ننتقل من «عهد الطلب» إلى «عهد التنقل»، قام أبو حيان بمحاولات عديدة
[ ١ / ١٠ ]
بقصد الخروج من ضائقته المالية، ونيل الحظوة لدى الوزراء والكبراء. فاتصل أبو حيان التوحيدي بالوزير أبي محمد الحسن بن محمد المهلبي- وزير معز الدولة- الذي كان محبا لأهل العلم والأدب، عطوفا على الكتاب والأدباء، والظاهر أن التوحيدي قد جاهر أمام الوزير ببعض الآراء الحرة التي لم يرض عنها المهلبي، خصوصا وأن الشائع عنه أنه كان بعيدا كل البعد عن روح التسامح مع أصحاب العقائد والبدع، فنفاه من بغداد. وهذا ما رواه ابن فارس في «الفريدة والخريدة» حين قال إن الوزير المهلبي وقف على جميع دخلته، وسوء عقيدته، وما يبطنه من الإلحاد، وما يرومه في الإسلام من الفساد، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح، وما يضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح، فطلبه (أي الوزير المهلبي)، وسمع بذلك أبو حيان «فاستتر منه، ومات في الاستتار، وأراح الله منه، ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية» والسبب في اتهام أبي حيان بسوء العقيدة والزندقة والانحلال إنما هو ذلك الكتاب الذي قيل إنه ألفه باسم «الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي»، وهو الكتاب الوحيد الذي يظهر أنه أعرب فيه عن بعض الآراء الصوفية التي تتنافى- في الظاهر- مع قواعد الإسلام.
وقد عدّ ابن الجوزي زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الرّاوندي وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء المعري. واعتبر أبا حيّان أشرهم على الإسلام لأنهما صرّحا بزندقتهما وهو مجمع ولم يصرّح، كذلك فقد رماه الذّهبي بسوء الاعتقاد ووصفه بالضال الملحد، كما وصفه ابن فارس بالكذب وقلّة الدين والورع وبالقدح في الشريعة والقول بالتعطيل، وقال ابن حجر: كان صاحب زندقة وانحلال.
أما محب الدين ابن النجّار، مؤرخ العراق، فقد دافع عنه وقال: «إنه «كان صحيح الاعتقاد»، وذهب إلى ذلك أيضا تاج الدين السّبكي قائلا:
«ولم يثبت عندي إلى الآن من حال أبي حيان ما يوجب الوقيعة فيه، ووقعت على كثير من كلامه فلم أجد منه إلا ما يدل على أنه كان قوي النفس مزدريا بأهل عصره» .
وقد اعتبر عبد الرحمن بدوي أبا حيان أديبا وجوديا في القرن الرابع الهجري، ويضيف أن المستقصي لمراميه البعيدة لا يعدم أن يجد سندا لاتهامه بأنه كان في القليل رقيق الدين أو أنه كان يلونه بلون خاص به لا ينظر إليه أصحاب السنة نظرة الرضا، ويعتقد أن تكفير ابن الجوزي له إنما هو من نوع تكفيره الصوفية عامة. ومع ذلك، فلا نملك الوثائق الكافية للحكم في هذه المسألة حكما صحيحا، لأن الرسالة التي يمكن أن تكون الفيصل في هذا الأمر وهي: (كتاب الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي) لم تصل إلينا، وعنوانها يدعو بالفعل إلى الكثير من التساؤل.
وأيّا ما كان الأمر،- إلى أن يأتي دليل مضاد- فإن التوحيدي كان على الأقل
[ ١ / ١١ ]
يؤمن بسلطة عليا فوق الكون، كما كان يؤمن بهذا أيضا أستاذه أبو سليمان المنطقي السجستاني.
ونتيجة لسوء اعتقاده، في زعم خصومه، نفاه من بغداد الوزير المهلبي، كما طلبه الصاحب كافي الكفاة ليقتله بعد أن اطلع على ما قيل إنه كان يخفيه من القدح في الدين، فالتجأ إلى أعدائه وظل مستترا إلى أن مات في الاستتار.
غادر أبو حيان بغداد- راضيا أم كارها- بقصد الرحيل إلى الريّ للاتصال بأبي الفضل بن العميد. وكان لابن العميد- في ذلك الوقت- قدر مهيب، فقد كان الشعراء يقصدون بابه لكرمه وسخائه، كما كان الناقدون يثنون عليه لفصاحته وبلاغته. ومن بين الذين مدحوا ابن العميد من الشعراء- كما هو معروف- أبو الطيّب المتنبّي، كما أثنى عليه من بين الفلاسفة مسكويه الذي عهد إليه ابن العميد بمنصب «خازن كتبه» .
