قال أبو الوليد: يقال: سوسن وسوسان بالألف ودونها، وقد تكررت في الشعر اللغتان، وترددت التسميتان. فمن مليح ما جاء فيه، وشبه به، قول أبي عمر أحمد بن فرج الجياني وهو: [مجزوء الوافر]
بعثت بسوسن نضر ينم كجونة العطر
كأكؤس فضة فيها نفايا شهلة الخمر
أو الوجنات منك دنت إلى وجناتي الصفر
وللوزير الكاتب أبي مروان بن الجزيري فيه وصف مفضل له، مستحسن [منه وهو]: [الكامل]
وملسن الطاقات أبيض ناصع يزهي بأصفر من جناه فاقع
أعداد زهرته إذا حصلتها ست سوى عدد الرقيب السابع
سكنت قرارة حجره كلفا به كالأم تكلف بالصغير الراضع
صافي الأديم إذا تخلق صدره بخلوق أرؤسها الذكي المائع
أهدى الصبابة والهوى بنسيمه وبديع منظره الأنيق الرائع
سموه بالسوسان ظلما واسمه في ما خلا ساسان غير مدافع
لما استذاع بفارس كلفت به أملاكه فدعته باسم شائع
الرقيب: هو القائم في وسط السوسنة. وساسان: اسم ملك فارسي. أراد بهذا التمليح التنويه به، والترفيع من قدره. ومن [المستندر] المستحسن في وصف السوسن، قول أبي عمر الرمادي وهو: [الخفيف]
سوسن كالسوالف البيض لاحت لمحب متيم من حبيب
قد أعارت عيوننا كل حسن وأعارت أنوفنا كل طيب
بعضها عاشق لبعض فبعض لمحب والبعض للمحبوب
فالحبيب المبيض منها إذا اصفر ر سواه اصفرار صب كئيب
[ ٣٦ ]
لهما ثالث أناف كواش قام يحكي هواهما كالخطيب
فهما وهو في جميع المعاني كحبيب وعاشق ورقيب
ولأبي بكر يحيى بن هذيل فيه تشبيه أنيق، وتمثيل دقيق وهو: [البسيط]
ورب سوسنة قبلتها كلفا ومالها غير نشر المسك منشوق
مصفرة الوسط مبيض جوانبها كأنها عاشق في حجر معشوق
ولأبي بكر هذا فيه قبل أن يتفتح وصف استحسن واستملح وهو: [الطويل]
فأول ما يبدو فخلق سبيكة مخلصة بيضاء أتقنتها السبك
بنت نفسها فوق الزمرد واقفا فلاحت كمثل الدر ضمنه السلك
جنى سوسن لولا سسنا بشراته لما زين الأفواه ثغر ولا ضحك
ولبعض شعراء الأندلس وقد دخل على المنصور بن أبي عامر_رحمه الله_وبين يديه ثلاث سوسنات إحداها لم تفتح، فسأله وصفها فقال بعد أبيات لم أحتج إلى ذكرها: [البسيط]
تبدو ثلاث من السوسان قائمة وما تشكى من الإعياء والكسل
فبعض نواره بالحسن منفتح والبعض منغلق عنهن في شغل
كأنها راحة ضمت أناملها ممدودة ملئت من جودك الخضل
وأختها بسطت منها أناملها ترجو نداك كما عودتها فصل
قال أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي يصفه فأحسن وأبدع، وأغرب واخترع: [المنسرح]
إن كان وجه الربيع مبتسما فالسوسن المجتلى ثناياه
يا حسنه سن ضاحك عبق بطيب ريا الحبيب رياه
خاف عليه الحسود عاشقه فاشتق من ضده فسماه
وهو إذا مغرم تنسمه خلى على الأنف منه سيماه
كما يخلي الحبيب غالية في عارضي إلفه لذكراه
