اعلم أن الإغراق هو أن يبالغ في شيء بلفظه ومعناه، كما قال المتنبي:
[ ٨٣ ]
عهدي بمعركةِ الأمير وخيله في النقعِ محجمةً عن الإحجامِ
وقوله أيضًا:
وإذا أشفقَ الفوارسُ من وقعِ ال قنا أشفقوا من الإشفاقِ
وقال رجل لجعفر الصادق ﵇: إني أخاف ذنوبي، فقال: هنيئًا إنما الخوف ألا تخاف.
وقال بعض العلماء: ليس معي من العلم إلا أني أعلم أني لا أعلم.
أخذه بعض الشعراء فقال:
أليس عجيبًا بأني امرؤٌ شديدُ الجدال دقيقُ الكلم
يموتُ وما علمتْ نفسه سوى علمه أنه ما علمْ
ومنه لغيره:
جهلتَ ولمْ تعلمْ بأنك جاهلٌ فمنْ لي بأنْ تدري بأنكَ لا تدري
ومنه لغيره:
ومليحةِ الألحاظِ فاتنةٍ نفاثةٍ بالسحرِ في العقدِ
ضنتْ بموعدها فقلتُ لها: يا هذهِ، فعدي بأنْ تعدي
ومنه لغيره:
فكأنما ألفاظهُ يومَ النوىَ منْ رقة الشكوى دموعُ دموعِ
ومنه لغيره:
[ ٨٤ ]
أخلف وعدي منجزُ الوعدِ فبحتُ بالوجد من الوجدِ
وحال عن عهدي وعهدب به يحلفُ لا حالَ عنِ العهدِ
يا ليته إذ صدَّ عنْ وصلِ منْ هامَ بهِ صدَّ عن الصدِّ
ومنه لابن البياضي:
وإن تكُ مثلما زعموإ، ملولًا لمنْ تهوى سريعَ الإنتقالِ
صبرتُ على ملالك لي برغمي وقلتُ: عسى تملُّ منَ الملالِ
ومنه لغيره:
ويطمعُ في رجعاتِ الملو ل، لأنَّ الملولَ يملّ الملالَ
يملُّ القطيعةَ مستأنفًا كما ملَّ من قبل ذاك الوصال
ومنه لغيره:
لو سرتَ حين مللتَ سيرةَ منصفٍ لسننتَ وحدك سنةً لم تعرفِ
من صحَّ قبلك في الهوى ميثاقه حتى تصحَّ، ومنْ وفى حتى تفي
عرف الهوى في الخلق مذ خلق الهوى بمذلةِ الأقوى وعزّ الأضعفِ
فلألبسنَّ حملتُ أو لم أحتملْ ثوبَ السقام، عطفتَ أو لمْ تعطفِ
ومنه لغيره:
حببتكمُ حبَّ اليمينِ شمالها وغايةُ جهد الحبّ ما وسع القلبُ
وبوأتكم منه السواد، ولم يكنْ لغيركم منهُ مضيقٌ ولا رحبُ
لكمُ في الحشا من قبل أن تخلق الحشا سرائر حبٍّ قبل أن يخلق الحبُّ
[ ٨٥ ]
ومنه لغيره:
وما زالَ يلوي ذيولَ الهوى ويؤيسنا من قليل النوال
إلى أنْ وقعنا بزور المزا رِ، وبعد الكرى، وخيال الخيالِ
ومنه للمتنبي:
إن المعيدَ لنا المنام خياله كانتْ إعادته خيال خياله
باب