وكان أبو الشمقمق «٤» يعيب في طعام جعفر بن أبي زهير، وكان له ضيفان في ضيافة جعفر. وهو مع ذلك يقول:
رأيت الخبز عزّ لديك حتّى حسبت الخبز في جو السحاب
وما روّحتنا «٥» لتذبّ عنا ولكن خفت مرزئة الذباب
وقيل للجمّاز «٦»: رأيناك في دهليز فلان، وبين يديك
[ ١٠٣ ]
قصعة «١»، وأنت تأكل، فمن أيّ شيء كانت القصعة، وأي شيء كان فيها؟ قال: قيء كلب، في قحف «٢» خنزير.
وقيل لرجل من العرب: قد نزلت بجميع القبائل، فكيف رأيت خزاعة؟ قال: جوع وأحاديث.
ونزل عمرو بن معدي كرب «٣» برجل من بني المغيرة، وهم أكثر قريش طعاما، فأتاه بما حضر، وقد كان فيما أتاه به فضل، فقال لعمر بن الخطاب، وهم أخواله: لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين. قال: وكيف؟
قال: نزلت بهم فما قروني غير قوس وكعب وثور «٤» . قال عمر: إن ذلك لشبعة.
وكم قد رأينا من الأعراب من نزل بربّ صرمة «٥»، فأتاه بلبن، وتمر، وحيس «٦»، وخبز، وسمن سلاء «٧»، فبات ليلته ثم أصبح يهجوه: كيف لم ينحر له (وهو لا يعرفه) بعيرا من ذوده، أو من صرمته.
ولو نحر هذا البائس لكلّ كلب مرّ به، بعيرا من مخافة لسانه، لما دار الأسبوع إلا وهو يتعرّض للسابلة «٨»، يتكفّف الناس، ويسألهم العلق «٩» .
[ ١٠٤ ]
وسأل زياد «١» عن رجل من أصحابه فقيل: إنه لملازم، وما يغبّ «٢» غداء الأمير. فقال زياد: فليغبّه، فإن ذلك مما يضرّ بالعيال. فألزموه الغبّ. فعابوا زيادا بذلك. وزعموا أنه استثقل حضوره، في كل يوم، وأراد أن يزجر «٣» به غيره، فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤونة عظيمة «٤» .
وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات، وكما ينظر الراعي للرعية، على مذهب عمر بن الخطّاب ﵁. وقد قال الحسن:
تشبّه زياد بعمر فأفرط «٥»، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس. فجعلتم ذلك عيبا منه.
وقال يوسف بن عمر لقوّام موائده: أعظموا الثريدة، فإنها لقمة الدرداء «٦» . فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه، والصبي الذي لم ينبت فمه. وأطعموهم ما يعرفون، فإنه أنجع وأشفى للقرم «٧» فقلتم: إنما أراد العجلة والراحة، بسرعة الفراغ، وأن يكيدهم بالثريد، ويملأ صدورهم بالعراق «٨» .