اعلم أن الاستطرد نبه عليه أبو تمام والبحتري، وهو إن تمدحن شيئًا أو تذمه ثم تأتي في آخر الكلام بشيء هو غرضك في أوله، وهو في أشعار المتأخرين بالقصد وفي أشعار المتقدمين بالطبع؛ فمما جاء منه في أشعار العرب ما أنشده في الحماسة:
[ ٧٥ ]
وإنا لقومٌ لا نرى القتل سبةً إذا ما رأته عامرٌ وسلولُ
يقرب حبُّ الموت آجالنا لنا وتكرههُ آجالهمْ فتطولُ
مح نفسه وقبيلته واستطرد بهجاء قبيلتين.
ولحسان بن ثابت الأنصاري:
إن كنت كاذبة الذي حدثتنا فنجوتِ منجى الحارث بن هشامِ
تركَ الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرةٍ ولجامِ
ومثله لزهير بن أبي سلمى:
إنَّ البخيل ملومٌ حيثُ كان ول كنَّ الجوادَ على علاتهِ هرم
هوَ الجوادُ الذي يعطيكَ نائله عفوإن ويظلمُ أحيانًا فيظلمُ
ولبعضهم:
وأحببتُ من حبها الباخلينَ حتى هويت ابن سلمى سعيدا
ولبعضهم:
إنَّ الفراغ دعاني إلى ابتناءِ المساجدْ
وإن رأيي فيها كرأي يحيى بنِ خالدْ
[ ٧٦ ]
ومنه لأبي نواس:
ضاع من عنف أو فن دَ فيها يا دفافهْ
مثلما زلتْ وضاعتْ بعد هرونَ الخلافهْ
وله أيضًا:
من رأى الناسُ له الفض لَ عليهمْ حسدوهُ
مثلما قد حسدَ الق ائمَ بالملك أخوهُ
ولآخر:
فما ذرَّ قرنُ الشمس حتى رأيتنا من العيّ تحكي أحمدَ بنَ هشامِ
وللسري الرفاء:
لنا روضةٌ بالدار صيغ بزهرها قلائدُ من حليِ الندى وشنوفُ
يطيف بنا فيها إذا ما تبسمتْ نسيمٌ كعقل الخالديّ ضعيفُ
وماءٌ حكى أشعارَ حمدٍ ببردهِ ولكنه يحيى وتلكَ حتوفُ
وللبحتري:
وأغرَّ في الزمنِ البهيمِ محجلِ قد رحتُ منهُ على أغرَّ محجلِ
كالهيكلِ المبنيّ إلاَّ أنهُ في الحسن جاء كصورةٍ في هيكلِ
[ ٧٧ ]
يهوي كما يهوي العقابُ إذا رأى صيدًا وينتصب انتصاب الأجدلِ
تتوهمُ الجوزاءَ في أرساغه والنجمَ غرةَ وجهه المتهللِ
ما إنْ يعافُ قذىً، ولو أوردته يومًا خلائقَ حمدويهِ الأحولِ
آخر:
وليلٍ كوجهِ البرقعيديّ ظلمه وبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومي فيه غير مشردٍ كعقل سليمان بن وهبٍ ودينه
على أولقٍ فيه التفاتٌ كأنه أبو جابرٍ في خبطه وجنونه
ولاح لنا نورٌ كأنّ وميضهُ سنا بدران ونور جبينه
ولأبي تمام:
وسابحٍ هطلِ التعداءِ هتانِ على الجراءِ أمينٍ غير خوانِ
أظمى الفصوص وما تظمى عرائكه فخلّ عينيكَ في ظمآن ريانِ
فلو تراهُ مشيحًا والحصى زيمٌ تحت السنابك من مثنىً ووحدانِ
أيقنتَ إن لم تحقق أنَّ حافرهُ من صخرِ تدمرَ أو من وجه عثمانِ
وللأستاذ:
ومهندٍ تقفو المنونُ سبيله أبدإن وكيفَ يكونُ ريبَ منونِ
شرك المنايا في النفوسِ، فرحنَ عن غبنٍ، وراحَ وليسَ بالمغبونِ
ولو أن سيفًا ناطقًا لتحدثتْ شفراته بسرائرٍ وشجونِ
[ ٧٨ ]
يهوي فيتركُ كلَّ قدٍّ توأمًا بملومه يكفيكَ غير خؤونِ
وكأنما القدرُ المتاحُ مسخر في حده أو غرم عزّ الدينِ
آخر:
هذا قتيلٌ أنت رحتَ بإثمهِ وقتلته بين الحطيمِ وزمزمِ
أجعلتَ لحظكَ في الحجيجِ كأنه سيفُ العزيزِ على عصاةِ الديلمِ
الكاتب العتابي:
تلومُ على تركِ الغني باهليةٌ طوي الخيرُ عنها من طريفٍ وتالدِ
رأتْ حولها النسوانَ يرفلن في الحلى مقلدةً أجيادها بالقلائدِ
أسرك أني نلتُ ما نال جعفرٌ من المال أو ما نالَ يحيى بنُ خالد
وأنَّ أميرَ المؤمنينَ أغصني مغصهما بالمرهفاتِ البوارد
دعيني تجئني ميتتي مطمئنةً ولم أتجشمْ هولَ تلكَ المواردِ
وإنَّ عظيمات الأمورِ مشوبةٌ بمستودعاتٍ في بطونِ الأساودِ
ولغيره:
ما لي ومالك قدْ حملتني شططًا حمل السلاحِ وقولَ الدار عينَ: قفِ
أمن رجال المنايا خلتني رجلًا أمشي وأصبح مشتاقًا إلى التلف
تمشي المنايا إلى قومٍ، فأكرهها فكيفَ أمشي إليها بارز الكتفِ
أخلتِ عدم ثراءِ المالِ غيرني أو أنَّ قلبي في جنبيْ أبي دلفِ
آخر:
نبيذانِ في مجلسٍ واحدٍ لإيثار مثرٍ على مقترِ
فلو كان فعلك ذا في الطعام لزمتَ قياسكَ في المسكرِ
[ ٧٩ ]