وأما أبو محمد الخزاميّ، عبد الله بن كاسب، كاتب مويس، وكاتب داود بن أبي داود، فإنه كان أبخل من برأ الله، وأطيب من برأ الله.
وكان له في البخل كلام، وهو أحد من ينصره ويفضله، ويحتج له، ويدعو اليه.
وأنه رآني مرة في تشرين الأول، وقد بكّر البرد شيئا، فلبست كساء لي قومسيا «٥» خفيفا، قد نيل منه. فقال لي: ما أقبح السرف بالعاقل،
[ ٨٧ ]
وأسمج «١» الجهل بالحكيم. ما ظننت أن إهمال النفس، وسوء السياسة، بلغ بك ما أرى. قلت: وأيّ شيء أنكرت منا مذ اليوم، وما كان هذا قولك فينا بالأمس؟ فقال: لبسك هذا الكساء قبل أوانه. قلت: قد حدث من البرد بمقداره. ولو كان هذا البرد الحادث في تموز وآب، لكان إبّانا «٢» لهذا الكساء. قال: إن كان ذلك كذلك، فاجعل، بدل هذه المبطّنة، جبّة محشوّة، فإنها تقوم هذا المقام، وتكون قد خرجت من الخطأ. فأما لبس الصوف اليوم، فهو غير جائز. قلت: ولم؟ قال: لأن غبار آخر الصيف يتداخله ويسكن في خلله، فإذا أمطر الناس، وندي الهواء وابتلّ كل شيء، ابتلّ ذلك الغبار. وإنما الغبار تراب، إلا أنه لباب التراب. وهو مالح، وينقبض عند ذلك عليه الكساء ويتكرّش، لأنه صوف، فتنضم أجزاؤه عليه. فيأكله أكل القادح «٣»، ويعمل فيه عمل السوس، ولهو أسرع فيه من الأرضة «٤» في الجذوع النجرانية.
ولكن أخّر لبسه، حتى إذا مطر الناس، وسكن الغبار، وتلبّد التراب، وحط المطر ما كان في الهواء من الغبار، وغسله، وصفّاه، فألبسه حينئذ، على بركة الله.
وكان يقع إلى عياله بالكوفة، كل سنة مرة، فيشتري لهم من الحب مقدار طبيخهم، وقوت سنتهم. فإذا نظر الى حب هذا، وإلى حبّ هذا، وقام على سعره، اكتال من كل واحد منها كيلة معلومة، بالميزان، واشترى أثقلها وزنا. وكان لا يختار على البلدي والموصلّي شيئا، إلا أن يتقارب السعر. وكان على كل حال يفرّ من الميساني، إلا أنّ يضطرّ اليه.
ويقول: هو ناعم ضعيف، ونار المعدة شيطان، فإنما ينبغي لنا أن نطعم
[ ٨٨ ]
الحجر، وما أشبه الحجر. وقلت له مرّة: أعلمت أن خبز البلدي ينبت عليه شيء شبيه بالطين، والتراب، والغبار المتراكم؟ قال: حبذا ذلك من خبز، وليته قد أشبه الأرض بأكثر من هذا المقدار؟
وكان إذا كان جديد القميص ومغسوله، ثم أتوه بكل بخور في الأرض، لم يتبخّر، مخافة أن يسوّد دخان العود بياض قميصه. فإن اتسخ فأتي بالبخور، لم يرض بالتبخر، واستقصاء ما في العود من القتار «١»، حتى يدعو بدهن، فيمسح به صدره وبطنه، وداخلة إزارة، ثم يتبخر، ليكون أعلق للبخور.
وكان يقول: حبّذا الشتاء، فإنه يحفظ عليك رائحة البخور، ولا يحمض فيه النبيذ، إن ترك مفتوحا، ولا يفسد فيه مرق إن بقي أياما.
وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه. فإذا كان في الصيف، دعا بثيابه، فلبسها على قميصه، لكيلا يضيع من البخور، شيء.
وقال مرّة: إن للشيب سهكة «٢» . وبياض الشعر الأسود هو موته، وسواده حياته. ألا ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت إلا أبيض. والناس لا يرضون منا، في هذا العسكر، إلا بالعناق واللثام.
والطيّب غال، وعادته رديئة. وينبغي لمن كان أيضا عنده، أن يحرسه ويحفظه من عياله. وأن العطّار ليختمه على أخص غلمانه به. فلست أرى شيئا هو خير من اتخاذ مشط صندل «٣»، فإن ريحه طيّبة، والشعر سريع القبول، وأقل ما يصنع أن ينفي سهك الشيب. قصرنا في حال لا لنا ولا علينا. فكان عطر الحزامي إلى أن فارق الدنيا مشط صندل، إلا أن يطيّبه صديق.
