قال صاحب الصناعتين: هو أن يقول الشاعر لا أدري، وأمثال ذلك من الكلام أو يستفهم ببعض حروف الاستفهام؛ كقول وذي الرمة:
بالله يا ظبيات القاع، قلن لنا: ليلاي منكنَّ، أمْ ليلي من البشرِ
وله أيضًا:
أيا ظبية الوعساء بين حلاحلٍ وبين النقا آأنتِ أمْ أمُّ سالمِ
وقال صاحب الصناعتين: كتب إلي بعض الأدباء: سمعت بورود كتابك فاستفزني الفرح قبل رؤيته، وهز عطفي المرح أمام مشاهدته، فلا أدري
[ ٩٣ ]
أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب، ولم أدر ما رأيت أخط مسطور، أم روض ممطور، أو كلام منثور، أو شي منشور، ولم أعلم ما أبصرت من منظومه أبيات شعر، أم عقود در، والسلام.
ومنه قول بعضهم:
أأسماءُ أيّ الواعدين تريهما أشدكما مطلًا فإني لا أدري
أأنت بنيلٍ منك يبردُ غلتي أم القلبُ بالسلوان عنك وبالصبر
ومنه لغيره:
أثغرٌ ما أرى أم أقحوانُ وقدٌّ ما أرى أم خيزرانُ
وطرفٌ ما تقلبُ أمْ حسامٌ ولفظٌ ما تساقطُ أمْ جمانُ
وشوقٌ ما أكابد أم حريقٌ وليلٌ ما أقاسي أمْ زمانُ
ومنه للمتنبي:
أريقك أمْ ماءُ الغمامةِ أم خمرُ بفيِّ برودٌ وهو في كبدي جمرُ
ومنه لغيره:
كم ليلةٍ عانقتُ فيها بدرها حتى الصباح موسدًا كفيهِ
فسكرتُ لا أدري أمنْ خمر الهوى أم كأسه، أم فيه، أم عينيهِ
ومنه لغيره:
واللهِ لا أدري بأيّ صفاته ملكَ القلوبَ بأسرها في أسره
[ ٩٤ ]
أبوجههِ، أم شعره، أم نحره أم ثغره، أم ردفه، أم خصرهِ
ومنه لغيره:
ذكرتُ عشيةَ الصدفين ليلى وكلَّ الدهر ذكراها جديدُ
وقالوا: قد بكيت فقلتُ: كلاَّ وهل يبكي من الطرب الجليدُ
ولكني أصابَ سوادَ عيني عويدُ قذىً له طرفٌ حديدُ
فقالوا: ما لدمعهما سواءً أكلتا مقلتيكَ أصابَ عودُ
عليَّ أليةٌ إن كنتُ أدري أينقصُ حبُّ ليلى أمْ يزيدُ
ومنه لغيره:
وخبرتُ: ليلى بالعراق مريضةٌ فأقبلتُ من أرضي إليها أعودها
وأقسمُ ما أدري إذا أنا جئتها أأبرئها من دائها أم أزيدها
ومنه:
أحقًا يا حمامةَ بطنْ وجّ بهذا القول أنكِ تصدقينا
غلبتك في البكاء لأنَّ ليلي أواصله وإنك تهجعينا
كلانا يشتكي ألمًا وشوقًا ولكني أسرُّ وتعلنينا
العرجي:
عوجي عليَّ وسلمي جبرُ فيمَ الوقوفُ وأنتمُ سفرُ
[ ٩٥ ]
ما نلتقي إلاَّ ثلاث منىً حتى يفرق بيننا النفرُ
وزعمتِ أنَّ البين يعقبني صبرًا عليك وأين لي صبرُ
ألحولُ بعد الحولِ نتبعهُ ما الدهرُ إلا الحولُ والشهرُ
ومنه:
وقفتُ وقد فقدتُ الصبر، حتى تبين صاحبي أني الفقيدُ
وشكك فيَّ عذالي؛ فقالوا لرسم الدار: أيكما العميدُ
ومنه:
لي سيدٌ فاتنٌ يعلمني بحبه كيف يعبدُ الصنمُ
