قال اسماعيل بن غزوان: لله در الكندي! ما كان أحكمه وأحضر حجّته، وأنصح جيبه وأدوم طريقته! رأيته وقد أقبل على جماعة ما فيها إلا مفسد، أو من يزيّن الفساد لأهله، من شاعر بودّه أن الناس كلّهم قد جاوزوا حدّ المسرفين إلى حدود المجانين، ومن صاحب تفقيع «١» واستئكال، ومن ملّاق متقرّب، فقال:
«تسمّون من منع المال من وجوه الخطأ، وحصّنه خوفا من الغيلة «٢»، وحفظه إشفاقا من الذلّة بخيلا، تريدون بذلك ذامه وشينه «٣» وتسمّون من جهل فضل الغنى، ولم يعرف ذلّة الفقر، وأعطى في السرف، وتهاون بالخطأ، وابتذل النعمة «٤»، وأهان نفسه بإكرام غيره جوادا، تريدون بذلك حمده ومدحه؟ فاتهموا على أنفسكم من قدّمكم على نفسه. فإنّ من أخطأ على نفسه، فهو أجدر أن يخطيء على غيره، ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين، كان أجدر أن يخطيء في باطن دينه وفيما يوجد بالعقل. فمدحتم من مدح صنوف الخطأ، وذممتم من جمع صنوف الصواب. فاحذروهم كلّ الحذر ولا تأمنوهم على حال» .
قال اسماعيل: وسمعت الكنديّ يقول:
«إنما المال لمن حفظه، وإنما الغنى لمن تمسّك به «٥» . ولحفظ المال بنيت الحيطان. وعلّقت الأبواب واتخذت الصناديق، وعملت الأقفال،
[ ١٢٣ ]
ونقشت الرشوم «١» والخواتيم «٢»، وتعلّم الحساب والكتاب. فلم يتخذون هذه الوقايات دون المال؛ وأنتم آفته «٣» وأنتم سوسه وقادحه «٤»؟ وقد قال الأول: أحرس أخاك إلا من نفسه ولكن أحسب أنك قد أخذته في الجواسق «٥»، وأودعته الصخور، ولم يشعر به صديق ولا رسول ولا معين. من لك بألّا تكون أشد عليه من السارق وأعدى عليه من الغاصب «٦»؟ وأجعلك قد حصّنته من كل يد لا تملكه، كيف لك من أن تحصّنه من اليد التي تملكه، وهي عليه أقدر ودواعيها أكثر، وقد علمنا أنّ حفظ المال أشدّ من جمعه؟ وهل أتي الناس إلا من أنفسهم، ثم ثقاتهم «٧»؟ فالمال لمن حفظه، والحسرة لمن أتلفه «٨» . وإنفاقه هو إتلافه، وأن حسّنتموه بهذا الإسم وزيّنتموه بهذا اللقب.
وزعمتم إنما سمّينا البخل إصلاحا والشحّ إقتصادا، كما سمّى قوم الهزيمة انحيازا والبذاء «٩» عارضة، والعزل عن الولاية صرفا، والجائر «١٠» على أهل الخراج مستقصيا «١١» . بل أنتم الذي سمّيتم السّرف جودا،
[ ١٢٤ ]
والنفج «١» أريحيّة «٢»، وسوء نظر المرء لنفسه ولعقبه كرما. قال رسول الله ﷺ: «أبدا بمن تعول «٣»» . وأنت تريد أن تغني عيال غيرك بإفقار عيالك، وتسسد الغريب بشقوة القريب، وتتفضل على من لا يعدل عنك، ومن لو أعطيته أبدا لأخذ أبدا.
قد علمتم ما قال صاحبنا لأخي تغلب، فإنه قال: يا أخا تغلب إني والله كنت أجري ما جرى هذا الغيل «٤»، وأجرى وقد انقطع النيل «٥» . إني والله لو أعطيتك، لما وصلت إليك، حتى أتجاوز من هو أحق بذلك منك. إني لو أمكنت الناس من مالي لنزعوا داري طوبة طوبة «٦» . إنه والله ما بقي معي منه إلا ما منعته الناس. ولكني أقول:
والله إني لو أمكنت الناس من نفسي لادّعوا رقّي «٧»، بعد سلب نعمتي» .
