لم يوجب تأخير أمره، ولا ولد إرجاء ذكره تأخر منزله، ولا انحطاط رتبته، وإنما بنينا أن نقدم من تقدم به زمانه، ونبدأ بمن بكر به أوانه، وقد مضت مشاهير الأنوار المبكرة التي كثر القول فيها، وتردد الوصف لها. فمن المستندر في الورد قول الحاجب أبي الحسن جعفر بن عثمان المصحفي وقد أهدى إليه الوزير زياد بن أفلح وردا سيق إليه من "ريه" في شهر كانون الآخر [وهو_أعني قول المصحفي_]: [الطويل]
لعمرك ما في فطرة الروض قدرة تحيل بها مجرى الزمان عن الحد
[ ٣٣ ]
ولكنا أخلاقك الغر نبهت بربعك في كانون نائمة الورد
كأنك قد أمطرتها ديمة المجد وأجريت في أغصانها كرم العهد
فلما وصل هذا النظم المستملح إلى زياد بن أفلح بعث إليه بوردة كان احتسبها لنفسه فكتب إليه ثانية بيتين وهما: [الكامل]
فاجأني كانون بالورد فزادني وجدا إلى وجد
ورد العلا أهدى لنا وردة يا حبذا الورد من الورد
ومن السري السني قول الوزير الكاتب أبي مروان الجزيري ﵀: [الكامل]
أهدى إليك تحية من عنده زمن الربيع الطلق باكر ورده
يحكي الحبيب سرى لوعد محبه في طيب نفحته وحمرة خده
وكتب أيضا أبو مروان إلى الوزير أبي مروان عبد الملك بن شهيد في أخريات أيام الورد بأبيات أنيقة الصفات وهي: [البسيط]
قل للوزير الذي جلت فضائله فسر لنا شرح معنى سال سائله
وأي وصليه موجودا ومفتقدا أولى وأجدر أن ترعى وسائله
وقد أتاك لتوديع على عجل خضرا مقانعه حمرا غلائله
فامنحه منك قبولا واقض نهمته من الوداع فقد شدت رواحله
وبلغني أن الوزير ابن شهيد جاوبه بأبيات لم تقع إلي ولا وردت علي. وأنشدني الوزير أبو عامر بن مسلمة للوزير أبيه_رحمة الله عليه_أبياتا مطبوعة كتب بها إلى الوزير عيسى بن سعيد يستدعيه إلى الفصد، تضمنت وصفا حسنا للورد [وهي]: [الخفيف]
ما يطيب التفجير دون صديق ممحض مخلص شقيق شفيق
وقد اخترته نهارا بهيا كمحياك مستنير الشرق
عندنا الورد قد تألق من لو نين لون المها ولون العقيق
كخدود تبرقعت بحياء فوق ديباجها الأنيق الدقيق
فتفضل وخف نحو صديق أنت في نفسه أجل صديق
ونزل أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي على بني أرقم ب "وادي آش" فقدم إليه فيما أكرم به طبق ورد، وكان في فصل الشتاء فاستغربه، ثم أخذ منه وردة واحدة وقال [بديهة]: [الرمل]
يا خدود الحور في إخجالها قد علتها حمرة مكتسبه
اغتربنا أنت من بجانة وأنا مغترب من قرطبه
واجتمعنا عند إخوان صفا بالندى أموالهم منتهبه
عصبة إن سئلت عن نسبة فإلى أرقمها منتسبه
إن لثمي لك قدامهم ليس فيه فعلة مستغربه
لاجتماع في اغتراب بيننا قبل المغترب المغتربه
ومما يستحسن فيه، وتستملح معانيه، قطعة لأبي عمر أحمد بن دراج القسطلي، موصولة بمدح المظفر بن أبي عامر_رحمه الله_وهي: [الكامل]
ضحك الزمان لنا فهاك وهاته أوما رأيت الورد في شجراته؟
قد جاء بالتأريج من أغصانه وبخجلة المعشوق من وجناته
وكساه مولانا غلائل سيفه يوما يسربله دماء عدته
من بعد ما نفح الحيا من روحه فيه وعرف المسك من نفحاته
إن كان أبدع واصف في وصفه فلقد تقاصر عن بديع صفاته
كمديح سيف الدولة الأعلى الذي أعيا فأغيا في مدى غاياته
ملك ينم الجود في لحظاته واليمن والإيمان في عزماته
وحياته إن كان أبقى حاجة لمن ارتجاه غير طول حياته
ولبي القاسم بن شبراق في وردة لم تفتح وصف حسن مستملح: [المنسرح]