[ ٨٩ ]
واستسلف منه عليّ الأسواري مائة درهم، فجاءني وهو حزين منكسر. فقلت له: إنما يحزن من لا يجد بدا من إسلاف الصديق، مخافة ألا يرجع إليه ماله، ولا يعد ذلك هبة منة. أو رجل يخاف الشكيّة، فهو إن لم يسلف كرما، أسلف خوفا. وهذا باب، الشهرة فيه هي قرّة عينك. وأنا واثق باعتزامك وتصميمك، وبقلّة المبالاة بتبخيل الناس لك، فما وجه انكسارك واغتمامك؟
قال: اللهم غفرا! ليس ذاك بي إنما بي أني قد كنت أظنّ أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني، وآيسة مني، وأني قد أحكمت هذا الباب وأتقنته، وأودعت قلوبهم اليأس، وقطعت أسباب الخواطر. فأراني واحدا منهم إن من أسباب إفلاس المرء طمع الناس فيه؛ لأنهم إذا طمعوا فيه، احتالوا له الحيل، ونصبوا له الشّرك»
، وإذا يئسوا منه فقد أمن. وهذا المذهب من عليّ استضعاف شديد. وما أشك أني عنده غمر «٢»، وأني كبعض من يأكل ماله. وهو مع هذا خليط وعشير. وإذا كان مثله لم يعرفني، ولم يتقرر عنده مذهبي، فما ظنّك بالجيران، بل ما ظنك بالمعارف؟ أراني أنفتح في غير فحم، وأقدح بزند مصلد «٣» . ما أخوفني أن أكون قد قصد إليّ بقول. ما أخوفني أن يكون الله في سمائه قد قصد إلى أن يفقرني.
قال: ويقولون: ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك. فما يقولون إن كان أقصر مني، أليس يتخبّل في قميصي؟ وإن كان طويلا جدا، وأنا قصير جدا، فلبسه، أليس يصير آية للسائلين؟ فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة للناس؟ ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي. ومتى يتفق هذا؟ وأنى ذاك محيا وممات؟
[ ٩٠ ]
وكان يقول: أشتهي اللحم الذي قد تهرّأ، وأشتهي أيضا الذي فيه بعض الصلابة. وقلت له مرة: ما أشبهك بالذي قال: أشتهي لحم دجاجتين. قال: وما تصنع بذلك القائل؟ هوذا أنا أشتهي لحم دجاجتين: واحدة خلاسيّة مسمّنة، وأخرى خوامزكة «١» رخصة.
وقلت له مرة: قد رضيت بأن يقال: عبد الله بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الإسم. قلت: وكيف؟ قال: لا يقال فلان بخيل، إلا وهو ذو مال، فسلم إليّ المال، وادعني بأيّ اسم شئت. قلت: ولا يقال أيضا فلان سخيّ، إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الإسم الحمد والمال، واسم البخل يجمع المال والذم. فقد اخترت أخسّهما وأوضعهما. قال:
وبينهما فرق. قلت: فهاته. قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، وفي قولهم: «سخيّ» إخبار عن خروج المال من ملكه. واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم، واسم السخيّ إسم فيه تضييع وحمد. والمال زاهر، نافع، مكرم لأهله، معزّ، والحمد ريح وسخرية، واستماعك له ضعف وفسولة «٢» . وما أقل غناء الحمد، والله، عنه، إذا جاع بطنه، وعري جلده، وضاع عياله، وشمت «٣» به من كان يحسده.
وكنا عند داود بن أبي داود بواسط، أيام ولايته كسكر. فأتته من البصرة هدايا فيها زقاق دبس، فقسمها بيننا، فكلنا أخذ ما أعطي غيره.
فأنكرت ذلك من مذهبه، ولم أعرف جهة تدبيره. فقلت للمكيّ: قد علمت أن الحزامي إنما يجزع من الإعطاء وهو عدوّه، فأمّا الأخذ فهو ضالّته وأمنيته. وإنه لو أعطي أفاعي سجستان، وثعابين مصر، وحيّات الأهواز، لأخذها، إذ كان اسم الأخذ واقعا عليها، فعساه أراد التفضيل
[ ٩١ ]
في القسمة. قال: أنا كاتبه، وصداقتي أقدم، وما ذلك به. وإن ههنا أمرا ما نقع عليه.
