هذا أبقاك الله هو الجزء السابع من بصائر الحكماء وذخائر الأدباء، وهو يطلع عليك بوجهٍ مشوف، وطراز مكشوف، ينفح من أردانه الطّيب، وينطق عن نفسه بألفاظٍ كأنها حواشي برد، أو مقاطف ورد، فقد اختصر فقرًا بديعةً، ولمعًا ثاقبةً، وآدابًا جمّةً، وحكمًا نافعة، لم أقنع لك بتدوينها دون تبيينها، ولا بطرحها دون شرحها، ولا بتزويرها دون تقريرها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، تلقّفتها من لسان الدهر، والتقطتها من اختلاف الليل والنهار، وأخذتها من الصّغار والكبار، ومن يهب الله له عينًا وموقًا، وقلبًا علوقًا، ولسانًا نطوقًا، سمع ووعى، وقال ورعى، نسأل الله من فضله، إنه ذو الفضل والمجد.
وكان بعض أهل الشّرف والأدب نظر فيما ارتفع من هذا الكتاب فقال لي: لقد شقيت في جمعه، قلت: لو قلت: لقد سعدت في جمعه لكان أحلى في عيني، وألوط بقلبي، وأولج في منافس روحي. قال: إنك جمعت
[ ٧ / ٥ ]
بين الفضل والهزل، وبين العلم والجهل، ومن شمّر في كتاب تشميرك. وكدّ فيه كدّك، نفى المنفيّ واختار المختار، فالعطن يضيق عن تمام العزم في مطالعة الكلمة السخيفة واللفظة الشريفة، ومن مزج هذه بهذه كمن مزج الشراب الصافي بالكدر، وبما يكدّره ويعنّي شاربه ويمنع من تورّده والارتواء به. فقلت له معتذرًا بلسانٍ ذي كلول، وحدٍّ ذي فلول: أيها السيد الجحجاح والفاضل المنّاح، لو تمكنت من هذا الرأي لما صددت عنه ولا آثرت عليه؛ لكنّي لمّا اقتبست ذلك من تصفّح العالم واستريته من مسألة العالم. أخذته على ما عنّ وجرى. وهذا أيّدك الله كلام رجلٍ لم يذق حلاوة البيان، ولا ظفر بعزّ الحجة، ولا فرّق بين ما يعانيه من جهة الهزل، وبين ما يكلّفه من جهة الجدّ، وال علم أن هذا الظّرف لذلك المتاع، وهذا التبسّم لذلك الوجوم، وهذا النّطف لتلك الدماثة، وهذه الهيبة لذلك الانبساط، وهذه الرياضة لتلك العافية، ومن كان معجونًا من أخلاط، ومركّبًا على اختلاف، وأسيرًا للعوارض، فلا بدّ في كلّ حركةٍ وسكون، وقولٍ وعمل، ونقص وكمال، وفضيلةٍ ورذيلة، من محبوبٍ يناله، ومكروهٍ ينال منه.
نرجع إلى سمرنا فقد تباعدنا منه: اعلم أني قد ختمت هذا الجزء بجملةٍ من كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، سوى ما سار في جريدة الكتاب، إذا بلغت إليها، وأشرفت عليها، علمت أنّي منحوس الحظّ من زماني، محسودٌ بين أصفيائي وإخواني،
[ ٧ / ٦ ]
لأني لا ألقى آخذًا بفضلي، ساترًا لنقصي، ومتى بتّ القضاء على العالم بادعاء ما لا يحسنه، وجزم عليه الحكم بالعجز عما لا يقوم به، فقد سقطت بيّنته فيما يحسن، وبارت بضاعته فيما يتصرّف، وإنما الإنصاف إذا فقد الإسعاف، وأن يكون الثناء على قدر البلاء، والتقريع على قدر التضجيع. لا تكذب، فما السعيد إلا من نظر الله تعالى إليه، ونقله سعيدًا إلى ما لديه.
اللهمّ لا تحرمنا السلامة إن منعتنا الغنيمة، ولا تحوجنا إلى منازلة خلقك في إبطال باطلٍ وتحقيق حقّ، وتولّنا بالكفاية، واحرسنا بالعصمة، واغمرنا بالرحمة. اللهمّ أنت مناط الهمّة، ومنتهى البال، وصفاء النفس، وخلصان الرّوع، ووليّ النعمة في الأولى والآخرة. نعوذ بك من أملٍ نزداد به إثمًا، ومن استدراجٍ نكتسب به ظلمًا، ومن طاعةٍ يشوبها رياء، ونعوذ بك من كل ما أبعد عنك، وأيأس منك.
تأهّب أيها الرجل لأمرين جسيمين، لا أمان لك إلا بهما، ولا نجاة لك إلا معهما: لعلمٍ يهديك إلى الله، وعملٍ ينجيك من الله، فبالعلم تقصد وبالأعمال تصل، وبالعلم تعرف وبالعمل تجزى، ولا تستغن بقول من قال: عليك بجمع المال فما المرء إلا بدرهمه، فالمال عرض والعلم جوهر، والجوهر ما قام بنفسه والعرض ما ثبت بغيره، والعلم من قبيل العقل والمال من قبيل الجسم، والجسم فانٍ وتابعه معدوم، والعقل باقٍ وصاحبه موجود، وشهادة المال زورٌ وشهادة العلم حقيقة، وبيّنة كاذبة المال وبيّنة العلم صادقة؛ والعلم يحتاج إلى المال ولكن للزينة، والمال يحتاج إلى العلم ولكن للتمام، فكم
[ ٧ / ٧ ]
حاجتك إلى ما يزينك بعد كمالك؟ اعلم أن الأقطع يحتاج إلى كمٍّ لقميصه لا ليتمّ ولكن للزينة. ولا تطلب العلم إلا بعد أن تعشق الحقّ عشقًا، وتموت على الحجّة موتًا، وتنفر من الباطل نفورًا، وتمقت الشّبهة مقتًا، فعند ذلك ترى منالك منه، وراحتك به أتمّ من تعبك عليه؛ وحينئذٍ ترى العمل زادًا، والإخلاص عتادًا. وأسّ هذه الفضائل وقاعدة هذه المحاسن الزّراية على نفسك، والتودّد إلى بني جنسك، والإقبال على يومك دون الأسف على أمسك، وقطع حبائل الدنيا عن قلبك، والتوجّه في السرّ والجهر إلى ربّك، وبعض هذا كافٍ لمن سبقت له من الله الحسنى، وأمّل حسن العقبى. ففرّوا إلى الله تعالى جميعًا ودعوا مزابل الدنيا لكلابها المتناهسة، فإنّ الدنيا تنكل طالبها، وتغصّ شاربها، وتذبح عاشقها والغالي في حبّها.
أنا سمعت بدويًا من ناحية فيدٍ حين قتل الوزير ابن برمويه يقول لصاحبٍ له: أعندك الخبر؟ قال: لا والله؛ قال: إنّ هذا الوزير الشّرير قد ذبح، قال: ما تقول؟ قال: هو ما أقول لك، ثم أطرق هنيهةً وقال: والله ما علا حتى ساخ، ولا غلا حتى باخ؛ نعوذ بالله من سوء العاقبة وشماتة ابن
[ ٧ / ٨ ]
العم، وعثار الإنسان لليدين والفم؛ والله من قتل قتل، ومن أكل أكل.
أرى أن أجعل فاتحة هذا الجزء فقرًا من كلام رسول الله صلّى الله عليه وأله وصحبه وسلّم، وهو الكلام الذي يتلو كتاب الله بهاءً وحسنًا، ومنفعةً وخيرًا، وحكمةً وبلاغةً، وهو الكلام الذي إن فاته من القرآن عينه فلم يفته أثره، وإن بعد عنه في آيته لم يبعد في دلالته، وهو الكلام الذي فيه: نور الحقّ يلوح عليه، وسناء الهدى يقتبس منه.
