قال صاحب الصناعتين هو إن تأتي في الأبيات مواضع متقابلة، فجيء في القصيدة أو في القطعة كأنه طراز، مثل قول أبي تمام:
أعوامُ وصلٍ كاد ينسى طيبها ذكر النوى، فكأنها أيامُ
[ ٦٤ ]
ثم انبرتْ أيام هجر أعقبت بأسىً فخلنا أنها أعوامُ
ثم انقضت تلك السنونُ وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ
ومنه:
أمسي وأصبحُ من هجرانكم وصبًا يرثي لي المشفقانِ: الأهلُ، والولدُ
قد خددَ الدمعُ خدي من تذكركم واعتادني المضنيان: الوجدُ، والكمدُ
غاب عن مقلتي نومي ونافرها وخانني المسعدان: الصبرُ، والجلدُ
لو رمت إحصاء ما بي من جوىً وضنى لم يحصه المحصيان: الوزنُ، والعددُ
أو رمتُ من ضعفِ جسمي حملَ خردلة ما ضمها الأقويان: الزندُ، والعضدُ
أستودع اللهَ من أهواهُ كيف جرت بشخصنا الحالتان: القربُ، والبعدُ
لا غرو للدمع أن تجري غواربه وتحته المضرمان: القلبُ، والكبدُ
كأنما مهجتي شلوٌ بمسبعةٍ ينتابها الضاريان: الذئبُ، والأسدُ
لم يبق غيرُ خفيّ الروحِ في جسدي فداؤك الباقيان: الروحُ، والجسدُ
إني لأحسد في العشاق مصطبرًا وحسبك القاتلان: الحبُّ، والحسدُ
ومنه ما مدح به أبو القاسم:
إذا أبو قاسمٍ جادت لنا يدهُ لم يحمد الأجودان: الغيثُ، والمطرُ
وإن أضاءت لنا أنوارُ غرته تضاءل الأنوران: الشمسُ، والقمرُ
[ ٦٥ ]
وإن مضى رأيه أو جد عزمته تأخر الماضيان: السيفُ، والقدرُ
من لم يبت حذرًا من خوف سطوته لم يدر ما المزعجان: الخوفُ، والحذرُ
ومنه للأرجاني:
صبُّ مقيمٌ، سائرٌ فؤادهُ طوعَ الهوى، مع الخليط المنجدِ
غائبُ قلبٍ، حاضرٌ وداده لمن نأى في عهدهم والمعهدِ
له جوىً مخامرٌ؛ ويعتاده إذا شكا طيفُ الكرى في العود
لصبره يكابرُ اتقاده حشوَ الهوى بعد الحسان الخرد
ودمعه يكاثرُ اشتداده خوفَ النوى، يقول للنوم: ابعد
ما الصبر إلا غادرٌ إنجاده إذا بدا حسن النوى من بعد
لولا حمام هادرٌ، إسعاده ينفي الجوى بلحنه المرددِ
كأنه مزاهرٌ، أجياده سودُ الحلى من كل شادٍ غرد
مرخىً له ستائرٌ أعوادهُ ال خضرُ الذرى بطلهنّ ترتدي
وافى ربيعٌ باكرٌ أجناده حتى مضى سلطانُ بردٍ معتدِ
أسلفَ وهو ناجزٌ عهاده بحرَ الثرى اللؤلؤَ بالزبرجد
وقال ابن حيدرة:
أنى يفاخرُ أو يطاولُ من أضحى يقرُّ لفخرهِ الفخرُ
من سار والتوفيقُ صحبتهُ والواقيان: الجدُّ، والنصرُ
[ ٦٦ ]
وأقام والأقيال تخدمه والماضيان: السيفُ، والأمرُ
وأني وجلتها تدين له والواجبان: الحمد، والشكرُ
صدقتْ فراستهُ ومولده والمنذران: الفالُ، والزجرُ
وغدا ودون محله زحلٌ والنيران: الشمس، والبدرُ
وأقر عجزًا عن سماحته الأجودان: الغيثُ، والبحرُ
نشرت فضائله مواهبه والسائران: النظم، والنثر
تغنيه في الأعداء هيبتهُ لا المتعبان: الكيد، والمكرُ