قوله: "خاف عليه الحسود." البيت، يعني أن سماه سوءا وهو حسن خوف العين والحسد، وهو تلميح مستحسن. ولأبي عمر أيضا فيه وصف ثان معدوم المثال موسوم بالجمال صح عندي أن عبادة بن ماء السماء كان يقول: "لم يخترع بالأندلس في معنى من المعاني كاختراع القسطلي في السوسان".وهو في قطعة مطولة كتب بها إلى المظفر ابن أبي عامر أنا ذاكر منها ما تشبث بذكر السوسان [من المستحسن وهو]: [الكامل]
جهز لنا في الروض غزوة محتسب واندب إليها من يساعد وانتدب
واهزز رماحا من تباشير المنى واسلل سيوفا من معتقة العنب
وانصب مجانيقا من النيم التي أحجارهن من الرواطم والنخب
لمعاقل من سوسن قد شيدت أيدي الربيع بناءها فوق القضب
شرفاتها من فضة وحماتها حول الأمير لهم سيوف من ذهب
مترقبين لأمره وقد ارتقى خلل البناء ومد صفحة مرتقب
كأمير "لونة" قد تطلع إذ دنا عبد المليك إليه في جيش لجب
فلئن غنمت هناك أمثال الدمى فهنا بيوت المسك فاغنم وانتهب
تحفا لشعبان جلا لك وجهه عوضا من الورد الذي أهدى رجب
واستوف بهجتها وطيب نسيمها فإذا دنا رمضان فاسجد واقترب
الشرفات: أوراق السوسن، والسيوف: النواوير المصفرة في أسفلها. والأمير القائم وسط السوسنة هو من الاختراعات الشريفة، والابتداعات البديعة. ولأبي بكر بن عبادة بن ماء السماء إلى صديق له يستهديه سوسنا أبيات وصفه فيها وصفا مستحسنا: [مجزوء البسيط]
دمت بإنعام وإحسان إن أنت أنعمت بسوسان
لو كان نفسا حيوانية ما كان إلا نفس إنسان
كأنه أنمل حسناء لم تخضب يديها خوف غيران
وأنشدني لنفسه فيه الوزير أبو عامر بن مسلمة أبياتا مطبوعة محكمة وهي: [البسيط]
وسوسن راق مرآه ومخبره وجل في أعين النظار منظره
كأنه أكؤس البلور قد صنعت مسدسات تعالى الله منظره
وبينها ألسن قد طرفت ذهبا من بينها قائم بالملك تؤثره
كأنه خلق ميم في تعقفه مداده ذوب عقيان يصفره
قال صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية يصفه بأوصاف سرية وهي: [مجزوء الرجز]
أما ترى الروض حسا بيا نحا إقليدسه
فصور السوسن من دائرة مسدسه
مدهنة من فضة بتبرها ملبسه
واضحة فاضحة صاحبها مدلسه
إن رام كتم لثمها وشمها انظر معطسه
تجد بقايا طيبه بأنفه محتبسه
[ ٣٧ ]
وفوقها رقيبة منها لها محترسه
نابلة رامحة سائفة مترسه
كان اسمها نسوس لا كن قرئت منكسه
قوله: "وفوقها رقيبة" يعني القائمة وسط السوسنة. نابلة: ذات نبل، جعل التي تحدق بالرقيبة في أسفلها نبلا، وجعل أيضا منها رماحا في قوله: "رامحة". وسائفة: يحتمل أن يجعل الوشائع الصفر التي حول الرقيبة سيوفا، ويحتمل أن يكون السيوف الأوراق البيض. ومترسة ذات ترس. ولاشك أنه من الأوراق البيض. وقوله: "نسوس" أراد مستقبل فعل الساسة، وهو مليح فيه معنى التنويه به وللفقيه أبي الحسن بن علي فيه أوصاف حسنة، وتشبيهات جيدة فمنها قوله: [الطويل]
أرى صفرة السوسان فوق بياضه كصفو مدام في إناء مفضض
بدا مثل حق العاج في فرع غصنه بأكرم ملبوس وأجمل معرض