[ ٧ / ٩ ]
قال صلّى الله عليه وآله: " أشرف الحديث كتاب الله؛ وأوثق العرى تقوى الله؛ وخير الملل ملّة إبراهيم ﵇؛ وأحسن السّنن سنّة محمّدٍ ﵌؛ وأشرف الحديث ذكر الله تعالى؛ وأحسن القصص هذا الكتاب؛ وخير الأمور عواقبها؛ وشرّ الأمور محدثاتها؛ وأحسن الهدي هدي الأنبياء؛ وأشرف القتل قتل الشهداء؛ وأعظم الضّلالة ضلالةٌ بغير هدّى؛ وخير الهدى ما اتّبع؛ وشرّ العمى عمى القلب؛ واليد العليا خيرٌ من اليد السّفلى؛ وما قلّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى؛ ونفسٌ تحييها خيرٌ من إمارةٍ لا
[ ٧ / ١٠ ]
تحصيها؛ وشرّ الندامة ندامة يوم القيامة؛ وشرّ الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرًا، ولا يذكر الله إلا سحرًا؛ وخير الغنى غنى النفس؛ ورأس الحكمة مخافة الله؛ والنّوح من عمل الجاهلية؛ والغلول من حرّ جهنم، والشعر مزامير إبليس؛ والخمر جوامع الإثم؛ والنساء حبائل الشيطان؛ والشباب شعبةٌ من الجنون؛ وشر المكاسب الرّبا؛ وشر المآكل أكل مال اليتيم؛ والسّعيد من وعظ بغيره؛ والشقيّ من شقي في بطن أمّه؛ وشرّ الرّوايا روايا الكذب؛
[ ٧ / ١١ ]
وكلّ ما هو آتٍ قريب؛ وسباب المؤمن فسوقٌ وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه "؛ هكذا وجدت هذا الحديث نفعنا الله وإياك به.
قال عليّ بن أبي طالب ﵇: الدنيا وإن طالت قصيرة، والماضي للمقيم عبرة، والميت للحيّ عظة، وليس لأمسٍ مضى عودة، ولا المرء من غده على ثقة، وكلٌّ بكلًّ لاحق، واليوم الهائل لكلٍّ آزف، وهو اليوم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون " إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ ". اصبروا على عملٍ لا غنى بكم عن ثوابه، وارجعوا عن عملٍ لا صبر لكم على عقابه؛ إن الصبر على طاعة الله تعالى أهون من الصبر على عذابه. اعلموا أنكم في نفسٍ معدود، وأملٍ ممدود، وأجلٍ محدود، ولا بدّ للأجل من أن يتناهى، وللنّفس أن يحصى، وللسّبب أن يطوى " وإنّ عليكم لحافظين كرامًا كاتبين ".
[ ٧ / ١٢ ]
انظر إلى انتثار اللؤلؤ في هذا الفصل، فإنك ترى ما يعجب: صدقًا في المعنى وترتيبًا في اللفظ، وكلّ كلامه حلوٌ بليغٌ جزل شريف، يأخذ من البراعة أبهى شعارها، ويرتقي إلى أشرف درجاتها، إلا ما يلفّقه المبطلون فتنسبه إليه، فإنك تجد في ذلك أثر التكلّف، ولو حفظ عليه ما له من المحاسن لاستغني عن افتعال الباطل ودعوى الزّور.
وسمعت أبا العباس القنّاد الصّوفي يقول: سمعت بدويًا ورد من المنتهب يقول لابنه: يا بني كن سبعًا خالسًا أو ذئبًا خانسًا أو كلبًا حارسًا وإياك أن تكون إنسانًا ناقصًا.
قال بعض السّلف: يسخّي بنفس العاقل عن الحظوة في البلاغة ما يخاف عيب المنطق، فإذا اضطرّه الأمر إلى ما لم يجد معه بدًّا من المنطق، اقتصر على الجملة دون التفسير.
قال فيلسوف: من مدحك بما ليس فيك فلا تأمن بهته لك، ومن
[ ٧ / ١٣ ]
أظهر شكر ما لم تأت إليه فاحذر من أن يكفر نعمتك.
ارتع في رياض هذه الآداب والحكم؛ وإذا فقدت العقول قوتها من الحكمة ماتت موت الأجساد عند فقد الطّعام.
قال الفيلسوف: ارتفاع موضع العقل على سائر الحسّيّات التي هو المدبّر لها كارتفاع العينين على سائر الأعضاء.
قال فيلسوف: ليس متعمّد الذّنب كالمخطئ، ولا المكره عليه كالطائع، ولا المحتاج إليه كالغنيّ، ولا المعطي من قلّةٍ كالمعطي من سعة، ولا الجائر محكّمًا كالجائر غير محكّم، ولا الخائن مؤتمنًا كالمقتطع من غير أمانة، ولا الحالف على الكذب مصبورًا أو الشاهد بالباطل منصوصًا كمن لا ينص الشهادة ولا يصبر اليمين.
كان عليّ بن أبي طالب ﵇ إذا نطر الهلال قال: اللهمّ اجعلنا أهدى من نظر إليه وأذكر من طلع عليه.
قال فيلسوف: ليس ينبغي أن يمنع من معاشقة النّفس النّفس ولكن من معاشقة البدن البدن.
[ ٧ / ١٤ ]
وقال الحسن: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " قال: لا تصلّها رياءً ولا تدعها حياءً.
هذه إشارةٌ مليحة، لكن الشائع من تأويله غيره.
قال عبد الحميد الكاتب: تعلّمت البلاغة من مروان بن محمد: أمرني أن أكتب في حاجةٍ إلى أخٍ له فكتبت على قدر الوسع، فقال لي: اكتب ما أقول لك: بسم الله الرحمن الرحيم، أما آن للحرمة أن ترعى، وللدّين أن يقضى، وللموافقة أن تتوخّى؟.
قال بقراط: الجسد كلّه يعالج على خمسة أضرب: ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في أسفل المعدة بالإسهال، وما بين الجلدين بالعرق، وما في العمق وداخل العروق بإرسال الدم.
قال رجلٌ من آل زياد لعارمٍ البصري: يا ابن الزانية! قال: تعيّرني ما ساد به أبوك؟ قال الزّيادي: يا غلام، خذ برجله، فقال: أي غلمانك؟ الذي يخلفك في أهلك، أم الذي يأتيك من خلفك؟! سمعت من يقول في قوله تعالى " وإن منكم إلا واردها "
[ ٧ / ١٥ ]
هو مثل قوله " حتّى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيّبةٍ ".
أخذ عمر بن الخطّاب في التوجّه إلى الشّام، فقال له رجلٌ: أتدع مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم؟ فقال: أدع مسجد رسول الله لصلاح أمّة رسول الله، ولقد هممت أن أضرب رأسك بالدّرّة حتّى لا تجعل الرّدّ على الأئمّة عادةً فيتّخذها الأخلاف سنّة.
وقال ابن الأشتر العلويّ الكوفي: سمعت الكندي يقول المسترسل موقّى، والمحترس ملقّى.
قال سعيد بن العاص: لا تكلّف راجيك خدمة المطالبة.
قال أعرابيّ: إنّ الله تعالى يمتحن بالمنّة عليك المنّة منك.
كتب رجل إلى آخر: أما بعد، فإن استطعت أن لا تكون لغير الله عبدًا، وأنت لا تجد من العبودية بدًّا، فافعل.
[ ٧ / ١٦ ]
دعا أعرابيٌّ فقال: اللهمّ إنّي أعوذ بك من نزول الشرّ وسوء الفهم.
قال ابن أبي حفصة الشاعر للحسن بن شهريار: بلغني أنّك يا أبا علي تنيك غلامك هذا الليل؛ فقال الحسن: وأنا بلغني أنه ينيكك بالنّهار. إنما حمد الصّمت عند هذه المواضع، والجواب منصور.
قيل للرّضا ﵇: إن إبراهيم يحلف أنّ أباه موسى حيٌّ؛ قال: أيموت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم ولا يموت موسى؟ ثم قال: العجب أن الله يكرم بهذا الدّين العجم أولاد الدّهاقين ويصرفه عن قرابة رسول الله ﵌.
عزّي السائب بن الأقرع عن ابنٍ له فقال: هكذا الدنيا: تصبح
[ ٧ / ١٧ ]
لك مسرّةً وتمسي مساءة.
قال صالح المرّي: أتيت أبا عمران الحربي، فقرّب إليّ الفالوذج، فقلت: يا أبا عمران، أما تخشى أن يكون هذا من الطّيّبات؟ فقال: يا صالح، الماء البارد أطيب منه.
قال الرّضا ﵇ لغلامه: اشتر لنا من اللحم المقاديم ولا تشتر من المآخير، فإن المقاديم أقرب من المرعى وأبعد من الأذى.
قال معاوية: من ولّيناه شيئًا من أمورنا فليجعل الرفق بين الأمانة والعدل.