متورعٌ تنهاه همتهُ والزاجران: الدينُ، والذكر
تلهيه قبلته ومصحفه لا المصبيان: اللهو، والخمر
ويزيده شرفًا تواضعه لا الفاتنان: التيهُ، والكبرُ
شكرت لسيرته رعيته والآمنان: البدو، والحضرُ
يا من له دامت سعادته والغادران: الدهرُ، والعمرُ
خان العبيدَ غداة بينهمُ العدتان: العزم، والصبرُ
وأطارَ نومهم تخلفهم والموقظان: الهمُّ، والفكرُ
واعتادهم شوقٌ يؤنبهمْ والمزعجان: الشوقُ، والذكرُ
وسعى بهم صرفٌ سعى لهمُ والدهرُ فيه: الخير، والشرّ
ومن ذلك:
من لم يبت حذرًا من خوفِ سطوته لم يدرِ ما المزعجان: الخوفُ، والحذرُ
[ ٦٧ ]
ينالُ بالظنِّ ما فات العيانُ به عليه، والشاهدان: العينُ، والأثرُ
كأنه وزمامُ الدهر في يده يرى عواقبَ ما يأتي وما يذرُ
ومنه لأبي تمام:
أوَ ما ترى رسومَ ابنةْ مالكٍ رسمت له كيف الغرامُ رسومها
بثلاثة كثلاثة الراحِ استوى ل لونها ومذاقها ونسيمها
وثلاثة الشجرِ الجنيِّ تكافأت أفنانها وثمارها وأرومها
ومنه قول البحتري:
تعلو الوفود ثلاثةٌ في أرضه: إفضاله، وجداهُ، والإنعامُ
وثلاثةٌ تغشاكَ مهما زرته إرفاده، والمنُّ، والإكرامُ
وثلاثةٌ قد جانبتِ أخلاقه: قولُ البذ، والزورُ، والآثامُ
وثلاثةٌ في العزمِ من أفعاله: تدبيره، والنقضُ، والإبرامُ
ومنه لعمرو بن معدي كرب:
وكأنَّ طعمَ مدامةٍ جبليةٍ بالمسكِ والكافور والريحانِ
شنبٌ عليه قلائدٌ منظومةٌ بالدر والياقوتِ والمرجانِ
ومنه قول الآخر:
لا أظلم الليلَ ولا أدعي أنَّ نجوم الليل ليست تغورُ
ليلي كما شاءت فإن لم تزرْ طال وإن زارتْ فليلي قصيرُ
ومنه للبحتري:
في حلتي وشي وحبر فالتقى وشيان: وشي ربى ووشي برود
[ ٦٨ ]
وسفرن فامتلأت خدودٌ زانها وردان: وردُ جنىً، ووردُ خدودِ
فمتى يساعدنا الوصال، ودهرنا يومان: يومُ نوىً، ويومُ صدودِ
ومنه:
وكم ليلةٍ لا أظلم الليلُ طيبها مخافة أن يقتصّ مني لها الدهرُ
تجمع فيها من حلاها ولفظها وزهر النجوم الزهر والزهر الزهر
ولابن الرومي:
أموركم بني خاقانَ عندي عجابٌ في عجاب في عجابِ
قرونٌ في رؤوسٍ في وجوهٍ صلابٌ في صلابٍ في صلابِ
هجرتكمُ وهجركمُ ورائي صوابٌ في صوابٍ في صوابِ
عبد الله بن المعتز:
كم قد جنيتُ اللهو من غصنه ما بين أنوارٍ وأنوارِ
في روضةٍ بلل أطرافها سقيطُ أنواءٍ وأمطارِ
وشققت عنا ستورَ الدجى نارٌ على نارٍ على نارِ
ومنه:
طربتُ إلى الصبوحِ مع الصباحِ وشربِ الكأس في غررٍ وضاحِ
وكان الثلج كالكافور نثرًا وناري قربَ نارنجي وراحي
حريقٌ في حريقٍ في حريقٍ وصبحٌ في صباحٍ في صباحِ
ومنه لآخر:
وشادنٍ ما مثله في الملاح كالشمسِ أو كالبدرِ أو كالصباحْ
[ ٦٩ ]
لي من ثناياهُ، ومن ريقه وخده راحٌ وراحٌ وراحٌ
ومنه:
