا خلقا تزوّج ابنتي نبيّ غيره، ولو غير أيديكم قرعت صفاته لوجد عند تلظّي الحرب متجرّدا، ولسيوف النّصر متقلّدا، ولكنّها فتنة قدحت بأيدي الظّلمة، أما والله لقد حاط الإسلام وأكّده، وعضّد الدّين وأيّده، ولقد هدم الله به صياصي أهل الشّرك، ووقم «١» أركان الكفر، لله المصيبة به، ما أفجعها! والفجيعة به ما أوجعها! صدّع والله مقتله صفاة الدّين، وثلمت مصيبته ذروة الإسلام، تبّا لقاتله، أعاذنا الله وإياكم من التلبّس بدمه، والرّضا بقتله.
فقال الوزير: ما أفصح لسانها، وأشجع جنانها، في ذلك المحفل الذي يتبلبل فيه كلّ قلقل! ورويت أيضا أنّها قالت: مكارم الأخلاق عشر: صدق الحديث، وصدق البأس، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وبذل المعروف، والتّذمّم للجار، والتّذمّم للصّاحب، والمكافأة بالصّنائع، وقرى الضّيف، ورأسهنّ الحياء.
فقال: والله لكأنّها نغمات النبي ﷺ، ما كان أشهمها، وأعلى نظرها، وأبين جوابها!! وحدّثني أنّ امرأة تظلّمت إلى مسلم بن قتيبة بخراسان، فزبرها، ولم ينظر في قصّتها، فقالت له: إنّ أمير المؤمنين بعثك إلى خراسان لتنظر هل تثبت خراسان بلا عامل أم لا، فقال لها مسلم: اسكتي ويلك، فظلامتك مسموعة، وحاجتك مقضيّة.
وقال مسلم: ما وخز قلبي قطّ شيء مثل قول هذه المرأة، ولقد آليت ألّا أستهين بأحد من ذكر أو أنثى.
وشبيه بهذا قول المعلّى بن أيّوب: رأيت في دار المأمون إنسانا فازدريته، فقلت: لأيّ شيء تصلح أنت؟ على غيظ منّي وتغضّب، فقال: أنا أصلح لأن يقال لي: هل يصلح مثلك لما أنت فيه أولا. قال: فو الله ما وقرت كلمته في أذني حتّى أظلم عليّ الجوّ ونكرت نفسي.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وكان عبد الملك بن مروان إذا كان له خصيّ ووضيء أمر أن يحجب عن نسائه، وقال: هو رجل وإن قطع منه ما قطع، وربّما اجتزأت امرأة بمثلها، وللعين حظّها.
قال عبد الرحمن بن سعيد القرشيّ: كان لهشام بن عبد الملك خصيّ يقال له خالد، وكان وضيئا تأخذه العين، مديد القامة، فخما أبيض، فأمر هشام مسلمة بالغدوّ مسلمة، فحقدها عليه، فلمّا دخل مسلمة إلى هشام لم يزل يذاكره شيئا، ويشير عليه حتى حطّ عن فرشه وجلسا على البساط ومسلمة في ذلك يرمق الخصيّ متى يمرّ به، فلم يلبث أن مرّ معمّما بعمامة وشيء، فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين، أيّ فتياننا هذا؟
قال: غفر الله لك يا أبا سعد، هذا خالد الخصيّ، قال: فقال: يا أمير المؤمنين، لضمّة من هذا خير من مجامعة رجل، فقلق هشام وجعل يتضوّر حتى قام مسلمة، ثم أمر بالخادم فأخرج من الرّصافة، فاتّصل ببعض بنيه، فكتب إليه هشام: إني نحّيته لما بلغك، فجفاه، فلحق الخادم بالثّغر.
وجرى حديث النّفس وأنّها كيف تعلم الأشياء.
فقيل: النّفس في الأصل علّامة، والعلم صورتها، لكنّها لما لابست البدن، وصار البدن بها إنسانا، اعترضت حجب بينها وبين صورتها كثيفة ولطيفة، فصارت تخرق الحجب بكلّ ما استطاعت لتصل إلى ما لها من غيبها، فصارت تعلم الماضي بالاستخبار والتّعرّف والبحث والمسألة والتّنقير، وتعلم الآتي بالتّلقّي والتوكّف والتّبشير والإنذار، وتعلم الحاضر بالتّعارف والمشاهدة ومجال الحسّ، وهذه المعلومات كلّها زمانيّة، ولهذا انقسم بين الماضي والآتي والحاضر.