لسع زنبورٌ عروسًا في ليلة زفافها في فرجها، فقالت الماشطة: من، ولمن، وفي أيّ مكان، وأيّ ليلة! قال الجمّاز: قلت لرجلٍ رمد العين: بأيّ شيءٍ تداوي عينك؟
[ ٧ / ١٨ ]
قال: بالقرآن ودعاء الوالدة؛ قلت: اجعل معهما شيئًا يقال له العنزروت! قال فيلسوف: ليس في الناس أحدٌ إلا وفيه شبهٌ من شجرةٍ أو دابةٍ، فمنهم الغشوم كالأسد، والخاطف كالذّئب، والخبّ كالثعلب، ومنهم حسن المنظر غير محمود المخبر كشجرة الدّفلى، ومنهم المحمود الظاهر الرّديء الباطن كالثّمرة المرّة؛ ومنهم الرديء الظاهر المحمود الباطن كالجوزة، ومنهم المحبّب إلى كلّ أحدٍ كالأترجّة الجامعة مع الحسن طيب الطّعم والرّيح واللّون.
قال بعض السّلف: الحزن مدهشةٌ للعقل مقطعةٌ للحيلة؛ إذا ورد على العاقل من المكاره ما يحتاج معه إلى الحيلة، قمع الحزن بالحزم.
قال فيلسوف: لا يعدّ الملك الكذوب ملكًا، والناسك الخادع مليكًا، والأخ الخاذل أخًا، ومصطنع الكفور منعمًا.
قال فيلسوف: بعد الجاهل من أن يلتحم به الأدب كبعد النار من أن تشتعل في الماء.
قال فيلسوف: إذا كان العالم غير معلّمٍ قلّ غناء فعله وعلمه،
[ ٧ / ١٩ ]
كما يقل غناء المكثر البخيل.
قيل لأعرابي: مذ هنت دقّت محاسنك؛ قال: أي والله، ومساوئي.
قال فيلسوف: العقل صنفان: أحدهما مطبوعٌ والآخر مسموع؛ فالمطبوع منهما كالأرض، والمسموع كالبذر والماء، فلا يخلص للعقل المطبوع عملٌ ولا يكون له غناءٌ دون أن يرد عليه العقل المسموع فينّبهه من نومه، ويطلقه من عقاله، ويستخرجه من مكامنه، كما يستخرج البذر والماء ما في قعر الأرض.
قال أعرابيّ: يكتفي اللّبيب بوحي الحديث، وينبو البيان عن قلب الجاهل؛ إذا دخلت الموعظة أذن الجاهل مرقت من الأخرى.
قال أعرابيّ: سيرة الصالح زينةٌ لعقبه، وحياة الفاجر فضيحة الدهر.
قال بعض الفرس: كما أن من السّحاب ما ينقشع عن غير مطر، فكذلك وعد الكذوب من غير وفاء؛ وكما أنّ الإكثار نم الأكل غير رفقٍ من
[ ٧ / ٢٠ ]
الآكل، فكذلك الإكثار من النطق غير رفقٍ من المتكلّم، وكما أن الحمار البليد لا يخفّ راكبه إلا بالعصا، فكذلك الجاهل لا يقبل الأدب إلا من حذر الضّرب.
قال فيلسوف: يمنع الجاهل أن يجد ألم الحمق المستقّر في قلبه ما يمنع السّكران من ألم الشّوكة تدخل في يده.
قال ابن المبارك: عند تصحيح الضّمائر يغفر الله الكبائر.
أراد الرّشيد الخروج إلى القاطول، فقال يحيى بن خالد لرجاء بن عبد العزيز وكان على نفقاته: ما عند وكلائنا من المال؟ فقال: سبعمائة ألف درهم؛ قال: فتسلّمتها يا رجاء. فلما كان من الغد، غدا إليه رجاءٌ فقبّل يده، وعنده منصور بن زياد، فلما خرج قال يحيى بن خالد لمنصور: قد توهّم الرجل أنّا قد وهبنا له المال، وإنّما أمرناه بتحصيله عنده لحاجتنا إليه، فقال منصور: أنا أعلمه ذلك؛ قال: إذًا يقول لك: قل له يقبّل يدي كما قبّلت يده فلا تقل له شيئًا، وقد تركت المال له.
[ ٧ / ٢١ ]
لعبد الله بن الحسن: الطويل
تخوّفني بالقتل يومًا وإنّني أموت إذا جاء الكتاب المنزّل
إذا كنت ذا سيفٍ ورمحٍ مصمّمٍ على سابحٍ أدناك ممّا تؤمّل
فإنّك إن لم تركب الهول لم تنل من المال ما يكفي الصّديق ويفضل
قيل لابن الجهم بعدما أخذ جميع ماله: أما تفكّر في زوال نعمتك؟ لا بدّ من الزّوال، فزوال نعمتي وأبقى خيرٌ من زوالي وتبقى.
مرّ بعض الأنبياء ﵈ برجلٍ قد نبذه أهله من شدّة البلاء، فقال: يا ربّ، لو عافيت عبدك! فأوحى الله ﷿ إلى ذلك النبي: أتحبّ أن أنقله إلى غير حاله؟ فأتاه فسأله فقال: أتحبّ أن ينقلك الله عمّا بك من البلاء؟ فقال: من تمنّى على الله ﷿ أبى ذلك منه.
شاعر: مجزوء الرمل
سامح الدّهر إذا ع زّ وخذ عفو الزّمان
[ ٧ / ٢٢ ]
ربّما أعدم ذو الحر ص وأثرى ذو التواني
فصل لي: وأنا أعوذ بالله من انتحال الشّره مع إضمار الحرص، وإظهار مقت المنافقين مع استشعار الغشّ، والانتساب إلى الكرم والجرية مع الأفعال الدنيّة والأخلاق الرديّة؛ وأعوذ بالله من انتحال المحاسبة مع إهمال النّفس، وادّعاء التحصيل مع إطلاق اللّسان، وشدة الرهف مع كلال الحسّ، والتشبّث بسلامة الصدر مع لؤم الطّبع.
يقال: ظهر فلان بحاجتي، أي نسيها، وأظهرنا بكذا، أي انتهينا إليه في الظّهيرة؛ وإبل فلانٍ ترد ظاهرةً إذا وردت كلّ يومٍ نصف النهار، واسم هذا الظمء: الظاهرة؛ وظاهر فلانٌ فلانًا إذا مالأه وصار معه.
أتي معن بن زائدة بثلاثمائة أسيرٍ من حضرموت، فأمر بضرب أعناقهم، فقام منهم غلامٌ حين سال عذاره فقال: أنشدك الله تقتلنا ونحن عطاشٌ، فقال اسقوهم؛ فلما سقوا قال: اضربوا أعناقهم، فقال الغلام: أنشدك الله أن تقتل ضيفانك، قال: أحسنت، وأمر بإطلاقهم.
[ ٧ / ٢٣ ]
قال أعرابي في وصف رجل: أنت والله ممن إذا سأل ألحف، وإذا شئل سوّف، وإذا حدّث حلف، وإذا حلف أخلف، وإذا صلّى اعترض، وإذا ركع ربض، تنظر نظر الحقود، وتعترض اعتراض الحسود.
نظر رجل لحياني إلى صبيٍّ ومعه سكّين فقال: أفزعه وآخذ السكّين، ففزّعه بلحيته، فقال الصبي: لا بأس عليك، ليس أذبحك! أصيب رجلٌ في سجن الحجّاج قد حبس عشرين سنةً، فنظر في قصّته، فإذا هو قد بال في رحبة واسط، فقال المنتوف: والله لو أحدث في الكعبة ما استحقّ أكثر من هذا! ضرط رجلٌ بحضرة امرأته فقالت: أما تستحي؟ فقال: إنما أردت أونسك.
في أمثال العرب: قيل لجملٍ: أيما أحبّ إليك: تصعد أو تنزل؟ فقال: ذهب الاستواء من الأرض؟! قال الأحنف: ربّ بعيدٍ لا يفقد خيره، وقريبٍ لا يؤمن شرّه.
يقال: شرّ مالك ما لزمك إثم مكسبه، وحرمت لذة إنفاقه.
[ ٧ / ٢٤ ]
يقال: يجد البليغ من ألم السّكوت ما يجد العييّ من ألم الكلام.
قال عبد الله بن ثعلبة: أمسك مذمومٌ فيك، ويومك غير محمودٍ لك، وغدك غير مأمونٍ عليك.
قال ابن المبارك: أدركت أهل العلم وفاتني أهل الأدب.
قال الحسن: إنّ الله تعالى يعطي العبد مكرًا به، ويمنعه نظرًا له.