قال اسماعيل: وسمعته يقول:
«عجبت لمن قلّت دراهمه كيف ينام. ولكن لا يستوي من لم ينم سرورا، ومن لم ينم غمّا» «٨» . ثم قال: «قال رسول الله ﷺ في وصيّة المرء يوم فقره وحاجته، وقبل أن يغرغر «٩»: «الثلث، والثلث كثير» .
[ ١٢٥ ]
فاستحسنت الفقهاء، وتمنى الصالحون أن نغصّ من الثلث شيئا، لاستكثار رسول الله ﷺ الثلث، ولقوله: «إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس «١»» ورسول الله ﷺ لم يرحم عيالنا إلا بفضل رحمته لنا. فكيف تأمرونني أن أؤثر «٢» أنفسكم على نفسي، وأقدّم عيالكم على عيالي، وأن أعتقد الثناء بدلا من الغنى، وأن أكنز الريح وأصطنع السراب «٣»، بدلا من الذهب والفضة» .
قال إسماعيل: وسمعته يقول لعياله وأصحابه:
«اصبروا عن الرّطب عند ابتدائه وأوائله، وعن باكورات الفاكهة.
فإن للنفس عند كل طارف «٤» نزوة، وعند كل هاجم بدوة، «٥» وللقادم حلاوة وفرحة، وللجديد بشاشة وغرّة. فإنك متى رددتها ارتدّت، ومتى ردعتها ارتدعت والنفس عزوف «٦»، ونفور ألوف، وما حمّلتها احتملت وإن أهملتها فسدت. فإن لم تكفّ جميع دواعيها وتحسم جميع خواطرها، في أول ردّة، صارت أقلّ عددا وأضعف قوة. فإذا أثر ذلك فيها، فعظها في تلك الباكورة بالغلاء والقلة. فإنّ ذكر الغلاء والقلة حجة صحيحة وعلة عاملة في الطبيعة. فإذا أجابتك في الباكورة فسمها مثل ذلك في أوائل كثرتها، واضرب نقصان الشهوة ونقصان قوة الغلبة، بمقدار ما حدث لها من الرخص والكثرة، فلست تلقى على هذا الحساب من معالجة الشهوة في غدك، إلا مثل ما لقيت منها في يومك، حتى
[ ١٢٦ ]
تنقضي أيام الفاكهة وأنت على مثل إبتداء حالك وعلى أول مجاهدتك لشهوتك. ومتى لم تعدّ الشهوة فتنة والهوى عدوّا، اغتررت لهما وضعفت عنهما، وائتمنتهما على نفسك، وهما أحضر عدوّ وشرّ دخيل. فاضمنوا لي النزوة «١» الأولى، أضمن لكم تمام الصبر وعاقبة اليسر، وثبات العزّ في قلوبكم والغني في أعقابكم ودوام تعظيم الناس لكم. فإنه لو لم يكن من منفعة الغنى إلا أنك لا تزال معظّما عند من لم ينل منك قط درهما، لكان الفضل في ذلك بيّنا والربح ظاهرا. ولو يكن من بركة الثروة ومن منفعة اليسر، إلا أن رب المال الكثير لو أتصل بملك كبير، وفي جلسائه من هو أوجب حرمة، وأقدم صحبة وأصدق محبة، وأمتع إمتاعا، وأكثر فائدة وصوابا، إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد، ثم أراد ذلك الملك أن يقسم مالا أو يوزّع بينهم طرفا «٢»، لجعل حظ الموسر «٣» أكثر، وإن كان في كل شيء دون أصحابه، وحظ المخفّ أقل، وإن كان في كل شيء فوق أصحابه.
قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون «٤»، ومذهب الحزامي، وقصص الكندّي، وأحاديث الحارثي، واحتجاجاتهم، وطرائف بخلهم، وبدائع حيلهم.