وكان أبو حيان ينتظر من ابن العميد، أن ينقذه من براثن الفقر، وأن يسبغ عليه الكثير من العطايا، ولكن الظاهر أنه لم يظفر منه بما كان يطمع فيه.
ومهما يكن من شيء، فقد غادر أبو حيان بغداد حوالي سنة ٣٦٧ هجرية قاصدا مدينة الري مرة أخرى للاتصال بالوزير الصاحب بن عباد. وقد كانت خيبة أمله في ابن العميد الوالد وابن العميد الابن (أي في أبي الفضل وأبي الفتح) سببأ في إقباله على باب الصاحب، آملا أن يجد عنده ما لم يظفر به عند ابن العميد. وكان التوحيدي قد سمع عن كرم الصاحب، فقصده «بأمل فسيح، وصدر رحيب»، ولكنه لم يستطع أن ينال حظوته، لرفضه أن يكون كاتب الإنشاء. وقد روى التوحيدي قصة وقوفه بباب الصاحب فقال إنه لما وصل مدينة الري، قال له الصاحب: «الزم دارنا، وانسخ لنا هذا الكتاب، فقلت: أنا سامع مطيع، ثم قلت لبعض الناس في الدار مسترسلا: إنما توجهت من العراق إلى هذا الباب، وزاحمت منتجعي هذا الربيع، لأتخلص من حرفة الشؤم، فإن الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة، فنمى إليه هذا أو بعضه أو على غير وجهه، فزاده تنكرا. وكان الرجل خفيف الدماغ لا يعرف الحلم إلا بالاسم» «١» ..
وواضح من هذه القصة أن أبا حيان لم يكن ينتظر من الصاحب بن عباد أن يعهد إليه بعمل من أعمال الوراقة التي كان قد سئمها وتمنى التخلص منها! ويعترف التوحيدي نفسه بأن الصاحب طلب إليه يوما أن يقرأ عليه الرسالة التي كان قد توسل بها إلى أبي الفتح بن العميد- وكان الوزيران خصمين لدودين- فقرأها التوحيدي عليه، مما أهاج حفيظة الصاحب ضده، خصوصا وأن التوحيدي قد وصف فيها ابن العميد بأنه «سيد الناس»، وأنه «الشمس المضيئة بالكرم، والقمر المنير بالجمال، والنجم الثاقب
[ ١ / ١٢ ]
بالعلم، والكوكب الوقاد بالجود، والبحر الفياض بالمواهب الخ» «١» .
ولا شك أن التوحيدي لم يكن موفقا كل التوفيق حينما تلا تلك الرسالة على مسامع الصاحب بن عبّاد، حتى وإن كان هو الذي أمره بذلك وألحّ عليه فيه، مما جعل المقربين إلى الصاحب يقولون لأبي حيان: «جنيت على نفسك، حين ذكرت عدوّه عنده بخير، وبينت عنه وجعلته سيد الناس !» .
ويروي أبو حيان في موضع آخر أن الصاحب بعث يوما بخادمه إلى أبي حيان، طالبا منه نسخ ثلاثين مجلدة من رسائله، بدعوى أنها مطلوبة في الحال لمدينة خراسان، فما كان من التوحيدي سوى أن أجابه- بعد ارتياع-: «هذا طويل، ولكن لو أذن لي، لخرّجت منه فقرا كالغرر. لو رقى بها مجنون لأفاق، ولو نفث على ذي عاهة لبرأ، لا تمل، ولا تستغث، ولا تعاب، ولا تسترث » . والظاهر أن هذا الكلام قد رفع إلى الصاحب على وجه مكروه، دون أن يعلم أبو حيان من أمره شيئا، فقال ابن عباس: «طعن في رسائلي وعابها، ورغب عن نسخها، وأزرى بها، والله لينكرنّ مني ما عرف، وليعرفن حظه إذا انصرف» ! ويبدو أن الصاحب قد وجد في مسلك أبي حيان تطاولا منه على رئيسه ووليّ نعمته، فإن التوحيدي قد ادّعى لنفسه القدرة على تمييز الغث من السمين في رسائل الصاحب نفسه، وكأنه كان أعلم منه بالرديء والجيد من الكلام! ومع ذلك فإنّ أبا حيان يدهش لما قاله الصاحب: لأنه حين عاب رسائل ابن عباد، فإنه لم يطعن في القرآن، ولم يرم الكعبة بخرق الحيض، ولم يسلح في زمزم!
« وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلدة؟ ومن هذا الذي يستحسن هذا التكليف حتى أعذره في لومي على الامتناع؟ أي إنسان ينسخ هذا القدر، وهو يرجو بعده أن يمتعه الله ببصره أو ينفعه بيده؟ ثم ما ذنبي إذا قال لي: من أين لك هذا الكلام المفوّف المشوّف الذي تكتب إليّ به في الوقت بعد الوقت؟
فقلت: وكيف لا يكون كما يوصف، وأنا أقطف من ثمار رسائله، وأستقي من قليب علمه، وأشيم بارقة أدبه، وأرد ساحل بحره، وأستوكف قطر مزنه! فيقول: كذبت وفجرت لا أمّ لك! ومن أين في كلامي الكدية (أي التوسل) والشحذ والضرع والاسترحام!؟ كلامي في السماء، وكلامك في السّماد !» «٢» .
وقد حاول التوحيدي أن يبرّر موقفه من الصاحب فقال: «ولكني ابتليت به، وكذلك هو ابتلي بي، ورماني عن قوسه معرقا، فأفرغت ما كان عندي على رأسه
[ ١ / ١٣ ]
مغيظا، وحرمني فازدريته، وحقرني فأخزيته، وخصّني بالخيبة التي نالت مني، فخصصته بالغيبة التي أحرقته، والبادي أظلم، والمنتصف أعذر » .
ومهما يكن من شيء فقد انتهت العلاقة بين الرجلين بالقطيعة، إذ فارق التوحيدي فناء الصاحب بن عباد سنة ٣٧٠ هـ، بعد صلة دامت حوالي ثلاث سنوات، رجع على أثرها إلى مدينة السلام صفر اليدين! والتوحيدي يقرر أن الصاحب لم يعطه طوال هذه المدة درهما واحدا، أو ما قيمته درهم واحد، على الرغم من كل ما نسخه له! وهو يقول أيضا إنه إذا كان قد هجا الصاحب فما ذلك إلا لما جرّعه إياه من مرارة الخيبة بعد الأمل، وما حمله عليه من الإخفاق بعد الطمع، «مع الخدمة الطويلة، والوعد المتصل، والظن الحسن، حتى كأني خصصت بخساسته وحدي، أو وجب أن أعامل بها دون غيري» . وأما ياقوت الرومي فإنه يقول إن أبا حيان كان قد قصد ابن عباد بالري، فلما لم يرزق منه، رجع عنه ذامّا له، وكان أبو حيان مجبولا على الغرام بثلب الكرام، فاجتهد في الغض من ابن عباد، ولكن فضائل ابن عباد كانت تأبى إلا أن تسوقه إلى المدح وإيضاح مكارمه، فانقلب ذمّه له مدحا «١» ! وهناك رواية أخرى يرويها الخوانساري مؤدّاها أن التوحيدي كان سيّئ العقيدة، قليل الورع، فلما وقف ابن عباس على حقيقة أمره، طلبه ليقتله، فهرب والتجأ إلى أعدائه، ونفق عليهم بزخرفته وكذبه. ويميل البعض إلى استبعاد هذه الرواية الأخيرة لعدم وجود قرائن تشهد بفساد عقيدة أبي حيان، اللهم إلا أن يكون اتهامه بالزندقة مجرد وسيلة اتخذ منها الصاحب ذريعة للثأر من خصمه (أبي حيان) والتشهير به وتجريح سمعته! ولكن إذا كان أبو حيان لم يوفق في صلاته بأبي الفضل ابن العميد وابنه أبي الفتح بن العميد، وإذا كان الحظ لم يحالفه أيضا في علاقته بالصاحب بن عباد، فإن الظاهر أنه كان أكثر توفيقا مع الوزير ابن العارض أبي عبد الله الحسن بن سعدان (المتوفى سنة ٣٧٥ هـ) وزير صمصام الدولة البويهي. وقد كانت حلقة الاتصال بين أبي حيان وابن سعدان شخصية عالمة فاضلة التقى بها التوحيدي في فارس، فسرعان ما توثقت بينهما أواصر المودة، وتلك هي شخصية أبي الوفاء المهندس البوزجاني الذي أهدى إليه أبو حيان من بعد كتابه «الإمتاع والمؤانسة» تقديرا له واعترافا بفضله.
