كان أبو سعيد المدائني إماما في البخل عندنا بالبصرة. وكان من كبار المعيّنين ومياسيرهم، وكان شديد العقل، شديد العارضة «٤»، حاضر الحجّة «٥»، بعيد الرويّة.
وكنت أتعجبّ من تفسير أصحابنا لقول العرب في لؤم اللئيم الراضع، قال أصحابنا: «كلّ لئيم بخيل، وليس كل بخيل لئيما» . لأن اسم اللئيم يقع على البخل، وعلى قلة الشكر، وعلى مهانة النفس، وعلى
[ ١٨٠ ]
أن له في ذلك عرقا متقدما «١» . قال أبو زيد: هو لئيم ملأم، فاللئيم ما فسّرت، والملأم الذي يقوم بعذر اللئيم «٢» . فأما اللئيم الراضع، فالذي لا يحلب في الإناء، ويرضع من الخلف «٣»، مخافة أن يضيع من اللبن شيء. قال ثوب ابن شحمة العنبري في امرأته الهمدانية:
وحديث مالجة «٤» التي حدّثتني تدع الإناء تشرّبا للقادم
(القادمان الخلفان المقدمان)؛ فلما بلغه ذلك عنها طلّقها، فلما طلّقها قيل له: إن البخيل إنما يعيب الرجل، ومتى سمعت بإمرأة هجيت في البخل؟ قال:
ليس ذلك بي «٥» . أخاف أن تلد لي مثلها.
قال رافع بن هريم «٦»:
تحلب قاعدا وتملج أحيانا وقعبك حاضر
يدعو الله عليه أن يجعله صاحب شاء، ولا يجعله صاحب إبل، وأن يرتضع من الخلف، وإن كان معه إناء. والعربيّ ربما أتلى «٧» على صاحبه فيقول: «إن كنت كاذبا فاحتلبت قاعدا» . أي أبدلك الله بكرم الإبل لؤم الغنم.
فكيف نتعجّب من لؤم الرّاضع، وقد صنع أبو سعيد المدائني أعظم من ذلك: اصطبغ من دنّ خلّ، وهو قائم حتى فني ولم يخرج منه قليلا ولا كثيرا.
[ ١٨١ ]
وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب العينة والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح. فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الخريبة في كل يوم ليقتضي رجلا هناك دراهم فضلت عليه، وقالوا: «هذا خطأ عظيم وتضييع كثير. وإنما الحزم أن يتشدد في غير تضييع. وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه بضروب من البلاء» .
فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ والإستفادة منه؛ قالوا: نراك تصنع شيئا لا نعرفه، والخطأ منك أعظم منه من غيرك. قد أشكل علينا هذا الأمر، فأخبرنا عنه، فقد ضاقت صدورنا به. خبرنا عن مضيّك الى الخريبة «١» لتقتضي خمسة دراهم. فواحدة أنا لا نأمن عليك إنتقاض بدنك «٢»، وقد خلا من سنّك، وان تعتل فتدع القاضي للكثير بسبب القليل. وثانية أنك تنصب هذا النصب «٣»، فلا بد لك من أن تزداد في العشاء إن كنت ممن يتعشى، أو تتعشى إن كنت ممن لا يتعشى. وهذا إذا اجتمع كان أكثر من خمسة دراهم. وبعد، فإنك تحتاج أن تشق وسط السوق، وعليك ثيابك والحمولة تستقبلك، فمن ههنا نترة «٤»، ومن ههنا جذبة، فإذا الثوب قد أودى. ومن ذلك أن نعلك تنقب وترّق وساق سراويلك تتسخ وتبلى. ولعلك أن تعثر في نعلك. فتقدّها قدّا، ولعلك تهرتها هرتا «٥» . وبعد، فاقتضاء القليل أدّى بك إلى هذا وما بلغت منه شيئا. وأنك أفضل. إلا أنّا نحبّ أنك تجلّي عن الأمر بشيء، فليس كلنا يثق لك بالصواب في كل شيء» .