لما رآني وفي يدي قلمي لم يدرِ للسقم أينا القلمُ
ومنه:
إذا قلتُ: هذا بيتُ عزة قادني إليه الهوى واستعجلتني البوادرُ
أمنقطعٌ يا عزُّ ما كان بيننا وشاجرني يا عزُّ عنك الشواجرُ
ومنه قول ذي الرمة:
أيا ميُّ، هلْ يجدي بكائي بمثلهِ مرارإن وأنفاسي عليكِ الزوافرُ
وإني متى أشرفْ من الموضعِ الذي بهِ أنتِ من بين الجوانبِ ناظرُ
وألا ينالَ الركبُ تهويم ساعةٍ من الليل إلا اعتادني لك زائرُ
[ ٩٦ ]
ومنه لجميل:
أظنّ هواها تاركي بمضلةٍ من الأرضِ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
ولا أحدٌ أفضي إليه وصيتي ولا وارثٌ إلى المطيةُ والرحلُ
محا حبها حبَّ الأولى كنَّ قبلها وحلتْ مكانًا لم يكنْ حلَّ من قبل
ومنه للصوري:
بالذي ألهمَ تعذي بي ثناياك العذابا
والذي صير حظي منكِ هجرًا واجتنابا
والذي ألبس خديك من الوردِ نقابا
ما الذي قالته عينا كِ لقلبي، فأجابا؟
ومنه:
توردَ دمعي إذ جرى ومدامتي فمنْ مثلِ ما في الكأس عيناي تسكبُ
فأقسمُ ما أدري أبالخمرِ أسبلتْ جفوني، أم من ماء عينيّ تشربُ
ومنه:
هتف الصبحُ بالدجى فاسقنيها قهوةً تتركُ اللبيبَ سفيها
ليسَ يدري من رقةٍ وصفاءٍ هي في كأسها أم الكأسُ فيها
ومنه لمهيار الديلمي:
أيا صاحبيْ نجوايَ يومَ سويقةٍ أناةً وإن لمْ تسعدا فتجملا
سلا ظبيةَ الوادي، وما الظبيُ مثلها وإنْ كان مصقولَ الترائب أكحلا
أأنتِ أمرتِ البدر أن يصدع الدجى وعلمتِ غصنَ البان أن يتميلا
[ ٩٧ ]
جمعت عليه حرقة الدمع والأسى وما اجتمع الداءان إلا ليقتلا
وحرمتِ يوم البينِ وقفةَ ساعةٍ على مدنفٍ ظنَّ الوداعُ محللا
ومنه:
تحصبُ يا رامي الجمار بها الأر ضَ، فقلبي لم يشتكِ الألما
كادتْ قريشٌ ترتدُّ جاهلةً لما تمثلت بينها صنما
يا لزماني على الحمى عجبًا أيُّ زمانٍ مضى وأيُّ حمى
ومنه:
حملوا ريحَ الصبا نشركمُ قبل أنْ تحمل شيحا وخزامى
وابعثوا أشباحكمْ لي في الكرى إنْ أذنتمْ لجفوني أنْ تناما
أشتكيكم وإلى منْ أشتكي أنتم الداءُ فمن يبري السقاما
كلما أفكرتُ في فرقتنا قلتُ: ما كان اللقا إلاَّ مناما
ومنه:
دعوهُ ونجدًا إنها شأنُ نفسه فلوْ أنَّ نجدًا بلغةٌ ما تغذاها
وهبكمْ منعتمْ أن يراها بعينه فهلْ تمنعونَ القلب أنْ يتمناها
[ ٩٨ ]
ومنه:
أستنجدُ الصبرَ فيكمْ وهو مغلوبُ وأسألُ النومَ عيني وهو مسلوبُ
وأبتغي عندكم قلبًا سمحتُ به وكيف يرجعُ شيءٌ وهوَ موهوبُ
ما كنتُ أعلمُ ما مقدارُ وصلكمُ حتى هجرتُ، وبعضُ الهجر تأديبُ
ومنه:
أضيغمٌ، أم غزالٌ ذاك، أم بشرُ شمسٌ تزيتْ بزيّ التركِ، أم قمرُ
لقد تحير وصفي في حقيقته كما تحير في أجفانه الحورُ