حدّثني المكّي قال: بتّ عند إسماعيل بن غزوان، وإنما بيّتني عنده حين علم أني تعشّيت عند مويس، وحملت معي قربة نبيذ، فلمّا مضى من الليل أكثره، وركبني النوم، جعلت فراشي البساط ومرفقتي يدي «٣» .
وليس في البيت إلا مصلّى له، ومرفقة ومخدّة. فأخذ المخدّة فرمى بها إليّ، فأبيتها «٤» ورددتها عليه، وأبي وأبيت. فقال: «سبحان الله! يكون أن تتوسّد مرفقك، وعندي فضل مخدّة»؟ فأخذتها فوضعتها تحت خدّي.
فمنعني من النوم إنكاري للموضع، ويبس فراشي. وظنّ أني قد نمت، فجاء قليلا قليلا، حتى سلّ المخدّة من تحت رأسي. فلما رأيته قد مضى بها، ضحكت وقلت: «قد كنت عن هذا غنيا» ! قال: «إنّما جئت لأسوّي رأسك» .
[ ١٧٢ ]
قلت: «إني لم أكن أكلّمك حتى ولّيت بها» قال: «كنت لهذا جئت، فلما صارت المخدّة في يدي نسيت ما جئت به. والنبيذ، ما علمت، والله يذهب بالحفظ أجمع» .
وحدثني الحزامي والمكيّ والعروضيّ، قالوا: سمعنا إسماعيل يقول:
أوليس قد أجمعوا على أن البخلاء في الجملة أعقل من الأسخياء في الجملة. ها نحن أولاء عندك جماعة فينا من يزعم الناس أنه سخيّ.
وفينا من يزعم الناس أنه بخيل. فانظر أيّ الفريقين أعقل؟ هأنذا وسهل بن هارون، وخاقان بن صبيح «١»، وجعفر بن سعيد، والحزاميّ، والعروضي، وأبو يعقوب الخريمي «٢» . فهل معك إلا أبو إسحاق «٣»؟.
وحدّثني المكّي، قال: قلت لإسماعيل مرّة: «لم أر أحدا قطّ أنفق على الناس من ماله، فلمّا احتاج إليهم آسوه» «٤» . قال: «لو كان ما يصنعون لله رضى، وللحقّ موافقا، لما جمع الله لهم الغدر واللؤم من أقطار الأرض. ولو كان هذا الإنفاق في حقه، لما ابتلاهم الله جلّ ذكره من جميع خلقه» .
حدّثني تمام بن أبي نعيم، قال: كان لنا جار، وكان له عرس.
فجعل طعامه كله فالوذق «٥» فقيل له: إن المؤونة تعظم. قال: «احتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة. لعن الله النساء، ما أشك أن من أطاعهن شرّ منهن» .
وحديث سمعناه على وجه الدهر. زعموا أن رجلا قد بلغ في البخل
[ ١٧٣ ]
غايته، وصار إماما، وإنه كان إذا صار في يده الدرهم، خاطبه وناجاه وفدّاه واستبطأه. وكان مما يقول له: «كم من أرض قد قطعت، وكم من كيس قد فارقت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع قد أخملت «١» . لك عندي أن لا تعرى ولا تضحى «٢»» ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذلّ ولا تزعج منه» . وأنه لم يدخل فيه درهما قط فأخرجه.
وأن أهله الّحوا عليه في شهوة، وأكثروا عليه في إنفاق درهم، فدافعهم ما أمكن ذلك. ثم حمل درهما فقط. فبيناه ذاهب إذ رأى حوّاء «٣» قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه، فقال في نفسه: «اتلف شيئا تبذل فيه النفس، بأكلة أو شربة، والله ما هذا إلا موعظة لي من الله» . فرجع إلى أهله، ورد الدرهم الى كيسه. فكان أهله في بلاء، وكانوا يتمنون موته والخلاص منه بالموت، والحياة بدونه.
فلما مات وظن أنهم قد استراحوا منه، قدم إبنه، فاستولى على ماله وداره، ثم قال: «ما كان أدم أبي؟ فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام» . قالوا: «كان يتأدّم «٤» بجبنة عنده» . قال: «ارونيها» «٥» .
فإذا فيها حزّ كالجدول من أثر مسح اللقمة. قال: «ما هذه الحفرة»؟
قالوا: كان لا يقطع الجبن، وإنما كان يمسح على ظهره، فيحفر كما ترى قال: «فهذا أهلكني، وبهذا أقعدني هذا المقعد. لو علمت ذلك ما صلّيت عليه» . قالوا: «فأنت كيف تريد أن تصنع»؟ قال: «أضعها من بعيد، فأشير اليها باللقمة» .
[ ١٧٤ ]
ولا يعجبني هذا الحرف الأخير، لأن الإفراط لا غاية له. وإنما نحكي ما كان في الناس، وما يجوز أن يكون فيهم مثله، أو حجة أو طريقة. فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره. وأما سائر حديث هذا الرجل فإنه من هذه البابة.