قال أبو سعيد: «أما ما ذكرتم من انتقاض البدن، فإن الذي أخاف على بدني من الدعة، ومن قلة الحركة أكثر. وما رأيت أصح أبدانا من الحمّالين
[ ١٨٢ ]
والطوّافين «١» . والقوم قبلي أن يموتوا لم يكن لهم تلك عادة. وليس يقول الناس:
والله لفلان أصح من الجلاوزة «٢»؟ (يعني اختلاف الجلاوزة في العدو) . ولربما أقمت في المنزل لبعض الأمر، فأكثر الصعود والنزول خوفا من قلة الحركة.
وأما التشاغل بالبعيد عن القريب، فإني لا أعرض للبعيد حتى أفرغ من القريب. وأما ما ذكرتم من الزيادة في الطعم فقد أيقنت نفسي، واطمأن قلبي، على أنه ليس لنفسي إلا ما لها، وأنها إن حاسبتني أيام النصب، حاسبتها أيام الراحة. فستعلم حينئذ أين أيام الخريبة من أيام ثقيف «٣» . وأما ما ذكرتم من تلقّي الحمولة، ومن مزاحمة أهل السوق، ومن النّتر والجذب، فأنا أقطع عرض السوق من قبل أن يقوم أهل السوق لصلاتهم، ثم يكون رجوعي على ظهر السوق «٤» . وأما ما ذكرتم من شأن النعل والسراويل، فإني من لدن خروجي من منزلي، إلى أن أقرب من باب صاحبي، فإنما نعلي في يدي، وسراويلي في كمّي. فإذا صرت إليه لبستهما، فإذا فصلت من عنده خلعتهما.
فهما في ذلك اليوم أودع أبدانا «٥» وأحسن حالا. بقي الان لكم مما ذكرتم شيء»؟ قالوا: «لا»؛ قال: «فههنا واحدة تفي بجميع ما ذكرتم» قالوا:
«وما هي»؟ قال: «إذا علم القريب الدار، ومن لي عليه ألوف الدنانير، شدة مطالبتي للبعيد الدار، ومن ليس لي عليه إلا الفلوس، أتى بحقّي ولم يطمع نفسه في مالي. وهذا تدبير يجمع الى رجوع مالي طول راحة بدني «٦» . ثم أنا بالخيار في ترك الراحة، لأني أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت. وأخرى أن هذا القليل لو لم يكن فضلة من كثير، وموصولا بدين لي مشهور، لجاز أن
[ ١٨٣ ]
أتجافى «١» عنه. فأما أن أدع شيئا يطمع في فضول «٢» ما يبقى على الغرماء «٣»، فهذا ما لا يجوز» . فقاموا وقالوا بأجمعهم: «لا والله لا سألناك عن مشكلة» .
حدّثني أحمد المكي- أخو محمد المكي- وكان متصلا بأبي سعيد، بسبب العينة، وبسبب صنعة المال، ولأعاجيب أبي سعيد وحديثه.
قال أحمد: قلت له مرّة: «والله إنك لكثير المال، وإنك لتعرف ما نجهل، وإن قميصك وسخ، فلم لا تأمر بغسله»؟ قال: «فلو كنت قليل المال وأجهل ما تعرف، كيف كان قولك لي؟ إني قد فكرت في هذا منذ ستّة أشهر، فما وضح لي بعد وجه الأمر فيه.
أقول مرة: الثوب إذا اتسخ أكل البدن، كما يأكل الصدأ الحديد. والثوب إذا ترادفه العرق «٤»، وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد «٥»، أكل السلك وأحرق الغزل. هذا مع نتن ريحه وقبح منظره. وبعد، فإني رجل آتي أبواب الغرماء، وغلمان غرمائي جبابرة، فما ظنّك بهم إذا رأوني في أطمار وسخة وأسمال درنة «٦» وحال حداد «٧»؟ جبهوا مرة «٨»، وحجبوا مرة. فيرجع ذلك علينا بمضرّة من إصلاح المال، وأن ينفي عنه كل ما أعان على حبسه، مع ما يدخل من الغيظ، ويلقى من كان كذلك من المكروه.
