لجأ أبو حيان منذ مطلع شبابه إلى مهنة الوراقة، حيث كان ينصرف إلى نسخ الكتب لقاء أجر زهيد، وظل صيته مغمورا لا يبارح دكاكين الوراقين، فلم يحفل به أحد، ولم ينتشر أمره بين مثقفي وأدباء عصره، إذ كان يصل الليل بالنهار في مهنته دون أن يعلم أحد شيئا عن ظروف حياته العائلية والاجتماعية والإنسانية، حتى صمم أخيرا سنة ٣٥٠ هـ وهو على أبواب الأربعين، على وجه التقريب، على الخروج من عالمه والنظر إلى ما حوله في عصر زهت فيه معظم العلوم والمعارف.
والحقيقة تقال انه كان لمهنة الوراقة أثر بارز وأساسي على ثقافة أبي حيان، فقد أفسحت له في المجال أمام قراءة شتى أنواع الكتب وأشكالها فقويت حافظته وتوقد ذهنه واستعت مداركه وتنوعت ثقافته، مما جعله يشعر بنهم كبير إلى العلم فطفق يغزو مجالس العلماء والأدباء والمفكرين ويحضر حلقات التدريس عندهم.
إن نظرة سريعة على أساتذة أبي حيان ترينا أسباب نبوغه، وتنوع معلوماته، وهو إلى جانب ذلك كان شغوفا بكل علم متتبعا كل ثقافة، حتى غدا موسوعيا واسع الأفق خصب الخيال فيلسوفا مع الفلاسفة، متكلما مع المتكلمين، لغويا مع اللغويين ومتصوفا مع المتصوفين، ثم إنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، محقق الكلام ومتكلم المحققين وإمام البلغاء، فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة، كثير التحصيل للعلوم واسع الدراية والرواية. لذلك كان من الطبيعي أن تكثر مؤلفاته وتتنوع موضوعاتها،