وأنشدني فيه [لنفسه] أبو إدريس بن اليمان بيتين سابقين. وقال أبو قاسم بن هانئ الأندلسي: [البسيط]
بنفسج جمعت أنواره فحكت كحلا تشرب دمعا يوم تشتيت
أولا زور دية أربت بزرقتها وسط الرياض على زرق الياقيت
كأن قضبانه والريح تحملها أوائل النار في أطراف كبريت
وللوزير الكاتب أبي الأصبغ بن عبد العزيز فيه قطعة أغيت في الجمال فأعيت أهل الكمال، موصولة بمدح الحاجب_حجبه الله عن النوائب_وهي: [الكامل]
وبنفسج أربى علىالنوار وأفادنا عطرا بلا عطار
فكأن أعلاه في فيروزج وبساطه في خضرة الأشجار
وافاك في وقت الزيارة قائما وقد انحنى للوحي بالأسرار
هو مسكة خلقت لها أوراقها في لونها من صنعة الجبار
أو رقعة زرقاء من كبد السما في يوم صحو فتنة النظار
أو لمة الحسناء تحسب وسطها للزعفران مواضع الآثار
أو لجة كحلاء هزتها الصبا فتكسرت لينا على مقدار
أو درع حاجبنا أتته صقلية وقد انبرى للفتك بالكفار
ملك قلوب الأسد بين ضلوعه وبوجهه قمر من الأقمار
فإذا سطا فالصبح داج مظلم وإذا عفا فالليل في إسفار
ومن المعاني الجزلة في الكلمات العذبة ما أنشدني لنفسه فيه أبو عامر بن مسلمة، وكتب به إلى ذي الوزارتين أبي أيوب بن عباد_أبقاه الله_في زمن البنفسج، وهو: [المجتث]
يا من تحلى به الفخ ر والسناء يتوج
ومن بجود يديه باب الغنى غير مرتج
[ ٢٩ ]
ومن بطيب ثناه نار العلا تتأجج
إذا انتشت فعرج على رياض البنفسج
تجد به روض حسن في ثوب أرض مدبج
فثم فاعكف وباكر مدامة تتوهج
ترى زمرد أرض منه اليواقيت تنتج
كأنه لجة البح ر غاص فيها ملجج
فأخرج الزرق لكن بغيرها لم يعرج
حكى حسام أبي أي يوب المتضرج
أعني ابن عباد الما جد الكريم المتوج
وأنشدني [لنفسه] الفقيه أبو الحسن بن علي أحسن ابتداع، وأغرب اختراع، موصولا بمدح ذي الوزارتين أبي عمرو بن عباد_أدام الله عزته، ووصل حرمته_وهو: [الطويل]
ألا حبذا المحبوب نور البنفسج وأحبب بمرآه البديع وأبهج
حياة وروح للعليل نسيمه ومنظره أنس المتيم والشجي
ونواره كالعقد في صدر غيد لمختلس سهو الرقيب ومدلج
وحمر اليواقيت الوضاء وصفرها تألفتا في لونه المتضرج
فلو نظمته الحاليات لأشرقت جواهره في كل قرط ودملج
محاسنه من حسن عباد الرضا ولألاؤه من وجهه المتبلج
وله أيضا بيتان استوليا على أمد الإحسان وهما: [الطويل]
إذا ما نواوير البنفسج أطلعت جواهرها في الروض نثرا بلا سلك
رأيت سماء وشحت درع خضرة عليها نجوم طالعات من المسك
ولأبي جعفر بن الأبار فيه قطعة جيدة [الحبك حسنة السبك] موصولة بمدح الحاجب_لا أعد الله منا جاهه كما أعدمنا أشباهه_وهي: [الكامل]
صاد الزمان وروَّ غلة صاد بمدامة لم تعد مولد عاد
أو ما ترى ثغر الثرى متبسما لك عن مراد مونق ومراد
وبنفسج الروض الأغر كأنه في حسنة لعس عليه باد
لا بل كأجنحة الفراش تألفت نسقا وقد خضبت من الفرصاد
روض يظل اللحظ يعبد حسنه كعبادة العليا بني عباد
يزهي المحافل والجحافل منهم أسنى عميد للورى وعماد
الحاجب المحجوب طاهر عرضه بندى جواد في الرهان جواد
صلتان ما زالت حداد سيوفه وقناه تكسو الشرك ثوب حداد
قوله: "صاد" أول القطعة أمر من صاديته إذا داريته. و"صاد" الثاني اسم الفعل من الصدى وهو: العطش، والفرصاد: التوت، وقوله: "في الرهان جواد". معناه: سابق، و"جواد" قبله بمعنى كريم. و"حداد سيوفه" معناه: قاطعة ماضية، و"حداد" الثاني: لبسة الحزن وهيئته. ولأبي علي إدريس بن اليمان فيه قطعة رفيعة الوصف، بديعة الرصف وهي: [الكامل]
فتق الثرى من نوره بكواكب دعج النواظر والخدود عجائب
فأدر علي الكأس بيضختية في دولة النجم الرفيع الثاقب
طبع الربيع على بشاشته به طبع الشبيبة فوق ثدي الكاعب
شبه لونه بلون أطراف الثدي وهو من الاختراع السري. وبيضختية: منسوبة إلى "بيضخت" قرية بعينها. وأنشدني لنفسه أيضا فيه بيتين أنيقي التشبيه وهما: [الكامل]
[وأريضة] حاك الغمام برودها وسقى بريق الغانيات برودها
ضحك البنفسج فوقها فكأنما نثرت به خضر الحمام عقودها
شبهه بلون أطواق القماري، وهي موضع العقود ممن يستعملها، وهذا التمثيل مفضل له مستحسن منه. قال أبو الوليد: هذا ما عثرت عليه في البنفسج، وحين أوردته أبدأ بالخيري النمام إذ يقرب من حسنه، ويشاركه في لونه.