فلم يلبث أن دخل علينا، فسألته عن ذلك، فتعصّر قليلا. ثم باح بسرّه. قال: وضيعته أضعاف ربحه، وأخذه عندي من أسباب الأدبار.
قلت: أوّل وضائعه احتمال الشكر.
قال: هذا لم يخطر لي قط على بال. قلت: فهات إذا ما عندك.
قال: أول ذلك كراء «١» الحمّال. ثم هو على خطر حتى يصير الى المنزل. فإذا صار الى المنزل، صار سببا لطلب العصيدة «٢»، والأرزة، والبستندود «٣» . فإن بعته فرارا من هذا، صيّرتموني شهرة، وتركتموني عنده آية، وإن أنا حبسته، ذهب في العصائد، وأشباه العصائد، وجذب ذلك شراء السمن، ثم جذب السمن غيره، وصار هذا الدبس أضرّ علينا من العيال.
وإن أنا جعلته نبيذا، احتجت إلى كراء القدور، والى شراء الحبّ «٤»، وإلى شراء الماء، وإلى كراء من يوقد تحته، والى التفرّغ له.
فإن ولّيت ذلك الخادم أسودّ ثوبها، وغرمنا ثمن الأشنان «٥»، والصابون، وازدادت في الطّعم على قدر الزيادة في العمل. فإن فسد، ذهبت النفقة باطلا، ولم نستخلف منها عوضا بوجه من جميع الوجوه. لأن خلّ الداذي يخضب «٦» اللحم، ويغيّر الطعم، ويسوّد المرق، ولا يصلح للإصطباغ.
[ ٩٢ ]
وهذا إذا استحال خلا، وأكثر ذلك أن يحول عن النبيذ، ولا يصير إلى الخلّ. وإن سلم، وأعوذ بالله، وجاد وصفا، لم نجد بدّا من شربه، ولم تطب أنفسنا بتركه. فإن قعدت في البيت أشرب منه، لم يمكن إلا بترك سلاف «١» الفارسيّ المعسّل، والدجاج المسمّن، وجداء كسكر «٢»، وفاكهة الجبل، والنقل الهشّ، والريحان الغضّ، عند من لا يغيض ماله، ولا تنقطع مادته، وعند من لا يبالي على أيّ قطريه «٣» سقط، مع فوت الحديث المؤنس، السماع الحسن.
وعلى أني إن جلست في البيت أشربه، لم يكن لي بدء من واحد، وذلك الواحد لا بدّ له من دريهم لحم، ومن طسوج «٤» نقل، وقيراط ريحان، ومن أبراز للقدر، ومن حطب للوقود. وهذا كلّه غرم، وهو بعد هذا سؤم، وحرفة، وخروج من العادة الحسنة، فإن كان ذلك النديم غير موافق، فأهل الحبس أحسن حالا مني. وإن كان وأعوذ بالله موافقا، فقد فتح الله على مالي بابا من التلف، لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال من هو فوقي. وإذا علم الصديق أن عندي زائرا ونبيذا، دق الباب، دقّ المدل. فإن حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء.
وإن بدا لي في استحسان حديث الناس، كما يستحسنه مني من أكون عنده، فقد شاركت المسرفين، وفارقت إخواني من المصلحين، وصرت من إخوان الشياطين. فإذا صرت كذلك، فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكسب منّي. وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له، فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ. أعوذ بالله من الخذلان بعد
[ ٩٣ ]
العصمة «١»، ومن الحور بعد الكور «٢» . لو كان هذا في الحداثة «٣» كان أهون.
هذا الدوشاب «٤» دسيس من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود. وهو الحلاوة التي تعقب المرارة. ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد ملّ منادمتي، فهو يحتال لي الحيل.
وكنّا مرّة موضع حشمة، وفي جماعة كثيرة، والقوم سكوت، والمجلس كبير. وهو بعيد المكان مني. فأقبل عليّ المكّي وقال، والقوم يسمعون: يا أبا عثمان من أبخل أصحابنا؟ قلت: أبو الهذيل. قال: ثمّ من؟ قلت: صاحب لنا لا أسمّيه. قال الحزاميّ من بعيد: إنما يعنيني.
ثم قال: حسدتم للمقتصدين تدبيرهم، ونماء أموالهم «٥»، ودوام نعمتهم، فالتمستم تهجينهم «٦» بهذا اللقب، وأدخلتم المكر عليهم بهذا النبّز «٧» . تظلمون المتلف لماله باسم الجود، إدارة له عن شيئه، وتظلمون المصلح لماله باسم البخل، حسدا منكم لنعمته، فلا المفسد ينجو، ولا المصلح يسلم.