قال أبو الوليد: أبدع ما قيل فيه، وأبزع ما شبه به، [وأرفع] ما أمل علي لنفسه فيه ذو الوزارتين القاضي_حرس الله حوباءه وصان ذكاءه_وهو: [السريع]
وياسمين حسن المنظر يفوق في المرأى وفي المخبر
كأنه من فوق أغصانه دراهم في مطرف أخضر
قال أبو الوليد: هذا التشبيه معدوم الشبيه. ومما يوازيه دقة، ويضاهيه رقة، قوله أمله علي_أبقاه الله_وهو: [السريع]
وياسمين حسن المجتلى كأنه في قضبه الضافيه
زمرد رصع ما بينه مداهن من فضة صافيه
وأمل_أعزه الله، وأحسن ذكراه_علي فيه له قطعة قوية الوصف، سرية الرصف وهي: [السريع]
سبحان من أنشأ ذا الياسمين خلقا بديعا للنهى والعيون
كأنما الأغصان من تحته والورق المخضوضر المستبين
زمرد نضد فوق الربا وهو على أعلاه در مصون
آيات صدق شاهدت بأن ليس لمن أبدعها من قرين
وهذه التشبيهات كلها، والصفات بأسرها إنما هي فيه وهو في شجره، ولو لم يكن كذلك لم تشبه خضرته وأكثر ما وصف في هذه الحال، ولم يقع إلي في نواره مفردا إلا قول أبي عمر الرمادي، وهو من الصفات المطبوعة والتشبيهات البديعة: [مخلع البسيط]
انظر إلى روض ياسمين لم يرد الورد وهو وارد
كأنه عدة ولونا أكف حور بلا سواعد
قال أبو عمر أحمد بن فرج يصف بقاءه، ويقرض وفاءه: [الخفيف]
ليس كالياسمين نور الرياض هو باق والنور أجمع ماض
[ ٢٥ ]
فاقض بالفضل للوفاء على الغد ر تكن إن حكمت أعدل قاض
ومن السحر الحلال، المستوفي نهاية الكمال، قول ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_أعزه الله_وقد دخل بستانا لي اكتسبته من نوافل كرمه وسوابغ نعمه، فرأى ياسمينا فيه فقال بديهة: [المنسرح]
كأنما ياسميننا الغض كواكب في السماء تبيض
والطرق الحمر في جوانبه كخد عذراء ناله عض
شبه النور بالكواكب، وخضرة ورقه بخضرة السماء، ولم أسمع لأحد قبله وصف حمرته وهي تكثر عند قلة الياسمين في زمن الشتاء وتقل عند كثرته. وللوزير أبي عامر بن مسلمة فيه وصف رائق، وتشبيه رائع، وصله بمدح ذي الوزارتين المذكور_أعزه الله وأسبغ عليه نعماه_وهو: [الرمل]
وذكي العرف لاقا نا على كرسي ملكه
أرضه الخضراء بحر نوره فيه كفلكه
ياسمين قد غدت أن وارنا طوعا لملكه
طوع حر الشعر عبا دا وقد أومى لسلكه
ماجد ينقاد منه ال أدب الغض لملكه
ماله يوقن منه ومناويه بهلكه
ومن المعاني الدقيقة في الألفاظ الأنيقة ما أنشدنيه [لنفسه فيه] الوزير الكاتب أبو الأصبغ بن عبد العزيز وهو: [المنسرح]
وياسمين بعرشه أشرف عرفه العرف قبل أن يعرف
تكامل الطيب والجمال له فهو من الفضل فوق أن يوصف
كأنما خلقه البديع إذا تزاحم النور قبل أن يقطف
سرير ملك عليه مشملة خضراء والقطن فوقها يندف
ومن التشبيه السري والتمثيل السني، قول الفقيه أبي الحسن بن علي وشبه مجلس الأنس بالحرب وهو: [الوافر]
وشرب أدلجوا للأنس لما اصيغ على يد الشجر الذمار
سرت بهم إلى ثغر التصابي ركاب لا يخاف لها عثار
فخلوا آمنين على الأماني فكان لهم من الشجر انتصار
عريش الياسمين لهم سماء وخضرة أرضه لهم قرار
به حجف من النوار بيض مفضضة وأرماح صغار