خجلت إذا تأملتها العيون خجلا في احمرارها يستبين
وردة وردت دموعي شوقا للتي خدها بها مقرون
بنت غصن يقر بالكرم الده ر لها في رياضها والغصون
واستسرت عن العيون حياء وعرا عرفها الذكي سكون
سترت وجهها ببرقعها واس تقبلتنا من الفتون فنون
كالفتاة الحية انتقبت كي لا يرى وجهها الجميل المصون
وكتب الوزير أبو عامر بن مسلمة إلى ذي الوزارتين أبو عمر عباد_أعزه الله وأحسن ذكراه_في زمن الورد يصفه فأحسن الوصف، وأبدع التشبيه [أنشدنيه وهو]: [مجزوء الرجز]
عباد يا خير الورى ومن به تزهى المدح
يا قمر الأرض ومن علا سماء ورجح
أما ترى الورد وقد رنا بطرف ولمح
كأنه دم جرى على طلى بيض وضح
أو خد غض عضه لحظ محب فانجرح
كأنما نسيمه عن خلق منك نفح
[ ٣٤ ]
وبعث الفقيه أبو الحسن بن علي بورد مبكر في سباط إلى ذي الوزارتين القاضي _أعزه الله وأذل عداه_وكتب معه: [المتقارب]
ليهنك يا واحد المكرمات وأهدى الملوك لقصد الصراط
جني من الورد قد حثه إليك تودده في سباط
وما ذاك أيام إقباله ولا وقت تنضيده في البساط
أصاب بإسراعه فاحبه وغفرا لسائره فهو خاط
وقال أيضا الفقيه أبو الحسن يصفه في قطعة رائقة متضمنة لصفات فائقة موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_أيد الله يده وحصد من حسده_: [الكامل]
للورد فضل السبق عند المفخر بالمنظر السامي وطيب المخبر
ورق من الياقوت نظم فوقه شذر من الذهب السبيك الأصفر
ونسيم فوح ليس يبلغ طيبه عبق العبير ولا دخان العنبر
نقص الزمان ضنانة من عمره وكذا النفيس القدر غير معمر
والنور غير الورد ليس لشخصه دون السباطة ذابلا من مقصر
والورد يرفع غضه ويبيسه رفع الأكف ظروف مسك أذفر
عمت منافعه كما عم الورى جود ابن عباد فريد الأعصر
وله أيضا في بيتان استوليا على غاية الإحسان وهما: [المنسرح]
انظر إلى الروض غير متئد تبصر جمالا يصوغه الدهر
كأنما الورد فيه أطباق يا قوت عليها مغالق صفر
ولصاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية فيه قطعة سرية موصولة بمدح ذي الوزارتين أبي أيوب بن عباد أبقاه الله، وأسبغ عليه نعماه وهي: [البسيط]
نور الربا خول والورد سلطان بذا قضى قبل آذار ونيسان
سر طوته فصول العام حاسدة لفضله إذ له السلطان والشان
حتى إذا ما الربيع الطلق نم به بدا وقد ضاق عن مثواه كتمان
معالجا فتح أوراق تطبقه كما يعالج فتح العين وسنان
حتى تفتح من أكمام بردته كما تفتح بعد النوم أجفان
أما النسيم فطيب لا أكيفه واللون حسنا به الألوان تزدان
فما سوى الورد في النوار من ملك ولا كمثل أبي أيوب سلطان
ملك يريك اهتزاز الروض يتبعه حلم رسا منه فوق الأرض ثهلان
وللوزير الكاتب أبي حفص بن برد فيه أبيات بديعة [رفيعة] التشبيه، وهي: [الكامل]
هذا الربيع وكنت ترقبه فانظر بعيشك كيف تصحبه
قد نشرت حلل النبات به فبدا مفضضه ومذهبه
والورد قد سمت الغصون به تجلوه والأبصار تخطبه
والشمس قد ضرب الضحاء بها في صبغه فذكاء تلهبه
فكأن من يهواه مخجله وكأن رياه مطيبه
وكتب أبو جعفر بن الأبار إلى الوزير أبي عامر بن مسلمة في زمن الربيع يصف الورد ويحضه على إيثار الأنس، وجلاء صدأ النفس، فأحسن إحسانا يقرب على متأمليه، ويبعد على متناوليه، ووصف الورد بعد صدر متقدم من الشعر: [الكامل]
الورد ورد للعيون من الظما فاذكر أذمته الوكيدة واحفظ
في لبسة التقوى يروقك منظرا فامنحه بالإنصاف طرفك والحظ