رأيت ابن خفيف الصّوفي وقد سئل عن دعاء الإنسان " اللهمّ لا تؤمّنّا مكرك ". قال: الواجب " اللهم أمّنّا مكرك " فإن الله تعالى يقول " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ".
هذا فصلٌ لطيف ولعلّي أعيده إن شاء الله.
قال الحسن: من لم يمت فجأةً مرض فجأةً.
قال المتوكّل لأبي العيناء: إلى متى تمدح الناس وتذمّهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساؤوا.
[ ٧ / ٢٥ ]
وقال الحسن بن سهل: من جهل حرمة إنصافك لم يرع حقّ إفضالك.
قال الخليل: رغبتك في الزّاهد فيك ذلّ نفس، وزهدك في الراغب فيك قصر همّة.
قال عمر بن عبد العزيز: لولا أنّ ذكر الله تعالى عليّ فرضٌ ما تفوهت به تعظيمًا له.
قد رأيت من ترك العبادة البتّة وقال شبيهًا بهذا المعنى: زعم أنّ الله تعالى أجلّ من أن يتوسّل إليه بشيء.
ولهذا القائل شركاء في أصناف الناس، لكنّه كان على حلية الصوفيّة، ولولا أنّ هذا الكتاب تذكرةٌ لجميع ما حوته الأذن وحفظه القلب وثبت في الكتب على طول العمر ما جاز إفشاء هذه الأسرار على رؤوس الأشهاد، ولكن الغرض سليم من الآفة، والله وليّ الرحمة والرأفة.
قال العتّابي: لمّا رأيت الأمور العالية مشوبةً بالمتالف، اخترت الخمول ضنًّا مني بالعافية.
[ ٧ / ٢٦ ]
قال ابن لبابة: من طلب عزًّا بباطل أورثه الله تعالى ذلًاّ بحقّ. هذا من حرّ الكلام.
وقال فيلسوف: العدوّ الضعيف المحترس أحرى بالسلامة من القويّ المغترّ.
قال فيلسوف: المحدّث خادمٌ والمحدّث مخدوم.
قال ابن المبارك: طلبت العلم للدنيا فدلّني العلم على ترك الدنيا.
قال فيلسوف: إذا وقع شيءٌ لعلّةٍ زال بزوالها، وإذا وقع لغير علّةٍ فهو الذي يبقى.
قال عبد الملك: لا تلحفوا إذا سألتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم.
قال حاتم الطائيّ لغلامه: قدّم إلينا مائدة تباعد ما بين أنفاسنا.
[ ٧ / ٢٧ ]
أراد رجلٌ أن يقبل يد هشام فقال: مهلًا، ما فعله من العرب إلا طمع، ومن العجم إلا طبع.
قال رجل للمنصور: أعطني يدك أقبّلها، قال: إنّا نصونك عنها ونصونها عن غيرك.
قال الكميت لذي الرّمّة: كيف ترى تشبيهي؟ قال: إذا شبّهت قاربت، وإذا شبّهت طبّقت؛ قال: لأنك شبّهت ما رأيت وأنا شبّهت ما سمعت، فإذا قاربت فقد بالغت؛ فقال ذو الرّمة: هذا هو الحقّ.
قال ابن طباطبا العلوي في كتاب عيار الشعر: التشبيهات على ضروبٍ مختلفة، فمنها تشبيه الشيء بالشيء صورةً وهيئةً، ومنها تشبيهه به معنىً، ومنها تشبيهه به لونًا، ومنها تشبيهه به صوتًا، ومنها تشبيهه به حركةً وإبطاءً وسرعةً. وربما امتزجت هذه المعاني بعضها ببعضٍ، فإذا اتفق في الشيء المشّبه بالشيء معنيان أو ثلاثة معانٍ من هذه الأصناف قوي التشبيه، وتأكد الصّدق، وحسن الشعر، للشّواهد الكثيرة المؤيّدة له.
[ ٧ / ٢٨ ]
وقال أيضًا: أما تشبيهه الشيء بالشيء معنىً لا صورةً فتشبيه الجواد الكثير العطاء بالبحر والحيا، وتشبيهه الشجاع بالأسد، وتشبيه الجميل الرواء الباهر بالشمس والقمر، وتشبيه المهيب الماضي في الأمور بالسّيف، وتشبيه العالي الهمّة بالنّجم، وتشبيه الحكيم بالجبل، وتشبيه الحييّ بالبكر، وتشبيه العزيز الصّعب المرام بالمتوقّل في الجبال، وتشبيه أضداد هذه المعاني بأشكالها على هذا القياس، كاللئيم بالكلب، والجبان بالصّفرد، والطائش بالفراش، والذّليل بالنّقد والوتد، والقاسي بالحديد والصّخر. وقد فاز قومٌ بخلالٍ شهروا بها في الخير والشرّ، وصاروا أعلامًا فيها، فربما شبّه بهم فيكونون في المعاني التي احتووا عليها وذكروا بشهرتها نجومًا يقتدى بهم، فأصبحوا أعلامًا يشار إليهم، كالسّموأل في الوفاء، وحاتمٍ في السماحة، وقسٍّ في
[ ٧ / ٢٩ ]
الفصاحة، ولقمان في الحكمة، فهم في التشبيه يجرون مجرى ما قدّمت ذكره من البحر والجبل والشمس والقمر والسيف، ويكون التشبيه بهم مدحًا كالتشبيه بها، وكذلك أضداد هؤلاء القوم المذمومين فيما شهروا به في حال الذمّ - كما شبّه بهؤلاء في حال المدح - كباقلٍ في العيّ وهبنّقة القيسيّ في الحمق والكسعيّ في الندامة والمنزوف في الجبن ضرطًا.
قال بعض الأدباء لمغنّية: أنت أحسن من جنى الورد ومن نجاز الوعد.
قرأ الكنديّ كتابًا من صنعة ابن الجهم فقال: هتك ستر العافية عن عقله.
قال الواثق لابن أبي داود: كان عندي الساعة ابن الزّيات
[ ٧ / ٣٠ ]
فذكرك بقبحٍ، فقال: الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب عليّ ونزّهني عن قول الحقّ فيه.
قال الجاحظ: دخلت على عليّ بن عبيدة الرّيحاني عائدًا فقلت له: يا أبا الحسن ما تشتهي؟ فقال: أعين الرقباء وأكباد الحسّاد وألسن الوشاة.
لعليّ بن عبيدة هذا كتاب يسمّونه المصون يحوي آدابًا حسنة وألفاظًا حلوة. وكان بخراسان مع المأمون، وشغف أهل خراسان بكلامه. وكان من الظرفاء، وتنسّك آخر عمره.
قال الشافعي: اغتنموا الفرص فإنها خلسٌ أو غصص؛ معناه: خلسٌ عند الدّرك وغصصٌ عند الفوت.
انظر إلى هذا الإيجاز والإبلاغ.
قال النظام: الذهب لئيمٌ، يدلّك عليه مصيره إلى اللئام، والشيء يقع إلى شكله وينزع إلى جنسه.
[ ٧ / ٣١ ]
قال عمر بن الخطّاب: يحتاج الوالي إلى أن يستعمل مع رعيّته في عدله عليها الإحسان إليها، فلو علم الله تعالى أنّ العدل يسع الناس لما قرن الإحسان به فقال " إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان ".
قيل لأعرابيّ: أتحسن أن تدعو ربّك؟ قال: نعم، قيل: فادع، فقال: اللهمّ إنك أعطيتنا الإسلام من غير أن نسألك، فلا تحرمنا الجنّة ونحن نسألك.
كتب عليّ بن عبيدة إلى صديق له: كان خوفي من أن لا ألقاك متمكّنًا، ورجائي خاطرًا، فإذا تمكّن الخوف ظننت، وإذا خطر الرجاء خفت.
قال الجاحظ: رأيت أربعة أشياء عجيبة: رأيت رجلًا يسأل الناس ويستقري بيوت الحمّام بيتًا بيتًا، يأخذ مواعيدهم إلى أن يخرجوا؛ ورأيت معلّمًا يعلّم الصّبيان القرآن والصّبايا الغناء؛ ورأيت حجّامًا رافضيًا يحجم إلى الرجعة نسيئةً من فرط إيمانه؛ ورأيت أربعة حمّالين يحملون جنازةً كلما أعيوا وضعوها عن رؤوسهم وجلسوا يتحدّثون حتى بلغوا شفير القبر.
