وقيل للحارثي بالأمس: والله إنك لتصنع الطعام فتجيده، وتعظم
[ ٩٥ ]
عليك النفقة، وتكر منه؛ وإنك لتغالي «١» بالخبّاز والطبّاخ والشواء والخباص، ثم أنت مع هذا كله لا تشهده عدوّا لتغمّه «٢»، ولا وليّا فتسرّه، ولا جاهلا لتعرّفه، ولا زائرا لتعظّمه، ولا شاكرا لتثبّته. وأنت تعلم حين يتنحّى من بين يديك، ويغيب عن عينيك. فقد صار نهبا مقسما، ومتوزعا مستهلكا. فلو أحضرته من ينفع شكره، ويبقى شكره، ويبقى على الأيام ذكره، ومن يمتعك بالحديث والإستماع، ومن يمتدّ به الأكل، ويقصر به الدهر، لكان ذلك أولى بك، وأشبه بالذي قدّمته يدك.
وبعد، فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك، ومن ان حمدك لم يحسن أن يحمدك، ومن لا يفصل بن الشهيّ القديّ، وبين الغليظ الزهم «٣»؟ قال: يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك. قالوا: ومن أبو الفاتك؟ قال: قاضي الفتيان «٤» . وإني لم آكل مع أحد، قطّ ألا رأيت منه بعض ما ذمّه، وبعض ما شنّعه وقبّحه. فشيء يقبح بالشطّار، فما ظنك به إذا كان في أصحاب المروءات، وأهل البيوتات؟ قالوا: فما قال أبو الفاتك.
قال: قال أبو الفاتك: الفتى لا يكون نشّالا، ولا نشّافا، ولا مرسالا، ولا لكّاما، ولا مصّاصا، ولا نقّاضا، ولا دلّاكا، ولا مقوّرا، ولا مغربلا، ولا محلقما، ولا مسوّغا ولا ملغّما، ولا مخضّرا. فكيف لو رأى أبو الفاتك اللطّاع، والقطّاع، والنهّاش، والمدّاد، والدفّاع، والمحوّل «٥»؟
[ ٩٦ ]
والله إني لأفضّل الدهاقين «١»، حين عابوا الحسو «٢»، وتقززوا من التعرّق»
، وبهرجوا صاحب التمشيش «٤»، وحين أكلوا بالبارجين «٥»، وقطعوا بالسكين، ولزموا عند الطعام السكتة، وتركوا الخوض، واختاروا الزمزمة.
أنا والله أحتمل الضيق والضيّفن، ولا أحتمل اللعّموظ ولا الجردبيل. والواغل أهون عليّ من الراشن «٦» .
ومن يشكّ أن الوحدة خير من جليس السوء، وأن جليس السوء خير من أكيل السوء؟ لأن كل أكيل جليس، وليس كل جليس أكيلا.
فإن كان لا بد من المؤاكلة، ولا بد من المشاركة، فمع من لا يستأثر عليّ بالمخّ، ولا ينتهز بيضة البقيلة «٧»، ولا يلتهم كبد الدجاجة، ولا يبادر إلى دماغ رأس السلّاءة «٨» ولا يختطف كلية الجدي، ولا يزدرد قانصة الكركّي «٩»، ولا ينتزع شاكلة الحمل «١٠» ولا يقتطع سرّة الشّيصان «١١»، ولا يعرض لعيون الرؤوس، ولا يستولي على صدور الدجاج، ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ، ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره
[ ٩٧ ]
ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين غيره، ولا يتشهّى الغرائب، ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، ولا يهتك أستار الناس بأن يتشهّى ما عسى ألا يكون موجودا.
وكيف تصلح الدنيا، وكيف يطيب العيش، مع من إذا رأى جزوريّة، التقط الأكباد والأسنمة، وإذا عاين بقريّة، استولى على العراق والقطنة، وإن أتوا بجنب شواء، اكتسح كل شيء عليه. لا يرحم ذا سن لضعفه، ولا يرقّ على حدث لحدّة شهوته، ولا ينظر للعيال، ولا يبالي كيف دارت بهم الحال؛ وإن كان لا بد من ذلك، فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي.
وأشد من كل ما وصفنا، وأخبث من كل ما عددنا، أن الطبّاخ، ربما أتى باللون الطريف، وربما قدّم الشيء الغريب، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص، صغير الحجم، وليس كالطفشيلية «١»، ولا كالهريسة «٢»، ولا كالفجلية، ولا كالكرنبية «٣»، وربما عجّل عليه، قدّمه حارا ممتنعا، وربما كان من جوهر بطيء الفتور. وأصحابي في سهولة ازدراد «٤» الحار عليهم، في طباع النعام، وأنا في شدّة الحار عليّ، في طباع السباع. فإن انتظرت إلى أن يمكن أتوا على آخره، وإن بدرت مخافة الفوت «٥»، وأردت أن أشاركهم في بعضه، لم آمن ضرره. والحار ربما قتل، وربما أعقم، وربما أبال الدم.