وإذا الهجوع نأى فخير منوم وإذا السرور دنا فأحسن موقظ
يا ممطري بفعاله ومقاله ومحافظي بوداده لا محفظي
افطن إذا أبدى الزمان تبالها وإذا تواهن جفنه فاستيقظ
وبكل صرف فاستقد منصرفه وافظظ برقتها عليه وأغلظ
فالهم يفرق من لآليء فرقها والحزن يطفأ عن سناها الملتظي
صفراء صفر الكأس من جثمانها تتخطف الأبصار مهما يلحظ
لا زلت تسلم يا بن مسلمة الرضا معطي الأمان من الخطوب البهظ
قوله: "في لبسة التقوى" يعني الحياء، من قول الله تعالى: (وريشا ولباس التقوى)، قيل: الحياء. وقوله: "محافظي". هو من الحفظ والمرعاة. و"محفظي": المفرق من الرأس. وقوله: "صفر الكأس من جثمانها":الصفر: الخالية، والجثمان: الجسم، وفيه لغتان: جثمان وجسمان. فجاوبه الوزير أبو عامر بن مسلمة بأبيات بديعة الصفات، بزيعة الكلمات وهي: [الكامل]
يا واحد الأدباء غير مدافع ومن اغتدى في الفهم نارا تلتظي
وافاني الشعر البديع نظامه فأزاح عني كل أمر محفظ
فخرا لورد الروض إذ حاز المدى ببدائع من ذهنك المتيقظ
[ ٣٥ ]
الورد عندي في الخدود نفاسة ورياسة مهما يقس أو يلحظ
هو آخر وله التقدم أولا كم آخر قد حاز مفخر من حظي
وقد اعتمدت على الذي حبرته في نظمك الزاري بلفظ اللفظ
وفضضتها صفراء يعشي ضوؤها حدق العيون الرانيات اللحظ
قال أبو الوليد: وأهدى إلي صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية ثلاث وردات ليلة المهرجان، وكتب إلي معها أبياتا أنيقة المعنى [دقيقة المغزى]، وهي: [الوافر]
بعثت بأغرب الأشياء طرا وأعجبها لمختبر ومخبر
بورد ناعم غض نضير يروقك ناسما طورا ومبصر
أتى في المهرجان فكان فوق ال بكير غرابة وهو المؤخر
وإغراب المؤخر عن أوان يجيء به كإغراب المبكر
ولما أن غشيت الروض منه بروض فيك من مدحي منور
وقلت له: استمع لحلى كريم الس سجايا منتقى من سر حمير
تفتح من كمائمه وأبدى من النفحات ما قد كان أضمر
فماء ثنائك العالي سقاه ومن أخلاقك العليا تفطر
فأوسعه القبول ودم عزيزا مكينا ما جرى نجم وغور
فلما وردت الورد الثلاث علي، ووصلت إلي، بعثت بها إلى أبي_وقاه الله بي_ وكتبت إليه معها أربعة أبيات بديهة وهي: [الكامل]
يا من تأزر بالمكارم وارتدى بالمجد والفضل الرفيع الفائق
انظر إلى خد الربيع مركبا في وجه هذا المهرجان الرائق
ورد تقدم إذ تأخر واغتدى في الحسن والإحسان أول سابق
وافاك مشتملا بثوب حيائه خجلا لأن حياك آخر لاحق
ولي أيضا فيه قطعة موصولة بمدح أبي_أبقى الله علي ظله، وقدمني إلى المنون قبله_ وهي: [الخفيف]
إنما الورد في ذرى شجراته كأجل الملوك في هيئاته
رائق منظرا وخبرا وفذ في حلاه التي حلت وصفاته
نفحة المسك من شذا نفحاته خجل الخد من سنا خجلاته
مزجت حمرة اليواقيت بالدر ر فجاءت به على حسب ذاته
مثلما جاء من سماح وبأس خلق الحميري سم عداته
إن يعد فالوفاء حتم عليه فرضه في صلاته كصلاته
ولي قطعة نثر كتبت بها إلى صاحب الشرطة [أبي الوليد بن العثماني] وبعثت معها وردا مبكرا: "بعثت بخدود المعشوقين قد أدمتها ألحاظ العاشقين، وأدمنت عليها ناظرة، فتساقطت هكذا ناضرة، فاحكم على العيون للخدود، على ألا تعود إلى الصدود، والسلام". قال أبو الوليد: وحين استوفيت ما حصل عندي من الوصف للورد أبدأ بذكر ما عثرت عليه من المستحسن في وصف السوسن فهو صاحب الورد في زمانه، ومشاركه في أوانه.