قيل لأبي سعيد وهو مهموم: ما هذا الذي أثّر فيك؟ قال: دنيا لا تؤاتي، وآخرةٌ لا يعمل لها، وأجلٌ ينقضي، وذنوبٌ لا تحصى.
[ ٧ / ٣٢ ]
قال فيلسوف: الدنيا تطلب لثلاثة أشياء: للغنى والعزّ والراحة، فمن زهد فيها استغنى، ومن قنع عزّ، ومن قلّ سعيه استراح.
قال أحمد بن إسماعيل الكاتب: حركات الإنسان ملحوظة، وأعماله محفوظة، وتصرّفه بين وليّ مشفقٍ وعدوٍّ مطرق، وللسانه فلتات، ولقلبه هفوات، ومن الهمّة ما يسمو به ويرفعه، ومنها ما يعرّه ويضعه، وإن لم يحذر زواجره أوبقت دينه وأنغلت أديمه.
قال ابن المقفّع: تعلّموا العلم، فإن كنتم ملوكًا فقتم، وإن كنتم وسطًا سدتم، وإن كنتم سوقةً عشتم.
قال الفضل الرّقاشي: علامة السّكران أن تعزب عنه الهموم، ويظهر سرّه المكتوم.
سمعت بعض أصحاب أبي حنيفة - وكان خراسانيًا - يقول وقد جرت مسألة السّكر وحدّه: حدّ السكران أن لا تعرف الأرض من السّماء، ولا الفرو من القباء، ولا الطاعة من الإباء.
[ ٧ / ٣٣ ]
قال العتبي: لا سبيل إلى العقل المستفاد إّلا بصحبة العقل المركّب.
قال الفضل بن سهل: الرأي يسدّ ثلم السيف، والسيف لا يسد ثلم الرأي.
قال ابن المقفّع: من أدخل نفسه فيما لا يعنيه أبتلي فيه بما يعييه.
قال الإسكندر: دفع الشرّ مجازاة، ودفع الشرّ بالخير مكرمة.
قال الحسن: رحم الله عبدًا كسب طيّبًا، وأنفق قصدًا، وقدّم خيرًا.
قال العباس لابنه: أنت أعلم مني وأنا أفقه منك.
قال المأمون: من أعمال البرّ التي لا ترتفع إلى الله تعالى شعر طاهرٍ في الزّهد.
[ ٧ / ٣٤ ]
قيل للشاعر المعروف بالجمل: لم لم تمدح سليمان بن وهب وهو والٍ ومدحته وهو معزول؟ فقال عزله أكرم من ولاية غيره، وإنما أمدح كرمه لا عمله، وكرمه معه وليّ أم عزل.
قال رجل لعائشة: متى أكون محسنًا؟ قالت: إذا علمت أنك مسيء، وتكون مسيئًا إذا ظننت أنك محسن.
قال أبو الدرداء: العالم والمتعلّم شريكان في الأجر، والقارئ والمستمع شريكان، والدالّ على الخير وفاعله شريكان.
قال أبو حنيفة صاحب النّبات: النّسب أصل الرجل، والحسب فعله.
أبو حنيفة هذا من كبار الناس وعلمائهم، وكان ثقةً مأمونًا زاهدًا حكيمًا، وكان بدويّ الكلام، رفيع الطبقة؛ ولد بالدّينور ومات بها.
قال الجاحظ: ما رأينا ملاّحًا متغيّر النكهة لإدمان أكل الصّحناء.
[ ٧ / ٣٥ ]
وقف غيلان على ربيعة فقال: أنت الذي تزعم أنّ الله يحب أن يعصى؟ قال: فأنت الذي تزعم أنّ الله تعالى يحبّ أن يعصى قسرًا؟! انظر إلى المعنى كيف يتردد في هذا الكتاب عن السّلف بألفاظ مختلفة، والحقّ في ذلك قائم، وهو سرٌّ من أسرار الله والخلق، لا ينكشف إّلا لمن كان صافي القلب من الهوى، قابلًا لما دعا إلى الهدى.
اعلم أنّ الحقّ قد تولاّك بإرادتين: إرادةٌ منك وإرادةٌ بك، فأما إرادته منك فإنّه أبانها لك بلسان التكليف والتّوقيف، وأما إرادته بك فإنه لواها عن كلّ تعريف وتكييف، ثم أقامك بينهما على حدٍّ أزاح فيه عللك، وأوضح إليه سبلك، ثم ساق حقوقك إليك، ثم أثبت حجّته عليك، فلم تبق بقيةٌ تقتضيها آلاء الإلهية بلسان الحكمة وتستوجبها العبودية في حال الحاجة إّلا أدناك إليها، وأناف بك عليها، فإن قابلت الأمر بالائتمار، والنهي بالانتهاء، والدعاء بالإجابة، والهداية بالاهتداء، فقد صادفت إرادته منك وإرادته بك، واستحققت بمصادفتك إرادته منك بالأمر والنّهي ما وعدك، وإن أعرضت عن الأمر عاصيًا، وركبت النهي مجترئًا، واستخففت بحقّه متمّردًا، فقد نفذت إرادته بك، وتمّ علمه فيك، ولكن ثبتت حجّته عليك لما أسلفك من التّمكين وأعارك من الطّاقة، وليس لك أن تحتجّ في المقام الثاني بعلمه فيك وإرادته بك، لأن هذا بابٌ كان خافيًا عنك مطويًا، ولم تكن محتاجًا إليه، ولا متعلّقًا به، ولا مستحقًا له، فقد بان لك أنك لم تدخل بعلمه فيما نهاك عنه، ولا كانت إرادته بك علّةً لك في معصيتك، لأنّ هذه الإرادة من هذا العالم تكشف لك بعد
[ ٧ / ٣٦ ]
موافقتك النهي ومجانبتك الأمر، وقبيحٌ بك أن تركب ما تركب جاهلًا بالحجّة، حتى إذا تمّ ركوبك، وتقضّى عليه زمانك، وعلاك النّدم، ولزمك التعقّب، أحلت أمرك على علمه فيك وإرادته بك، هلاّ وقفت عن قبول أمره وسماع نهيه حين أمر، ونهى وزجر، ودعا وبيّن، وهلاّ قلت: إلهي، لم تزح علتي بما أعرتني من القوة، وخلقت فيّ من الطاقة، وأسلفتني من التّمكين، وعرّفتني من الأخبار، فأنا صائرٌ مع هذا كلّه إلى ما أنت عالمٌ به؛ ومتى فعلت هذا وقلته، علم العقلاء أنّك متجنٍّ، لا تحبّ صلاحًا، ولا تتقي فلاحًا، وأنك مقترحٌ اقتراحًا، إن صحّ لك سقط عنك لسان الأمر والنّهي، وزال باب المدح والذم، واستغني عن الثواب والعقاب، وكنت جمادًا لا تخاطب ولا تعاتب، وعريت من جلباب معرفة الله ﷿، وجهلت نعم الله عندك، وعميت عن حكم الله تعالى فيك، ومن بلغ هذا المكان أسقط عن مكلّمه مؤونة البيان، وعن نفسه كلفة التبيين، وكان في عداد الجاهلين بالله، السّاخطين لنعم الله، المتعّرضين لعقاب الله تعالى. فافتح - حفظك الله - بصرك، وانتصف من هواك، وفارق إلفك، وتنزّه عن تقليدك، وحص عن المعرفة، لائذًا بالله تعالى، مستعينًا به، فهو وليّ خلقه، ناصر اللاجئين إليه.
واعلم أن الله خلقك، ورزقك وكمّلك، وميّزك وفضّلك، وأضاء قلبك بالمعرفة، وفجّر فيك ينبوع العقل، ونفى عنك العجز، وعرض عليك العزّ، وبيّن لك الفوز، بعد أن وعدك وأوعدك، وبعد أن وعظك وأيقظك، وبعدما حطّ عنك ما أعجزك عنه، وأمرك بدون ما أقدرك عليه؛ وإنما حاشك بهذا كلّه إلى حظك ونجاتك، وعرّضك به لسعادتك وخلاصك. أفتجسر من بعد هذه النعمة المتوالية، وهذه الآلاء المتتالية، أن تتوهّم أنه اقتطعك عن مصلحتك أو بخل عليك برأفتك؟ إنّ هذا لا يظنّ بوالدك الذي نسبته إليك عارية، وإضافتك
[ ٧ / ٣٧ ]
إليه مجاز، فكيف تظنّ بإلهٍ أنعمه تسابق أنفاسك، وأياديه تفضل عن حاجتك، وعفوه يمحو إساءتك، وإقالته ترفع عثرتك، وإزاحته تتقدم علّتك، وصنعه يزيد علثًا قداحك، وعطاؤه يفوت امتياحك، إن أطعته فحظّك تحرز، وإن عصيته فإلى نفسك تسيء، جعلنا الله وإياك من العارفين بحقّه، الطالبين لمرضاته.