ثم قال: هذا عليّ الأسواري، أكل مع عيسى بن سليمان بن علي، فوضعت قدّامهم سمكة عجيبة، فائقة السمن، فجلط بطنها جلطة،
[ ٩٨ ]
فإذا هو يكتنز شحما. وقد كان غص بلقمة، وهو المستسقي ففرغ من الشراب، وقد غرف من بطنها كل إنسان منهم بلقمته غرفة.
وكان عيسى ينتخب الأكلة، ويختار منهم كل منهوم فيه، ومفتون به. فلما خاف عليّ الأسواري الإخفاق، وأشفق من الفوت، وكان أقربهم إليه عيسى، استلب «١» من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي «٢»، وانكدار العقاب «٣»، من غير أن يكون أكل عنده، قبل مرّته. فقيل له: ويحك! استلبت لقمة الأمير من يده، وقد رفعها اليه وشحا لها فاه «٤»، من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة. قال: لم يكن الأمر كذلك، وكذب من قال ذلك. ولكنا أهوينا أيدينا معا، فوقعت يدي في مقدّم الشحمة، ووقعت يده في مؤخر الشحمة، معا. والشحم ملتبس بالأمعاء. فلما رفعنا أيدينا معا، كنت أنا أسرع حركة، وكانت الأمعاء متصلة غير متباينة، فتحوّل كل شيء كان في لقمته بتلك الجذبة الى لقمتي، لإتصال الجنس بالجنس، والجوهر بالجوهر.
وأنا كيف أؤاكل أقواما يصنعون هذا الصنيع، ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج؟
ثم قال: إنكم تشيرون عليّ، بملابسة شرار الخلق، وأنذال الناس، وبكل عياب متعتّب، ووثاب على أعراض الناس متسرع. وهؤلاء لم يرضوا أن يدعوهم الناس، ولا يدعوا الناس، وأن يأكلوا ولا يطعموا، وأن يتحدثوا عن غيرهم، ولا يبالون أن يتحدث عنهم، وهم شرار الناس.
ثم قال: اجلس معاوية (وهو في مرتبة الخلافة، وفي السطح من
[ ٩٩ ]
قريش، وفي نبل الهمة، وأصالة الرأي، وجودة البيان، وكمال الجسم، وفي تمام النفس عند الجولة، وعند تقصّف الرماح، وتقطع السيوف) رجلا على مائدته، مجهول الدار، غير معروف النسب، ولا مذكور بيوم صالح. فأبصر في لقمته شعرة، فقال: خذ الشعرة من لقمتك. ولا وجه لهذا القول منه إلا محض النصيحة، والا الشفقة. فقال الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة؟ لا جلست لك على مائدة ما حييت، ولأحكينها عنك ما بقيت. فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان أحسن وأجمل: تغافله عنه أم شفقته عليه. فكان هذا جزاؤه منه، وشكره له.
ثم قال: وكيف أطعم من إن رأيته يقصّر في الأكل فقلت له كل، ولا تقصّر في الأكل. قال: ولم فطن لفضل ما بين التقصير وغيره؟ وإن قصّر فلم أنشّطه، ولم أحثّه. قال لولا أنه وافق هواه.
ثم قال: ومد رجل من بني تميم يده إلى صاحب الشراب يستسقيه، وهو على خوان المهلّب، فلم يره الساقي، ولم يفطن له. ففعل ذلك مرارا والمهلّب يراه، وقد أمسك عن الأكل الى أن يسيغ لقمته بالشراب.
فلما طال ذلك على المهلّب، قال: اسقه يا غلام ما أحبّ من الشراب.
فلما سقاه استقله، وطلب الزيادة منه. وكان المهلب أوصاهم بالإقلال من الماء والإكثار من الخبز. قال التميمي: إنك لسريع الى السقي، سريع الى الزيادة. وحبس يده عن الطعام. فقال المهلب: إله عن هذا أيها الرجل، فإن هذا لا ينفعك ولا يضرّنا. أردنا أمرا وأردت خلافه.
وقد علمت أني دون معاوية، ودون المهلّب بن أبي صفرة «١»، وأنهم
[ ١٠٠ ]
إليّ أسرع، وفي لحمي أرتع «١» .
ثم قال: وفي الجارود بن أبي سبرة «٢» لكم واعظ، وفي أبي الحارث جميّن زاجر. فقد كانا يدعيان الى الطعام، وإلى الإكرام، لظرفهما، وحلاوتهما، وحسن حديثهما، وقصر يومهما. وكانا يتشهيان الغرائب، ويقترحان الطرائف، ويكلفان الناس المؤن الثقال «٣» ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد. فكان جزاؤهم من إحسانهم ما قد علمتم.