وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع، قال:
كان ابن جذام الشبي يجلس إليّ، وكان ربما انصرف معي إلى المنزل، فيتغدى معنا ويقيم إلى أن يبرد. وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال. فألحّ علي في الاستزارة «٣»، وصمّمت عليه في الإمتناع. فقال:
جعلت فداك أنت تظن أنّي ممن يتكلّف وأنت تشفق عليّ؟ لا والله إن هي إلا كسيرات «٤» يابسة، وملح، وماء الحب. فظننت أنه يريد
[ ١٦١ ]
اختلابي «١» بتهوين الأمر عليه. وقلت: إن هذا كقول الرجل: يا غلام أطعمنا كسرة، وأطعم السائل خمس تمرات. ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه. وما أظن أن أحدا يدعو مثلي إلى الخريبة «٢» من الباطنة «٣»، ثم يأتيه بكسرات وملح.
فلما صرت عنده، وقرّبه إليّ، إذ وقف سائل بالباب فقال: أطعمونا مما تأكلون، أطعمكم الله من طعام الجنّة. قال: بورك فيك. فأعاد الكلام، فأعاد عليه مثل ذلك القول. فأعاد عليه السائل، فقال:
إذهب، ويلك فقد ردوا عليك. فقال السائل: سبحان الله ما رأيت كاليوم أحدا يرد من لقمة، والطعام بين يديه. قال إذهب ويلك، وإلا خرجت إليك، والله، فدققت ساقيك. قال السائل: سبحان الله، ينهي الله أن ينهر «٤» السائل، وأنت تدق ساقيه؟ فقلت للسائل: إذهب وأرح نفسك، فإنك لو تعرف من صدق وعيده مثل الذي أعرف، لما وقفت طرفة عين، بعد ردّه إيّاك.