قال الرّياشي: قال أبو عبيدة: اجتمع أربع نفر: شرويٌّ وشاميٌّ وحجازيٌّ ونجديٌّ فقالوا: تعالوا ننعت الطعام إيّه أطيب. فقال الشاميّ: أطيب الطعام مويدة موسعةٌ زيتًا، آخذ أدناها فيضرط أقصاها، تسمع لها وجبًا في الحنجرة كتقحّم بنات المخاض في الجرف، قال
[ ٧ / ٣٨ ]
الشرويّ: أطيبالطعام خزيرٌ في يوم قرّ، على جمّة عرّ، موسعٌ سمنًا وعسلًا. قال الحجازيّ: أطيب الطعام حيس طيس بإرساله خمس، يغيب فيه الضّرس. قال النجديّ: أطيب الطعام بكرةٌ سنمة، معتبطةٌ نفسها غير ضمنة، في غداةٍ شبمة، بشفارٍ خذمة، في قدورٍ حطمة، قال النجديّ: دعوني أنعت لكم الأكل، قالوا: قل؛ قال: إذا أكلت فابرك على ركبتيك، وافتح فاك، واجحظ عينيك، وأخرج أصابعك، وأعظم لقمتك، واحتسب نفسك.
كان ابن عمر إذا سمع هذا يضحك.
[ ٧ / ٣٩ ]
وأنشد: الوافر
وأعلنت الفواحش في البوادي وصار الناس أعوان المريب
إذا ما عبتهم عابوا مقالي لما في القوم من تلك العيوب
وودّوا لو كفرنا لاستوينا وصار الناس كالشيء المشوب
وكنّا نستطبّ إذا مرضنا فصار سقامنا بيد الطّبيب
فكيف نجيز غصّتنا بشيءٍ ونحن نغصّ بالماء الشّروب
قال عليّ بن عيسى: لا يجوز أن يكون التّمكين من القبح قبيحًا، ولو وجب ذلك لكان التّمكين من الحسن حسنًا، فيكون حسنًا قبيحًا، وهذا متناقض.
قال أبو العيناء: ما أخجلني قطّ إّلا رجلٌ دخل إليّ وقد ولد لي مولودٌ وعندي منجّم يعمل مولده، فقال: أيّ شيءٍ يعمل هذا المنجّم؟ فقلت: يعمل مولدًا لابني هذا، فقال: سله قبل هل هو منك؟ يقال: ما خلق الله تعالى شيئًا أطيب من الرّوح، ألا ترى أنها
[ ٧ / ٤٠ ]
إذا كانت في الجسم كان طيّبًا، وإذا خرجت منه صار ميتًا؟ قال الجمّاز: رأيت بالكوفة رجلًا وقف على بقّال، فأخرج إليه رغيفًا صحيحًا فقال: أعطني به كسبًا وبصرفه جزرًا.
وقف رجل على القنّاد الصوفي وسأله عن المحبّة فقال القنّاد: قد جاءني برأسٍ كأنها دبّة، ولحيةٍ كأنها مذبّة، وقلبٍ عليه مكبّة، يسألني المحبّة، وقيمته حبّة.
قال عبد الحميد الكاتب: لا تركب الحمار فإنّه إن كان فارهًا أتعب يدك، وإن كان بليدًا أتعب رجلك.
يقال: إذا كتبت فقمّش، وإذا حدّثت ففتّش.
شاعر: الوافر
أتيأس أن يقارنك النجاح فأين الله والقدر المتاح
قيل لرجل: من يحضر مائدة فلان؟ قال: الملائكة، قال: لم
[ ٧ / ٤١ ]
أرد ذاك؛ من يواكله؟ قال: الذّباب.
كتب بعض السّلف: أما بعد، فإنّ الجواد مودود، والفاضل محمود، والحاسد مكدود، والحريص مجهود، والكريم مقصود.
مدح أعرابيٌ رجلًا فقال: كان والله إذا أضاع الأمور مضيعها وأزورّ عن الحسناء ضجيعها، يهين نفسًا كريمةً على قومها، غير مبقيةٍ لغدٍ ما في يومها؛ وكان أمورًا بالخير نهوًّا عن الشرّ.
قال الأصمعي: النّهيك الشجاع، وهي النّهاكة؛ ونهك فلانٌ في بني فلان إذا وقع فيهم وبلغ منهم؛ ونهكه المرض، واستبانت عليه نهكة المرض؛ ونهك هذا الطعام أي بالغ في أكله.
ويقال: تركت فلانًا مبلوغًا مشتركًا أي مهمومًا؛ والكلأ في بني فلانٍ شركٌ أي طرائق مستطيلة؛ واحدها شراكٌ؛ وبيني وبين فلان شركةٌ وشركٌ سواء؛ وأشرك فلانٌ نعله وشرّكها؛ وأشرك فلانٌ فلانًا في البيع؛ ومالٌ فيه أشراكٌ، واحدها شرك، بمنزلة أعدال وعدل، وشركه في الأمر: دخل فيه معه.
ويقال: مررات بحّرةٍ فيها فلوقٌ، أي شقوقٌ وصدوعٌ، وهي أرضٌ فيها حجارة سود؛ وحرّة مضرّسة إذا كانت فيها أحجار ناتئةٌ،
[ ٧ / ٤٢ ]
كالأضراس؛ وفلان ضرسٌ شرسٌ أي صعب الخلق. هذا كله عن الأصمعي. وإنما أمرّ باللغة على قدر ما يصادف منه سماعي ومحفوظي، فلا يضيقنّ صدرك، فكلّ هذا فائدةٌ وأدب وبراعة وحكمة.
لما قتل كسرى بزرجمهر أراد أن يتزوج ابنته، فقالت للثّقات: لو كان ملككم حازمًا ما أدخل بين شعاره ودثاره موتورةً.
قال فيلسوف: لا تفرطوا في طلب الحوائج فإنّ العجل إذا ألحّ على أمّه بمصّ الثّدي رفسته.
كاتب: كم بقاء حالٍ تذوب ولا تثوب، وتتلف ولا تخلف.
شاعر: الطويل
ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
يقال: إن الله ﷿ إذا استرذل عبدًا زهّده في العلم.
قال فيلسوف: إني لأتعجب جدًا من أمرين، أحدهما أمر
[ ٧ / ٤٣ ]
الطبيعة، مع شرفها في نفسها، وترتيبها لمرادها، واستمرارها على عادتها في نظم ما تنظمه، وإصلاح ما تصلحه - كيف أبت طاعة النّفس وعصت أمرها - مع تلطّف النفس في دعائها وحسن فطنة الطبيعة في اهتدائها، والآخر أمر النفس: لقد شغفت بالطبيعة حتى انقادت لها في بعض المواضع فهلكت بانقيادها إليها ومظاهرتها، حتى آلت إلى عالمٍ مظلم دنسٍ. فقد عرضت التعجّب: تارةً من النفس كيف لا تستغني عن الطبيعة وتارة من الطبيعة وكيف لا تقتدي بالنفس، وما هذه الحال التي أورثت النفس الهلاك والطبيعة البوار؟ قيل لطبيب: ما يذهب بشهوة الطّين؟ قال: زاجرٌ من عقل.
قيل لراهب: ما أصبرك على الوحدة؟ قال: أنا جليس ربيّ، إذا شئت أن يناجيني قرأت كتبه، وإذا شئت أن أناجيه صلّيت.
دخلت عزة على أم البنين فقال: اصدقيني عن قول كثيّرٍ فيك: الطويل
قضى كلّ ذي دينّ فوفّى غريمه وعزّة ممطولٌ معنًّى غريمها
[ ٧ / ٤٤ ]
ما هذا الدّين؟ قالت: وعدته قبلةً فحرجت منها، قالت: أنجزيها وعليّ إثمها.
يقال: أحسن كلمةٍ للعرب: فقد الأحبة غربة.
١٣٦ب - قال المنصور للقّواد: صدق القائل: " جوّع كلبك يتبعك "، فقال له حميد الطّوسي: لكن إن لوّح له برغيفٍ يتركك.
