قال الوزير أبو مروان عبد الملك بن جهور_رحمه الله_يصفه فأبدع وأعجب وأحسن وأغرب أنشدنيه له حفيده عبد الله، وهو: [البسيط]
اصفر حتى كأن الإلف يهجره وطاب حتى كأن المسك ينثره
واخضر أسفله من تحت أصفره فراق منظره الباهي ومخبره
يا نرجسا ظل قدامي تنم له ريح تذكرني شوقي فأذكره
زمرد ماثل من فوقه ذهب معين، نابه منه ومحجره
هيجت لي شجنا قد كان فارقني ذكرتني بالذي ما زلت أؤثره
وكتب الوزير الكاتب أبو مروان بن الجزيري إلى المنصور أبي عامر_رحمهما الله_عن نرجس العامرية في أول يوم من كانون الآخر سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة [فأبدع واخترع] وهو: [الكامل]
حيتك يا قمر العلا والمجلس أزكى تحيتها عيون النرجس
زهرا تريك بشكلها وبلونها زهر النجوم الجاريات الكنس
طلعت مطالعها على مخضرة من سوقها كسيت برود السندس
فتزينت حسنا أتم تزين وتنفست طيبا ألذ تنفس
وملكن أفئدة الندامى كلما دارت بمجلسهم مدار الأكؤس
ملك الهمام العامري محمد للمكرمات وللنهى والأنفس
لبس الزمان وأهله من عهده وفعاله المشكور أكرم ملبس
فإذا ذهبت إلى الثناء فقفه من بين الأنام على علاه واحبس
ولأبي عمر القسطلي فيه قطعة بديعة تضمنت أوصافا رفيعة، موصولة بمدح المظفر بن أبي عامر، وهي: [الكامل]
شكلان من راح وروضة نرجس يتنازعان الشبه وسط المجلس
متباهين تلونا بتلون متباريين تنفسا بتنفس
فكأنها من حد سيفك تلتظي وكأنه من طيب خلقك يكتسي
يا من علا من رتبة في رتبة حتى غدا وسط النجوم الخنس
وابن الذين هداهم ونهاهم أدب الملوك وأسوة للمؤتسي
ومن أنفس ما ملح به في النرجس قطعة للوزير الكاتب أبي الأصبغ بن عبد العزيز صنعها بديهة بين يدي ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_أطال الله بقاءه وأدام اعتلاءه_وكان يلبس ثوبا رفيع القدر، نرجسي اللون وهي: [السريع]
رأيت عبادا له ملبس في حشوه الجود معا والكرم
[ ٣٢ ]
فقلت سبحان العزيز الذي أودع ذا الثوب رفيع الهمم
أروع في سؤدده سابقا أبيض مثل البدر بادي الشمم
كأنما صفرة أثوابه وطيبها نرجسه إذ تشم
قد كنت يا نرجس من قبل ذا تبخس من حقك ما قد علم
فالآن فافخر في جميع الورى على النواوير وحاشاك ذم
بعز من قد حزت تشريفه وفضل من لا فارقته النعم
وأنشدني لنفسه الفقيه أبو الحسن بن علي في النرجس الكبير الذي تسميه العامة "القادوسي" تشبيها بالقادوس على لغتهم، وصوابه القدس، أبياتا رقاقا تضمنت معاني دقاقا موصولة بمدح الحاجب سراج الدين الثاقب وهي: [البسيط]
في النرجس القدسي النور والقصب حسن يفوق به تربيه في النسب
له من التبر كأس قاعه لحج موسع العلو قد أبداه للعجب
مشم طيب إذا استنشيت زهرته وظرف أنس إذا ما شئت للنخب
ومائل الجيد من سكر النعيم به حكى ثنى الثمل المشغوف باللعب
كغادة ثوبها من سندس طلعت للشرب في كفها كأس من الذهب
فكيف يعقل حظ النفس من طرب من كان يلحظ هذا الحسن من كثب
ثم دخل إلى المدح فقال: [البسيط]
يا حاجبا رقمت في الكتب سيرته بالحبر وانتقشت بالتبر في القضب
ويا عمادا له ندى ووغى ذا للأيادي، وذا للبيض واليلب
إن دمت للعجم لم يعجم لها خبر وأعرب السعد بالإقبال للعرب
قوله: "حسن يفوق به تربيه" يعني النرجس الأصفر المعروف، والنرجس المسمى بالبهار. وقوله "قاعه لحج" اللحج: الضيق، ولم أر لأحد قبله في هذا الصنف من النرجس وصفا، وهو معدوم عندنا بإشبيلية..
وكان كتب إلي مع هذه القطعة بيتين وهما: [البسيط]
اسأل أبا عامر عنه ابن مسلمة تسأل خبيرا بمعنى الظرف والأدب
إن صار قوم إلى قصف على مهل طواهم بخطا التقريب والخبب
وقال صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية يصفه في أبيات وهي: [مخلع البسيط]
زبرجد فوقه نضار مخلص لم تذبه نار
كأنما هب من كراه وسنان أو شفه انكسار
وطاب عند المشم حتى للمسك من بينه انتشار
قد شارك الدهر فهو ليل وافاه من صبحه اصفرار
فأول الخلق منه ليل ومنتهى خلقه نهار
أبدعه في الرياض منش له على الخلقة اقتدار
شبه خضرة سوقه بسواد الليل، والخضرة والسواد عند العرب بمنزلة.
ويقرب من معنى هذا القطعة ما أنشدنيه لنفسه فيه الفقيه أبو الحسن بن علي وهو: [الطويل]
أرى النرجس التبري يعنو له الفكر ويقصر عن أوصافه النظم والنثر
كأن الدجا قد صاغ خضرة ثوبه وألقى عليه حسن صفرته الفجر
تخال به في الروض أقيال معشر ثيابهم خضر وتيجانهم صفر
يحييك بالتأنيس رونق حسنه ويلقاك منه قبل رؤيته النشر
قال أبو الوليد: ولي قطعة في النرجس [موصولة] بمدح ذي الوزارتين عباد_وصل الله حرمته وأطال مدته_وهي: [الطويل]
وروض أريض لم يزل يغتذي بما يروح عليه من سحاب ويغتدي
بدا النرجس المصفر فيه مباهيا بلون كلون المستهام المسهد
ترى كل نور منه فوق قضيبه كلمة تبر فوق جيد زبرجد
إذا ما سرى منه نسيم لواله سرى عنه جلباب الجوى المتوقد
حكى منظرا نصرا وخبرا خلائق الن نجيب أبي عمرو سليل محمد
[فداه عداه كم له من فضيلة وفضل ندى يغني به كل مجتد]
قال أبو الوليد: هذا ما جمعته في النرجس، ويجب أن نبدأ بذكر الورد، ونورد ما وقع إلينا من تمثيل حسن وتشبيه.