ولما دنا وقت النثار تشققت نواويره عن حلي حسن له نضي
كذلك حقاق الحلي صون لما حوت كفات له من خاتل متعرض
قولهك ["نضي" بمعنى: جرد. كفات له: أي ستر. قال الله ﷿]: (ألم نجعل الأرض كفاتا) أي سترا. وخاتل: بمعنى خادع. وأنشدني أيضا لنفسه أحسن تشبيه موصولا بمدح ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_حرس الله نفسه، كما قدس غرسه_وهو: [البسيط]
كأنما السوسن الدري ألسنة تمجد الله مجري التبر في غربه
أندى النواوير إن قبلت صفحته حباك من طيبه حظا ومن ذهبه
وما أرى غير عباد له شبها في الحسن والفوح والمأثور من أدبه
ومن المستندر المختار أبيات كتب بها أبو جعفر بن الأبار وهي: [الكامل]
أنعم فقد حسن الزمان وأحسنا وتباهلت عنك الخطوب لتفطنا
أوما ترى برد الربيع مفوفا يصبي العيون بمجتلى وبمجتنى
والسوسن العبق الجيوب تخاله من ناصع الكافور صور ألسنا
حفت قراضات النضار مجردا منه أقلتها قصيرات القنا
فكأنما أوراقه وكأنه بيض سللن لقتل جان قد جنى
المجد: هو القائم وسط السوسنة، والقراضات: هي النواوير الصفر في أسفلها، وكأنه في آخر بيت كناية راجعة إلى المجرد، وهو تشبيه قوي وتمثيل سري. ولأبي جعفر بن الأبار أيضا أبدع تشبيه وهو: [المجتث]
كأنما السوسن الغض ض منظرا حين يلحظ
فهر بهاؤون در مشطب قد تعظعظ
الفهر: القائم وسط السوسنة، والهاؤون: سائرها، وتعظعظ: مال وعدل. ولأبي علي إدريس بن اليمان فيه أوصاف مستطرفة، وتشبيهات مستظرفة منها [قوله]: [الوافر]
ممهى الحسن مشقوق الجيوب له وجه البريء من الذنوب
تفرج عن مناكبه قميص تفرج لوعة الدنف الكئيب
وقد علت عمامته بورس فقام لا خطاب كالخطيب
على أنبوب كافور يراع تضمن بطنه ينبوع طيب
الممهى: المرقق: يقال: أمهيت السيف أمهيه: إذا أرهفته وجلوته. وبنى القطعة كلها على وصف القائم وسط السوسنة. ولأبي إدريس بن اليمان أيضا قطعة بديعة التشبيه موافقة الوصف لكل ما فيه وهي: [مجزوء الرجز]
وضاحك كالفلق عن فلج في ورق
على حفافي مرود مذهب مندلق
كمنتج من غرق وخارج من نفق
بين اصفرار فاقع على ابضاض يقق
كأنما كلاهما في راحة أو طبق
برادة من ذهب في ورق من ورق
الفلج: الفرجة بين الأسنان، والروق: طولها. والحفافان: الجانبان. وعنى بالمرود القائم وسط السوسنة. والمندلق: الناتيء المندفع. قال أبو الوليد: ولي فيه قطعة فيها اختراع تشبيه وصلتها بمدح الحاجب_حجبه الله بي عن النوائب_وهي: [المجتث]
وسوسن يتهادى للأنس بالراحتين
نعم المواصل لو لم يعد بنأي وبين
كأنما خلقه الفذ ذ خسة من لجين
أو أنمل بضة ما تكبت في يدين
وبينها حارس لا ينام طرفه عين
علا وأشرف منها على جمال وزين
كما علا الحاجب المن تقى على الشعريين
ملك به حال دهري بين الخطوب وبيني
قال أبو الوليد: ووقعت إلي في السوسن الأزرق وهو الخرم صفات محكمة وتشبيهات متقدمة.