وقد توطدت العلاقة بين أبي حيان والوزير وابن سعدان، فنسخ له كتاب الحيوان للجاحظ، وألّف له رسالة في «الصداقة والصديق» وسامره بكل تلك الأقاصيص والأحاديث التي رواها في «الإمتاع والمؤانسة» الكتاب الذي بين أيدينا. وقد كان لابن سعدان ناحية علمية أدبية صورها أبو حيان في كتبه «فهو واسع الاطلاع، له مشاركة جيدة في كثير من فروع العلم من أدب وفلسفة وطبيعة وإلهيات وأخلاق، يدل على
[ ١ / ١٤ ]
ذلك حواره الّذي يحكيه أبو حيان.. فهو يسأل أسئلة عميقة، وينقد الإجابة عنها نقدا قيما» . ولم يكن لدى التوحيدي من اللباقة والكياسة ما يستطيع معه مجالسة الوزراء ومسامرة الكبراء، بدليل ما وصفه به صديقه أبو الوفاء حين قال إنه: «غر لا هيئة له في لقاء الكبراء، ومحاورة الوزراء»، ومع ذلك فقد وصله أبو الوفاء بابن سعدان، وهيأ له الفرصة للاختلاء بالوزير، والإلقاء إليه بما شاء واختار! وكان أول ما طلبه أبو حيان من الوزير أن يأذن له بتوجيه الخطاب إليه بالكاف والتاء، ليتكلم من غير تكلّف أو كناية أو حرج أو تعريض! ولم يلبث أبو حيان أن اطمأن إلى مجالس الوزير، فكان يتكلم في حضرته بصراحة، ولم يكن يتحرّج في رواية أقذع النوادر والملح، بل كان يبدي رأيه في حاشية الوزير نفسه دون خوف أو خشية! ويبدو أن أبا حيان قد وجد لدى ابن سعدان صدرا رحبا، وأذنا صاغية، ويدا ممدودة، فإننا نراه يكتب إلى الوزير قائلا: «قد شاهدت ناسا في السفر والحضر، صغارا وكبارا وأوساطا، فما شاهدت من يدين بالمجد، ويتحلى بالجود ويرتدي بالعفو، ويتأزر بالحلم ويعطي بالجزاف، ويفرح بالأضياف، ويصل الإسعاف بالإسعاف، والاتحاف بالاتحاف، غيرك. والله إنك لتهب الدرهم والدينار وكأنك غضبان عليهما، وتطعم الصادر والوارد كأن الله قد استخلفك على رزقهما، ثم تتجاوز الذهب والفضة إلى الثياب العزيزة، والخلع النفيسة والخيل العتاق، والمراكب الثقال، والغلمان والجواري، حتى الكتب والدفاتر وما يضن به كل جواد، وما هذا من سجايا البشر، إلا أن يكون فاعل هذا نبيا صادقا، ووليا لله مجتبى.»
وعلى الرغم من أن أبا حيان لم يكن يتردد في مفاتحة الوزير ابن سعدان برأيه في بعض جلسائه، فلم يسلم من تعريضه أناس كابن شاهويه وبهرام بن سعيد وأبي عيسى عليّ بن زرعة النصراني وابن عبيد الكاتب وغيرهم من ندماء ابن سعدان، إلا أن الصلة لم تنقطع تماما بينهما، حتى في الفترة التي اشتدت فيها أعباء الوزارة على ابن سعدان. وإن كان يشكو أحيانا إلى صديقه أبي الوفاء المهندس تغافل الوزير عنه، ويلح في تذكير أبي الوفاء بوعود الوزير، ولكن ليس ما يبرّر القول بانقطاع الصلة بين أبي حيان وابن سعدان، بدليل أن أبا حيان ظل يذكره بالخير حتى بعد وفاته. ولكن يشاء سوء الطالع أن يلاحق التوحيدي إلى النهاية، فقد بقي ابن سعدان في الوزارة مدة قصيرة، إذ ظهر له عام ٣٧٥ (هجرية) خصم لدود هو أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الذي ظل يكيد له وينصب الشباك للإيقاع به، حتى قبض عليه هو وأصحابه وأودعوا السجن. واستوزر صمصام الدولة أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف، فوشى بابن سعدان لديه وأدخل في روعه أن ابن سعدان يؤلّب الثوار عليه، فأمر صمصام الدولة بقتله، والتنكيل بأعوانه، وكان ذلك في نهاية عام ٣٧٥ هـ.
