اعلم أن التتميم هو أن يذكر الشاعر معنى، ولا يغادر شيئًا يتم به إلا أتى به، فيتكامل له الحسن والإحسان، ويبقى البيت ناقص الكلام، فيحتاج إلى أن يتمه بكلمة توافق ما في البيت من تطبيق أو تجنيس أو غير ذلك.
ومنه قوله تعالى: " من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ". فهذا تتميم المعنى. وقوله سبحانه: " إن الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا " تتميم أيضًا؛ فهذا من جوامع الكلم.
وقال أبو تمام:
بدرٌ أطاعت فيك بادرة النوى ولعًا وشمسٌ أولعت بشماس
تم البيت دون قوله: ولعًا. واحتاج إلى كلمة أخرى فإتى بها مجانسة لأولعت، فانسكبت في البيت، ولولا ذلك لكانت حشوًا.
[ ٥٣ ]
وكذلك قول المتنبي:
وخفوقُ قلبٍ لو رأيتِ لهيبهُ يا جنتي لظننتِ فيه جهنما
تم البيت دون قوله: يا جنتي؛ فأتى بها مطابقة لجهنم، وبعض البلغاء يسميه: التبليغ، وبعضهم يسميه: التتبيع.
وأنشد الأعشى:
ألست منتهيًا عن نحت لأثلتنا ولست ضائرها ما أطت الإبلُ
كناطحٍ صخرةً يومًا ليقلعها فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعلُ
ومنه قول ذي الرمة:
قفا العيس في أطلالِ ميةَ فاسألا رسومًا كأخلاق الرداءِ المسلسلِ
أظنُّ الذي يجدي عليك سؤالها دموعًا كتبديد الجمان المفصلِ
فالمفصل تتميم، وهو في القافية يسمة: تبليغًا وتتبيعا، وفي الحشو يسمى: تتميمًا واحتراسًا.
وأنشدوا لامرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزعُ الذي لم يثقب
قول الأعشى: الوعل وقول امرئ القيس: لم يثقب تتميم وتبليغ،
[ ٥٤ ]
لأن المعنى تم دون هاتين الكلمتين فلما جاء بهما تمم البيت وزاد في التشبيه زيادة بينة.
ومنه قول آخر:
من لك يومًا بأخيك كله.
ومنه أيضًا:
فلا تأمننَّ الدهرَ حرًا ظلمته فما ليلُ مظلومٍ كريمٍ بنائمِ
فقوله كريم تتميم، لأن اللئيم يغضى عن العار، وينام عن الثأر.
ومنه قول الآخر:
ومقامُ العزيز في بلد الذ لِّ إذا أمكنَ الرحيلُ محالُ
فقوله: إذا أمكن تتميم.
ومنه:
وإن صخرًا لتأنمُّ العفاة به كأنه علمٌ في رأسه نارُ
باب