أقول لصاحبي، والراحُ روحٌ لجسم الكأس في كفّ النديم
وقد كشفَ الدجى عنا بواكٍ تسيل نفوسهن على الجسومِ
شموعكَ والكؤوسُ وشاربوها نجومٌ في نجومٍ في نجومِ
ومنه:
ويسقيني ويشربُ من رحيقٍ خليقٍ أن يلقب بالخلوقِ
كأنَّ الكأس في يدها وفيها عقيقٌ في عقيقٍ في عقيقِ
ومنه:
اليومَ يومَ سرورٍ لا انقضاء لهُ ويوم سعدٍ به الأيامُ تنقادُ
أما ترى اليومَ ما أحلى شمائله صحوٌ، وغيمٌ، وإبراقٌ، وإرعادُ
كأنه أنتَ يا منْ لا شبيهَ لهُ وصلٌ وهجرٌ وتقريبٌ وإبعادُ
ومنه:
وإخوانٍ تخذتهمُ دروعًا فكانوها ولكنْ للأعادي
وخلتهمُ سهامًا صائباتٍ فكانوها ولكنْ في فؤادي
وقالوا: قد صفتْ منا قلوبٌ لقد صدقوإن ولكنْ منْ ودادي
ومنه:
كأنما يومنا فعلُ الحبيب بنا: موتٌ ونشرٌ وإيعادٌ وميعادُ
ومنه:
كم أخٍ لي كانَ مني، فلما أنْ رأى الوفرَ جفاني جفاني
[ ٧٠ ]
مستعد لي بسهمٍ، فلما أن رأى الدهرَ رماني رماني
ومنه:
للهِ ليلتنا إذ صاحباي بها بدرٌ وبدرٌ سماويّ وأرضيُّ
إذ الهوى والهواءُ الطلقُ معتدلٌ هذا وهذا ربيعيّ طبيعيُّ
بتنا جميعًا وكلّ في السماعِ وفي شربِ المدامِ حجازيّ عراقيُّ
أسقى وأسقي نديمًا غاب ثالثنا فالدورُ منا يمينيّ يساريُّ
ومنه:
سارتْ جيادك في الفلاسيرَ القطا يحملنَ عقبانًا على عقبانِ
ضمنت صهوة كلِّ طرفٍ مثله وحملتَ سرحانًا على سرحانِ
ومنه أيضًا:
كأنَّ أرماحه تتلو إذا افترستْ زبورَ داودَ في محرابِ داودِ
هيهات راعهمُ في كلّ معركةٍ ليثُ الليوثِ وصنديدُ الصناديدِ
أما من طريق المعنى وحسن السبك ومتانة المبنى فهذان البيتان طرازان على كمي الأدب، وتاجان على مفرقي البلاغة والفصاحة في العرب، لكن من
[ ٧١ ]
طريق الأمر المشروط والرسم المخطوط، فبينهما وبين باب التطريز بعد ما بين الذهب والإبريز. الله أكبر، كيف يغطى على أذهان الفضلاء فتصدر منهم هذه العجائب؟ لكن قد قيل: إن مع أرباب الإصابة سهمًا خاطئإن كما إن مع الخواطئ سهمًا صائبًا.
ومنه لآخر:
قلنسوةٌ على رأسٍ صليبِ مساحته جريبٌ في جريبِ
كأنَّ يدي وهامته ونعلي قريبٌ من قريبٍ من قريبِ
ومنه لغيره:
إليكَ طوى عرضَ البسيطة جاعلٌ قصارَ المطايا أن يلوحَ لها القصرُ
فكنتُ وعزمي والظلامُ وصارمي ثلاثة أشباهٍ كما اجتمعَ النثرُ
وبشرتَ آمالي بملكٍ هو الورى ودارٍ هي الدنيا ويومٍ هوَ الدهرُ
ولغيره:
الليالي تسوء ثم تسرُّ وصروف الزمان ما تستقرُّ
بتّ بحسرى عليّ من ريق حبي وكاسيَ شهد ومسك وخمرُ
لي من ريق ذا ومقلة هذا مع هذي سكر وسكر وسكرُ
ومنه لغيره:
في وجه هذا الذي كلفت به أربعةٌ ما اجتمعن في أحدِ
الوجهُ بدرٌ، والريحُ غاليةٌ والريقُ خمرٌ، والثغرُ من بردِ
لكلّ جزءٍ من حسنها بدعٌ تودعُ قلبي بدائعَ الكمدِ