فأمّا ما هو فوق الزمان فإنّها تعلمه بالمصادفة الخارجة من الزّمان، العالية على حصر الدّهر، وهذه عبارة عن وجدانها، لما لها في غيبها بالحركة اللّائقة بها، أعني الحركة التي هي في نوع السّكون، وأعني بهذا السكون الذي هو في نوع الحركة، ولمّا فقد الاسم الخاصّ بهذا المعنى، ولم يعرف في الإخبار والاستخبار إلّا ما كان مألوفا بالزّمان، التبست العبارة عنه باعتماد السّكون فيما يلحظ منه الحركة، واعتماد الحركة فيما يلحظ منه السّكون، فصار هذا الجزء كأنّه ناقض ومنقوض، وهذا لجذب محلّ الحسّ من نبت العقل، وخصب مراد العقل بكلّ ما علق بالموجود الحقّ.
فقال الوزير: ما أعلى نجد هذا الكلام! وما أعمق غوره! وإني لأعذر كلّ من قابل هذا المسموع بالرّدّ، واعترض على قائله بالتّكبّر، ولعمري إذا تعايت الأشياء بالأسماء والصّفات، وعرض العجز عن إبانتها بحقائق الألقاب، حار العقل الإنسانيّ، وحيّر الفهم الحسّيّ، واستحال المزاج البشريّ وتهافت التركيب الطّينيّ، وقدّر النّاظر
[ ١ / ٤٠١ ]
في هذا الفنّ، والباحث عن هذا المستكنّ، أنه حالم، وأنّ الحلم لا ثمرة له، ولا جدوى منه.
وهذا كلّه هكذا ما دام مقيسا إلى الأمور القائمة بشهادة الإحساس، فأمّا إذا صفا الناظر- أعني ناظر العقل- من قذى الحسّ، فإنّ المطلوب يكون حاضرا أكثر ممّا يكون غيره ظاهرا مستبانا، وليست شهادة العبد كشهادة المولى، ولا نور السّهى كنور القمر.
قال: أنشدني أبياتا غريبة جزلة.
فأنشدت لهدبة العذريّ:
سآوي إلى خير فقد فاتني الصّبا وصيح بريعان الشّباب فنفّرا
أمور وألوان وحال تقلّبت بنا وزمان عرفه قد تنكّرا
أصبنا بما لو أنّ سلمى أصابه تسهّل من أركانه ما توعّرا
وإن ننج من أهوال ما خاف قومنا علينا فإنّ الله ما شاء يسّرا
وإن غالنا دهر فقد غال قبلنا ملوك بني نصر وكسرى وقيصرا
وذي نيرب قد عابني لينالني فأعيا مداه عن مداي فأقصرا
فإن يك دهر نالني فأصابني بريب فما تشوي الحوادث معشرا
فلست إذا الضّرّاء نابت بجبّإ ولا جزع إن كان دهر تغيّرا
فقيل: ما الجبّأ؟ فقال: الجبان.
قال أبو سعيد: حكى العلماء أنّ فلانا جبّأ، إذا نكل.
فقال: ما أمتن هذا الكلام، وألطف هذا الجدد! وما أبعده من تلفيق الضّرورة، وهجنة التكلّف، لولا أنّ سامعه ربّما تطيّر به، وانكسر عليه.