فوجه نهارهم بالظل ليل وليلهم بأنجمه نهار
فإن أوحشت من شمس تبدت عليك بشمس كفرها العقار
وما شهد الكرام وغى كحرب جراح المقصدين بها جبار
قوله: جبار: أي لا دية فيها ولا مطالبة بها. وقوله: به حجف، الحجف صغار الترسة. وأرماح صغار: يعني النواوير المتعلقة منه أول ما تبدو. ومن الصفات السرية وصف صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية وهو: [الوافر]
وأبيض ناصع صافي الأديم تطلع فوق مخضر بهيم
نزيه النفس همته المعالي ذكي العرف مسكي النسيم
فلست تراه إلا عند ملك وإلا عند خاصي كريم
شاى النوار فارتفع اعتراشا عليه كهيئة الملك العظيم
كأن ثماره المجني منها سماء قد تحلت بالنجوم
وأنشدني لنفسه فيه أبو علي إدريس بن اليمان قطعة حسنة التشبيه وهي: [الوافر]
أمير النور يأمرني بشرب ولست أطيق عصيان الأمير
فخذ كأس السرور فاسقنيها على ود الأمير على السرير
نجوم من لجين تجتليها سماء زبرجد خضل نضير
تزيد على الأقاحي في ابتسام كما زاد الكبير على الصغير
وينخفض الشذا المسكي عنها كما انخفض الصغير على الكبير
قال أبو الوليد: هذا ما وقع إلي في الياسمين البستاني وعثرت على قطع في الياسمين البري وهو الظيان، وليس يبقى مدة العام، إنما هو ربيعي، ولكن قدمته على الربيعية لتسميه باسم المتقدم، وانتسابه إليه، واشتباهه به، فوصلت ذكره بذكره. وما قيل فيه مما قيل فيه مع أن وصفه لم يكثر، وذكره لم يتكرر، فليس يحتمل إفرادا وإنما يجب أن يكون تبعا لهذا، وخلق شجره ونوره كخلق البستاني إلا أن نوره أصغر. فمن أطبع ما قيل فيه وأبدعه، وأعلى ما شبه به وأرفعه أبيات لذي الوزارتين القاضي الجليل المنقطع المثيل أملها علي وهي: [الطويل]
ترى ناضر الظيان فوق غصونه إذا هو من ماء السحائب يغتذي
وحفت به أوراقه في رياضه وقد قد بعض مثل بعض وقد حذي
كصفر من الياقوت يلمعن بالضحى منضدة من فوق قضب الزمرذ
وله_أعلى الله ذكره وأيد أمره_في صفرته خاصة تشبيه بديع، وتمثيل رفيع [أمله علي]، وهو: [المنسرح]
[ ٢٦ ]
كأن لون الظيان حين بدا نواره أصفرا على ورقه
لون محب جفاه ذو ملل فاصفر من سقمه ومن ارقه
وأنشني فيه لنفسه الوزير الكاتب أبو الأصبغ بن عبد العزيز أبياتا معجبة [تضمنت أوصافا مغربة] وهي: [السريع]
فضائل الظيان معروفة تروق في المنظر والخبر
فاق النواوير معا أنه منزه يأوي إلى البر
وأنه يأنف أن يقتنى على سبيل الملك والقسر
فآثر الصحراء مستأنسا في ليله بالأنجم الزهر
متى تزره تلق من عرفه ما شئت من طيب ومن عطر
أبراده خضر ولكنها مخصوصة باللبن الصفر
وللفقيه أبي الحسن بن علي فيه وصف رائع [وتشبيه بارع] في قطعة موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي وهي: [الطويل]
إذا نور الظيان في خضر قضبه وراح بثوب من دجا الري قد حذي
أفادك من صفر اليواقيت أنجما له طالعات في سماء زمرذ
كأن سناه في الرياض وحسنه بحسن ابن عباد ورياه محتذي
قال أبو الوليد: [وحين] أوردت إلي في الآس والياسمين من بديع الشعر الموزون نذكر الأنوار على أزمنتها ونبدأ بالأول منها وهو نور البهار.