ثم أقبل عليهم شيخ آخر فقال: «كنا نلقي من الحرّاق «١» والقدّاحة «٢» جهدا؛ لأن الحجارة كانت، إذا انكسرت حروفها واستدارت، كلّت، ولم تقدح قدح خير، وأصلدت فلم تور «٣» . وربما أعجلنا المطر والوكف «٤» . وقد كان الحجر أيضا يأخذ من حروف القداحة، حتى يدعها كالقوس، فكنت أشتري المرقشيثا «٥» بالغلاء والقداحة الغليظة بالثمن الموجع. وكان علينا أيضا في صنعة الحرّاق، وفي معالجة العطبة «٦» مؤونة، وله ريح كريهة. والحرّاق لا يجيء من الخرق المصبوغة، ولا من الخرق الوسخة، ولا من الكتان، ولا من الخلقان «٧» . فكنا نشتريه بأغلى الثمن. فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو
[ ٥٨ ]
والأعراب، وقدحهم النار بالمرخ «١» والعفار «٢»، فزعم لنا صديقنا الثوريّ، وهو، ما علمت، أحد المرشدين: أن عراجين الأعذاق «٣» تنوب عن ذلك أجمع، وعلّمني كيف تعالج. ونحن نؤتي بها من أرضنا بلا كلفة. فالخادم اليوم، لا تقدح ولا توري إلا بالعرجون» .
قال القوم: «قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة، ولهذا ما قال الأول:
«مذاكرة الرجال تلقح الألباب» .