فاذا اجتمعت هذه الخواطر، هممت بغسلها. فإذا هممت به عارضني
[ ١٨٤ ]
معارض يوهمني أنه أتاني من جهة الحزم ومن قبل العقل، فقال: أول ذلك الغرم الذي يكون في الماء والصابون. والجارية إذا ازدادت عناء، ازدادت أكلا.
والصابون نورة «١»، والنورة تأكل الثوب وتبلي الخزّ «٢»، ولا يزال الثوب على خطر حتى يسلم الى القصر والدق. ثم إذا ألقى على الرّسن «٣»، فهو بعرض الجذبة والنترة والعلق «٤» . ولا بد من الجلوس يومئذ في البيت. ومتى جلست في البيت، فتحوا علينا أبوابا من النفقة وأبوابا من الشهوات. والثياب لا بد لها من دقّ، فإنّ نحن دققناها في المنزل قطعناها، وإن نحن أسلمناها الى القصار «٥» فغرم على غرم، وعلى أنه ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشدّ. وما جلست في المنزل قط إلا أرجف بي الغرماء «٦»، وادّعوا عليّ الأمراض والأحداث، وفي ذلك لهم فساد والتواء وطمع لم يكن عندهم. فإذا أنا لبستها، وقد ابيضّت وحسنت وجفّت وطابت، تبيّنت عند ذلك وسخ جسدي وكثرة شعري، وقد كان بعض ذلك موصولا ببعض، ففرّقته، فاستبان لي ما لم يكن يستبين، واكترثت لما لم أكن أكترث له. فيصير ذلك مدعاة «٧» الى دخول الحمّام. فإن دخلته فغرم ثقيل، مع المخاطرة بالثياب، ولي امرأة جميلة شابة، إذا رأتني قد اطليت «٨» وغسلت رأسي وبيّضت ثوبي، عارضتني بالتطيّب وبلبس أحسن ثيابها، وتعرضت لي، وأنا فحل، والفحل إذا هاج لم يرد رأسه شيء. فإذا أردت مواقعتها، ورأت حرصي نثرت عليّ الحوائج نثرا. ثم احتجنا إلى تسخين
[ ١٨٥ ]
الماء. وأشد من هذا كله أن تعلق، فتحتاج إلى ظئر «١»، فنقع في ما لا غاية له.
مع أمور كثيرة نسي بعضها أحمد، وبعضها أنا.
وكان أبو سعيد هذا، مع بخله، أشدّ الناس نفسا وأحماهم أنفا «٢» .
بلغ من أمره ذلك ومن بلوغه فيه، أنه أتى رجلا من ثقيف يقتضيه ألف دينار، وقد حلّ عليه المال. فكان ربما أطال عنده الجلوس. ويحضر عنده الغذاء فيتغدّى معه، وهو في ذلك يقتضيه.
فلما طال عليه المطل، قال له يوما، وهو على خوانه:» إن لهذا المال زكاة مؤداة. وقد علمنا أنّا حين أخرجنا هذا المال من أيدينا، أنه معرّض للذهاب، وللمنازعة الطويلة، ولأن يقع في الميراث، ثم رضينا منك بالربح اليسير، بالذي ظنناه بك من حسن القضاء، ولولا ذلك لم نرض بهذا المال «٣» . وهذا المال إذا كان شرطه أن يرجع بعد سنة، فرفّهت عنك بحسن المطالبة شهرا أو شهرين، ثم مكث عندي، إلى أن أصبت له مثلك، شهرا أو شهرين، محق فضله، وخرج علينا فضل. ومثلك يكتفي بالقليل وقد طال اقتضائي وطال تغافلك» . يقول هذا الكلام، وهو في ذلك لا يقطع الأكل.
فأقبل عليه رجل من ثقيف، فعرّض له بأنه لو أراد التقاضي محضا لكان ذلك في المسجد، ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء.