فكان الجواب: قد مرّ في الفأل والزّجر والطّيرة والاعتياف ما إذا تحقّق لم يعج على مثل هذا الاستشعار، ولعمري إنّ المذكور والمسموع إذا كان حسنا وجميلا ومحبوبا ومتمنّى، كان أخفّ على القلب، وأخلط بالنّفس، وأعبث بالرّوح، وكذلك إذا كان ذلك على الضّدّ، فإنّه يكون أزوى للوجه، وأكرب للنّفس، ولكنّ الأمور في الخيرات والشرور ليست فاشية من الطّيرة والعيافة، ولا جارية على هذه الحدود المعروفة، وهي على مقاصدها التي هي غاياتها، ومتوجّهاتها التي هي نهاياتها، وإنما هذه الأخلاق عارضة للنّساء وأشباه النساء، ومن بنينه ضعيفة، ومادّته من العقل طفيفة، وعادته الجارية سخيفة، وإلّا فبأيّ برهان صحّ أنّ الكلام الطّيّب يجلب المحبوب ويكون علّة له؟! وأنّ اللّفظ الخبيث يجلب المكروه ويكون علّة له؟! هذا خور في طباع قائله، وتأنّث في عنصر مستشعره، ولو سلك العلماء والبصراء هذا الطّريق في كلّ حال وفي كلّ أمر لأدّى ذلك إلى فساد عامّ، وآثر ما في هذه القصّة أنّ
[ ١ / ٤٠٢ ]
الإنسان إن أعجبه شيء من هذا لا يعوّل عليه، وإن ساء منه شيء لا يحطّ إليه، بل يكون توكّله على ربّه في مسرّته ومساءته، أكثر من تفرّده بحوله وقوّته، في اختياره وتكرّهه، وهذا يحتاج إلى عقل رصين، وهمّة صاعدة، وشكيمة شديدة، وليس يوجد هذا عند كلّ أحد، ولا يصاب مع كلّ إنسان.
فقال الوزير: قد أخذت المسألة بحقّها، والمستزيد منها ظالم، والزائد عليها متكلّف.
وقال أيضا: أريد أن أسألك عن ابن فارس أبي الفتح- فقد كنت عنده بقرميسين أياما- وما وضح لك من تقدّمه وتأخّره في صناعته وبضاعته؟
فكان من الجواب: إنّه شيخ فيه محاسن ومساوئ، إلّا أنّ الرّجحان لما يذمّ به لا لما يحمد عليه، فمن ذلك أنّ له خبرة بالتصرّف، وهناك أيضا قسط من العلم بأوائل الهندسة، وتشبّه بأصحاب البلاغة، ومذاكرة في المحافل صالحة، إلّا أنّ هذا كلّه مردود بالرعونة والمكر والإيهام والخسّة والكذب والغيبة، وقد كان قرينه بقرميسين يظنّ به خيرا، ويلحظه بعين ما، فلمّا سبره ذمّه وكره أن يعاجله بالصّرف لئلّا يحكم على اختياره بالخطأ، وعلى تصرّفه بالهوى. وللكبراء وذوي القدرة زلّات فاحشة، وفعلات موحشة، ولكن ليس لهم عليها معيّر للخوف منهم، فلمّا تمادى قليلا وجّه ابن وصيف حتى صرفه وقيّده بعد ما وبّخه وفنّده وها هو ذا ألقي ههنا لا يقبل بقبصة، ولا يلتفت إليه بلحظة، ومع ذلك يظنّ أنّ فقر الدّولة إلى نظره كفقر المدنف إلى عافيته.
وله مع طاهر بن محمد بن إبراهيم شرار وقبقبة، وتنديد وشنعة.
وحدّثني ابن أحمد أمس أنّ ابن فارس شارع في أمور خبيثة، وعازم على أشياء قبيحة، ومضرّب بين أقوام ضمّتهم الألفة، واستحكمت بينهم الثّقة، وخلصوا حفظة للدّولة، وحرسا للنّعمة، وعلموا أنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، وما أخوفني على إخواننا الذين بهم عذب شربنا، وأمن سربنا، كفانا الله فيهم وكفاهم فينا كلّ مكروه.
فقال: هو أشيق مبعرا، فو أقمأ منظرا، وأذلّ ناصرا من ذاك، والله لو نفخت عليه لطار، ولو هممت به لبار.
وأمّا ما قلت لي أيّها الشيخ إنّه ينبغي أن تكتب رسائلك إلى الوزير، حتى أقف على مقاصدك فيها، وأستبين براعتك وترتيبك بها، فأنا أفعل ذلك في هذه الورقات، ولم أكتب في طول هذه المدة مع هذه الأحوال العجيبة إلّا رقعتين ورسالتين، فأما الرّقعة الواحدة فإنّها تضمّنت حديث الخادم وما عزم عليه، وقد شافهتك به، وأما الأخرى فحوت حديث ابن طاهر وصاحب الرّصافة، وقد سمعته منّي.
[ ١ / ٤٠٣ ]