قال الحسن لأبيه ﵉: أما ترى حبّ الناس للدنيا؟ قال ﵇: هم أولادها أفيلام المرء على حبّ والدته؟ قال عيسى بن منصور: دعاني المعتصم فقال: أنت القائل
[ ٧ / ٤٥ ]
ولي مصر مثل ابن طاهر من نظراء طاهر قلت: نعم، فاستحسنه وولاّني مصر.
وصف رجل صنعاء فقال: بلغ من طيب ترابها أنّ الرجل يسجد فلا يشتهي أن يرفع رأسه.
قال بعض الحكماء: الشّيب علّةٌ لا يعاد منها وهي غليظة، ومصيبة لا يعزّى عنها وهي جليلة.
قدم رجلٌ من اليمامة فقيل له: ما أحسن ما رأيت بها؟ قال: خروجي منها.
مدح رجل البخل فقال: كفاك من كرم الملائكة أنه لم يبلهم بالنّفقة وقول العيال: هات! هات! قال الفضل بن سهل: القرآن لا يبلغه عقلٌ ولا يقصّر عنه فهم.
قال عليّ بن أبي طالب ﵇: القرآن فيه خبر من
[ ٧ / ٤٦ ]
قبلكم، ونبأ من بعدكم، وحكم ما بينكم.
وسئل عن اللسان فقال: معيارٌ أطاشه الجهل، وأرجحه العقل.
قال عمر بن عبد العزيز: لو كنت في قتلة الحسين وأمرت بدخول الجنّة لما فعلت، حياءً من أن تقع عيني على عين محمدٍ ﷺ.
قال بعض الرافضية: سمّيت فاطمة فاطمة ﵍ لأنّ الله تعالى فطم بحبّها من النار.
قال جعفر بن محمد ﵇: صحبة عشرين يومًا قرابةٌ.
قيل لابن عباس: أيجوز أن يحلّى المصحف بالذّهب؟ فقال: حليته في جوفه يعني القرآن.
قال ابن مكّرم لأبي العيناء: بلغني أنّك مأبونٌ، فقال: مكذوبٌ عليّ وعليك.
اجتمع الجاحظ والجمّاز بالبصرة فقال الجمّاز للجاحظ: كم نارًا
[ ٧ / ٤٧ ]
في اللغة؟ قال الجاحظ: نار الحرب، ونار الشرّ، ونار الحباحب، ونار المعدة، والنار المعروفة. قال: تركت أبلغ النيران وأوسعها، قال: وما ذاك؟ قال: نار حر أمّك التي إذا ألقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها: ألم يأتكم نذير؟ قال الجاحظ: أمّا نار أمّي فقد قضيت أنّ لها خزّانًا؛ الشأن في نار حر أمّك التي يقال لها: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ قال عليّ بن أي طالب ﵇: الدّنيا والآخرة كالمشرق والمغرب، إذا قربت من أحدهما بعدت من الآخر.
قال رجلٌ لضيغم العابد: أشتهي أن أشتري دارًا في جوارك حتى ألقاك كلّ وقت؛ قال: المودّة التي يفسدها تراخي اللقاء مدخولةٌ.
كتب رجلٌ إلى صديق له: مثلي هفا ومثلك عفا.
قال رجلٌ للنبيّ صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم: إني أحبّ من القرآن " قل هو الله أحد " قال: " بها تدخل الجنّة ".
[ ٧ / ٤٨ ]
قال جعفر بن محمد ﵉: حسن الجوار عمارة الدّيار.
قال رجلٌ للحسن البصريّ: هل للقاتل توبةٌ؟ قال: نعم؛ ثم جاءه آخر فقال: هل للقاتل توبةٌ؟ قال: لا؛ فقيل له في ذلك فقال: توسّمت في الأول أنه قد قتل فقلت نعم، وتوسّمت في الثاني أنه يريد أن يفعل فقلت لا.
قال إسحاق: قلت للرّشيد: الحمد لله عليك، قال: ما معنى هذا الكلام؟ قلت: نعمة حمدت الله تعالى عليها.
مرّ ابن عمر براعٍ فقال له - وكان الراعي مملوكًا -: أتبيعني شاةً؟ قال: ليست لي، قال: فأين العلل؟ قال: فأين الله؟ فاشتراه وأعتقه، فقال العبد: اللهمّ قد رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر.
قال أبو الهذيل للحسن بن سهل: من ذا الذي قد رفعت منزلته؟ قال: منجّمٌ، فأخذ تفاحةً من المجلس فقال للمنجّم: انظر إليها آكلها أم لا؟ فقال: تأكلها، فرمى بها، فقال المنجّم: خذها من الرأس، فأخذ غيرها، فقال: لم لم تأخذها؟ فقال: أخاف أن تنظر فتقول: لا آكلها، فإن رميت بها أصبت، وإن أكلتها كانت التي قلت، فتصيب.
[ ٧ / ٤٩ ]
قال العطوي: قلت لجاريةٍ: أشتهي أن أقتلك، قالت: لم؟ قلت: لأنك زانية. قالت: يجب قتل كلّ زانية؟ قلت: نعم، قالت: فعليك بمن تعول.
وقدّم إلى عبادة رغيفٌ يابسٌ فقال: هذا نسج في أيام بني أميّة وقد آمتحى طرازه.
قيل لعبّادة: ابن أبي العلاء المغّني عندنا عليل اليد، بم يضرب عليه؟ قال: ضرسه.
قال أحمد بن الطّيب: كان الكنديّ يستحلي جارية، فقال لها يومًا: إن الأفلاك العلوية تأبى بك إّلا سموّا في الهيولية. وكان كبير اللحية، فقالت: إن العثانين المسترخيات، على صدور أهل الرّكاكات، بالحلق مؤذنات.
[ ٧ / ٥٠ ]
قال عليّ بن يحيى المنجّم: كان للمتوكّل بيت مالٍ يسمّيه بيت الشمال، كلّما هبّت تصدق بألف درهم.
وقال الكنديّ لرجل: أنت والله ثقيل الظّلّ، مظلم الهواء جامد النّسيم.
قال أنس بن مالك: قلت لشخصٍ رأيته في النوم: من أنت؟ قال: ملكٌ من ملائكة الله، قلت: فما اسم الله الأكبر؟ قال: الله، ثم تلا " يا موسى إنّي أنا الله ".
جزعت عائشة عند الموت، فقيل لها في ذلك، فقالت: اعترض يوم الجمل في حلقي.
سئل أبو جعفر الشاشي وأنا حاضر: من الغريب؟ فقال: الذي يطلبه رضوان في الجنّة فلا يجده، ويطلبه مالكٌ في النار فلا يجده، ويطلبه جبريل في السموات ولا يجده، ويطلبه إبليس في الأرض ولا يجده، فقال أهل المجلس وقد تفطّرت قلوبهم: يا أبا جعفر، فأين يكون هذا الغريب؟ قال: " في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ "، فضجّ الناس بالبكاء. فكان يتصرف ويتكلم بالرقائق ويحوش القلوب إلى باب الخير وكان مع
[ ٧ / ٥١ ]
هذا يتجاهل ويقول ما لا محصول معه ولا فائدة فيه، وكان يقبل على ذلك ويفدّى.
قال أبو العباس البخاري - ورأيته ببخارى في آخر أيّام نوح وأول أيّام عبد الملك، وأنا إذ ذاك صغير، لكنّي حفظت ما قال، وورد الرّيّ في سنة سبعٍ وخمسين وثلاثمائة وكان يقول: أحفظ ستّين ألف حكايةٍ للزّهّاد والنّساك -: قال مالك بن دينار: لو كنت شاعرًا لرثيت المروءة.
قال بعض المغفّلين وقد جرى ذكر الصّحابة: أنا لا أعرف إّلا الشّيخين: الله والنبيّ.
قال جعفر بن محمد ﵉: كفّارة عمل السّلطان الإحسان إلى الإخوان.
كان سعيد بن وهب من الظّرفاء، وكان خليط أبي العباس
[ ٧ / ٥٢ ]
الفضل بن يحيى والفضل بن الربيع، قال الفضل بن الربيع: صحبني سعيدٌ على البطالة فأودعته مالًا عند النكبة ظننته أنه لا يرجع إليّ أبدًا، ثم طلبته منه، فأتى به والله بخواتيمه، وخاننا من كان عندنا أوثق منه. ثم دخل قلبه فحجّ ماشيًا وقال: الرمل
قدميّ اعتورا رمل الكثيب واطرقا الآجن من ماء القليب
ربّ يومٍ رحتما فيه على نضرة الدنيا وفي وادٍ خصيب
وسماعٍ حسن من محسنٍ صخب المربع كالظّبي الرّبيب
فاحسبا ذاك بهذا واصبرا وخذا من كلّ فنٍّ بنصيب
إنّما أمشي لأنّي مذنبٌ ولعلّ الله يعفو عن ذنوبي
سئل عمر بن عليّ عن الوصية فقال: إن هذا شيءٌ ما سمعناه حتى دخلنا العراق.