ويبدو أن أبا حيان قد خشي أن يلاحقه أعوان الوزير الجديد، لأنه كان من
[ ١ / ١٥ ]
رجالات الوزير المقتول، فآثر الاختفاء عن أعين رجال ابن يوسف، وهرب إلى شيراز حيث راح يتردّد على المتصوفة ويعيش معهم. وأخباره خلال تلك الفترة التي ظلّ فيها متخفيا قليلة، ولكن الظاهر أنه كان يعيش في فقر مدقع، بدليل قوله: «لقد غدا شبابي هرما من الفقر، والقبر عندي خير من الفقر» أو قوله: «لقد قال أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنسا بالوحشة، قانعا بالوحدة، معتادا للصمت، ملازما، للحيرة، محتملا للأذى، يائسا من جميع من ترى، متوقعا لما لا بدّ من حلوله، فشمس العمر على شفا، وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى أفول، وظل التلبث إلى قلوص» .
وزاد من حقد التوحيدي على الناس وتشاؤمه من الحياة، ما لاحظه من انصراف الناس عنه، وقسوة الحياة عليه، فلم يلبث أن أحرق ما لديه من مصنفات، ضنا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته، وأبو حيان يتعلل أيضا بمرضه وشيخوخته خصوصا بعد كل ما قاساه من شظف المعيشة وآلام الحياة، فيقول: «لقد كلّ البصر، وانعقد اللسان، وجمد الخاطر، وذهب البيان، وملك الوسواس، وغلب الياس، من جميع الناس ولو علمت في أي حال غلب عليّ ما فعلته، وعند أي مرض، وعلى أية عسرة وفاقة، لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته، واحتججت لي بأكثر ما نشرته وطويته» . وواضح من هذه الكلمات أن أبا حيان يشير إلى حالته النفسية السيئة، فإنه يرى فيها من العذر ما يكفي لتبرير فعلته، فالرجل يشعر بأن هذه الكتب لم تعد تعبّر عن حالته النفسية الراهنة ثم هو يدرك أنها تعبّر عن إخفاقه في الظفر بما كان يأمل من مجد أدبيّ، وهو لهذا وذاك لا يرى داعيا للتمسك بها أو الحرص عليها «١» . هذا إلى أن الشعور بقرب الرحيل قد ولّد في نفس التوحيدي ثورة كبرى على أعزّ ما كان يملك، فلم يتردد في التمرد حتى على كتبه العزيزة التي طالما شاركته حلو الحياة ومرّها! «وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرهما؟ هيهات! الرحيل والله قريب، والثواء قليل، والمضجع مقض، والمقام ممض، والطريق مخوف، والمعين ضعيف، والاغترار غالب، والله من وراء هذا كله طالب » «٢» .
ولا يعرف ماذا كان من أمر التوحيدي بعد إحراقه لكتبه عام ٤٠٠ هـ. وليس بين أيدينا من المراجع ما يقطع بنوع الحياة أو أسلوب المعيشة الذي عاشه أبو حيان في سنواته الأخيرة. ولئن كان بعض الباحثين قد ظن أنه توفي في مطلع القرن الخامس الهجري، إلا أن الظاهر أن الأجل قد امتد به إلى العام الرابع عشر من القرن الخامس،
[ ١ / ١٦ ]
بدليل أن أبا إسحاق إبراهيم بن يوسف الشيرازي قد روى أنه استمع إلى التوحيدي في شيراز سنة ٤١٠ هـ ثم عاد إلى بغداد سنة ٤١٤ هـ بعد وفاة أبي حيان. ولابدّ من أن يكون أبو حيان قد أمضى هذه الفترة الطويلة من الشيخوخة في التعبد والتنسك والاستغفار، بصحبة بعض إخوانه ومريديه من الصوفيين، إلى أن قضى بشيراز ودفن فيها على ما جاء في كتاب «وفيات الأعيان» . وبذلك يكون التوحيدي قد عمّر طويلا، إذ مات عن مائة وأربعة أعوام! وقد روى فارس بن بكران الشيرازي- وكان من أصحاب التوحيدي- الساعات الأخيرة من حياة صاحبه فقال: «لما احتضر أبو حيان كان بين يديه جماعة فقالوا: اذكر الله، فإن هذا مقام خوف، وكل يسعى لهذه الساعة، وجعلوا يذكرونه ويعظونه، فرفع رأسه إليهم وقال: كأني أقدم على جندي أو شرطي، إنّما أقدم على رب غفور، وقضى!» .