فقطع الأكل، ثم نزا «٤» في وجهه الدم، ونظر إليه نظر الجمل الصؤول «٥»، ثم كاد يطير «٦»، ثم أقبل عليه فقال: «لا أمّ لك! أنا إنما
[ ١٨٦ ]
اصطبغت من دنّ خلّ «١» حتى فني من حسن العقل، وأحببت الغنى بغضي للفقر، وأبغضت الفقر بفضل أنفتي من احتمال الذلّ. تعرّض لي لا أمّ لك بأني أرغب في غدائه؟ والله ما أكلت معه إلا ليستحيي من حرمة المؤاكلة، وليصير كرمه سببا لتعجيل الحاجة «٢»» . ثم نهض بالصك «٣»، وعليه طينته، فاعترض بها الحائط حتى كسرها. ثم تفل في الكتاب وحكّ بعضه ببعض، ثم مزّقه ورمى به. ثم قال لكلّ من شهد المجلس: «هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان، اشهدوا جميعا على أني قد قبضت منه، وأنه بريء من كل شيء أطالبه به، ثم نهض.
فلما صنع ما صنع أقبل الغريم على صاحبه فقال: «ما دعاك إلى هذا الكلام؟ لم تقوله لهذا الرجل على مائدتي، وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف كيف موقع الأمور منه؟ وبعد، فقد والله أردت مطله الى أن أبيع الثمر، ورجونا حلاوته. فقد أحسنت إليه، وأسأت إلينا وعجّلت عليه ماله. اذهب يا غلام، فاضرب بذلك الثمر السوق «٤»، فبعه بما بلغ، فيأخذ ماله كملا «٥»» . ثم ركب إليه، فأبى أن يأخذه، فلما كثر الأمر في ذلك قال: «أظن الذي دعا صاحبك الى ما قال إنه عربيّ وأنا مولى «٦» . فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال، وإن لم تفعل فإني لا آخذه» . فجمع الثقفي كل شعوبيّ «٧» بالبصرة حتى طلبوا إليه «٨» أخذ المال.
[ ١٨٧ ]
وكان أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار. وأمرها أن تجمعها من دون السكان، وتلقيها على كساحتهم «١» . فإذا كان في الحين بعد الحين جلس وجاءت الخادم معها زبّيل «٢»، فعزلت بين يديه من الكساحة زبّيلا، ثم فتّشت واحدا واحدا، فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلى، فسبيل ذلك معروف. وأما ما وجد فيه من الصوف، فكان وجهه أن يباع إذا اجتمع من أصحاب البراذ. «٣»
وكذلك قطع الأكسية، وما كان من خرق الثياب، فمن أصحاب الصينيّات والصلاحيات وما كان من قشور الرمان، فمن الصبّاغين والدبّاغين. وما كان من القوارير، فمن أصحاب الزّجاج. وما كان من نوى التمر، فمن أصحاب الخشوف «٤»، وما كان من نوى الخوخ، فمن أصحاب الغرس، وما كان من المسامير وقطع الحديد، فللحدّادين. وما كان من القراطيس، فللطراز «٥» وما كان الصحف فلرؤوس الجرار. وما كان من قطع الخشب، فللأكافين «٦» . وما كان من قطع العظام، فللوقود، وما كان من قطع الخرق، فللتنانير «٧» الجدد: وما كان من اشكنج «٨» فهو مجموع للبناء، ثم يحرّك ويثار ويخلّل، حتى يجتمع
[ ١٨٨ ]
قماشه «١»، ثم يعزل للتنور. وما كان من قطع القار «٢»، بيع من القيّار. فإذا بقي التراب خالصا، وأراد أن يضرب منه اللبن للبيع وللحاجة إليه، لم يتكلّف الماء، ولكن يأمر جميع من في الدار أن لا يتوضؤوا ولا يغتسلوا إلا عليه، فإذا ابتلّ ضربه لبنا.
وكان يقول: من لم يتعرف الاقتصاد تعرّفي، فلا يتعرّض له.
وذهب من ساكن له شيء، كبعض ما يسرق من البيوت. فقال لهم: اطرحوا الليلة ترابا، فعسى أن يندم من أخذه، فيلقيه في التراب، ولا ينكر مجيئه إلى ذلك المكان، لكثرة من يجيء لذلك. فاتفق أن طرح ذلك الشيء المسروق في التراب. وكانوا يطرحونه على كناسته، فرآه قبل أن يراه المسروق منه. فأخذ منه كراء الكساحة.
فهذا حديث أبي سعيد.