قال المنصور لابن عيّاش المنتوف: لو تركت لحيتك طالت، أما
[ ٧ / ٥٣ ]
ترى عبد الله بن الربيع ما أحسنه؟ قال: أنا أحسن منه، قال عبد الله: أما ترى هذا الشيخ يا أمير المؤمنين ما أكذبه؟ فقال ابن عياش: يا أمير المؤمنين، احلق لحيته وأقمه إلى جانبي ثم انظر أيّنا أحسن، فضحك المنصور حتى استلقى.
قال رجل لأبي حازم: إنّ الشيطان قد أولع بي يوسوس لي أنّي قد طلّقت امرأتي؛ فقال له: أنا أحدّثك أنّك قد طلقتها؛ قال: سبحان الله يا أبا حازم، قال: فتكذّيني وتصدّق الشيطان؟! قال: فانتبه الرجل وذهبت وسوسته.
قيل لأعرابيّ: من أجدر الناس بالصّنيعة؟ قال: من إذا أعطي شكر، وإذا حرم صبر، وإذا قدم العهد ذكر.
قيل لأعرابيّ: من أكرم الناس غرّةً؟ قال: من إذا قرب منح، وإذا بعد مدح، وإذا ظلم صفح، وإذا ضويق سمح.
قيل لأعرابيّ: من ألأم الناس؟ قال: من إذا سأل خضع، وإذا سئل منع، وإذا ملك خنع، ظاهره جشع وباطنه طبع.
[ ٧ / ٥٤ ]
دخل أعرابيّ مليحٌ على يزيد بن المهلّب، فقال له وهو على فراشه والناس سماطان: كيف أصبحت أيها الأمير؟ فقال يزيد: كما تحبّ، فقال: لو كنت كما أحبّ كنت أنت مكاني وأنا مكانك، فضحك منه يزيد ووصله.
- كان هشام لا يقول برؤية الحركة، فلما ذهب بصره قال: الحركة ترى.
حاجّ معلّم آخر فقال: أين في القرآن " حمل " تعني، فقال الآخر: ألا " من حمل ظلمًا " وقال له: أينّ في القرآن " حسن " بمعنى فقال: " فتقبّلها ربّها بقبولٍ حسنٍ ".
وأخطأ رجلٌ عند رقبة بن مصقلة فقال: تياسرت عن الصواب، فضحك، فقال له رقبة: لقد عجبت من ضحكك من غير عجبْ، وصمتك من غير تفكّرٍ؛ أما الله ما وجهك بالوجه المستصبح، ولا
[ ٧ / ٥٥ ]
حديثك بالحديث المستملح، ولا أنت بذي السّخاء المستمنح، فقال الرجل: فعلى مثلي إذن يسلح! فأضحك من حضر.
قال الأعمش لإبراهيم النّخعيّ: ما أعلم عندك شيئًا إّلا وقد أخذته؛ قال: فما تقول في امرأةٍ ورثت مالًا من زوجها كلّه؟ قال: لا ادري؛ قال: هذه امرأةٌ أعتقت عبدًا ثم تزوجته ثم مات، فورثت الرّبع بالتزويج والباقي بالولاء.
قال غلام ثمامة له: قم صلّ واسترح! قال: أنا مستريحٌ إنّ تركتني.
قال رجل لثمامة: يجوز أن تؤخّر ما قدّم الله تعالى وتقدّم ما أخر الله ﷿؟ قال: هذا على ضربين: إن أردت أن أصيّر رأس الحمار ذنبه فلا، وإن أردت أن أقدّم معاوية على علىً ﵇ فنعم.
وقال له رجلٌ: يا ثمامة، ما تقول في رجلٍ لطم عين رجلٍ فقلعها، أظلمه؟ قال: نعم؛ قال: فما بال الله يذهب بعينه ولا يظلمه؟ قال: لأنّ الله تعالى أعطاه عينين فأخذ واحدةً، وأنت فلم تعطه شيئًا، وإنّ الله تعالى يعوّضه؛ قال: فأنا أعوّضه خمسة آلاف درهم، قال: الفرق أنّ الذي عوّضه الله تعالى لا يمكن أحدًا أن يأخذه، وما عوّضته تقدر على أخذه.
١٨٧ب - العلّة في هذه المسألة - فيما سمعت عن العلماء - غير ما ذكر ثمامة، وذلك أنّ ثمامة قال: لأنّ الله تعالى أعطاه عينين وأخذ واحدةٍ إنه لا يقول
[ ٧ / ٥٦ ]
قد يعمى من عينيه دفعةً واحدة؛ وقال أيضًا: فإن الله تعالى يعوّضه، قال: فأنا أعوّضه؛ قال: الفرق كذا وكذا، والفرق لا يغني عنه شيئًا، لأن التعويض قد حصل! وأصحاب التناسخ إذا سمعوا العوض طاروا عجبًا.
١٨٧ج - وسمعت بعضهم يقول: ولم وجب أن يفعل ما هو شنيعٌ في النّظر وقبيحٌ في العقل من أجل التعويض؟ ومن طالبه بالعوض؟ ومن رضي أن يهان ويؤذى ويفقر ويسلب النعمة وتتوالى عليه المحن على أن يعوّض في الآخرة؟ قال: وهل هذا إلا كمن يصفع آخر، فإذا غضب المصفوع وأنف واستشفع الناظرون إليه قال الصافع: فإنّي أعوّضه وأكرمه وأخلع عليه وأهب إليه. فقيل لهذا الرجل: فهو استصلاح لزيدٍ - أعني ما نزل بعمرٍ ومن البلوى والمحنة وشتات الأهل وشماتة العدى؛ قال: وهذا أيضًا لم وجب؟ هل هو إلا كقّراد يضرب الكلب ليرقص القرد، فإذا رقص وبلغ منه مراده طرح للكلب كسرةٍ وأحسن إليه مستأنفًا؟ وكان يقول: فأين النّظر الذي يقتضيه الكرم؟ أين الواجب الذي يقتضيه العدل؟ وكان يومي بهذا إلى أن كلّ
[ ٧ / ٥٧ ]
هذا جزاءٌ وقصاص، لأن خالق هذا الخلق غنيٌّ عن آلامهم وفجائعهم، وإنما اكتسبوا على الأيام ما جوزوا به فكوفئوا عليه.
١٨٧د - والجواب عن الذي مرّ به ثمامة أنّ فاقئ عين زيدٍ وآخذ مال عمروٍ متعدٍّ حدود الله الذي خلقه ورزقه، وأمره ونهاه، وبالتعدّي استحقّ اسم الظّلم واستوجب العقاب. ألا ترى أنه لما أطلق له ذبح الحيوان كان غير ظالمٍ لأنّه راعى الأمر ووقف مع الإباحة وأتى المأذون فيه، فلما تجاوز الرسم وتعدّى المحدود سمّي بالعاجل ظالمًا، واقتصّ منه في الآجل عدلًا؛ وليس كذلك إلهنا ﷿، لأنّه خلق زيدًا وكان له أن لا يخلقه، ثم وهب له ما رأى متفضّلًا، ثم عرّضه للنعيم الدائم كرمًا، ثم ابتلاه اختيارًا، ثم قبضه إليه نظرًا، ولم يتعدّ في ذلك أمر آمر ولا زجر زاجر، بل تصرّف في ملكه بعلمه وقدرته، غير مسؤولٍ عمّا فعل، ولا معترضٍ عليه فيما أتى، ولو كانت أفعاله موقوفةً على تجويز عقلك وإباحته، وإطلاقه وإجازته، لكان ناقص الإلاهية، لأنّه كان لا يفعل إّلا ما أذن فيه العقل.
واعلم أنّ العقل، وإن كان شريفًا، فإنه خلق الله، حكمه منوط بخالقه، وحاجته إلى الخالق كحاجة الناقص للعاقل، والنّقص لا حقٌ به وجائزٌ عليه، وإنما هو ضياءٌ بيننا وبين الخالق، به نتعاطى ونتواطى، ونتعامل
[ ٧ / ٥٨ ]
ونتقابل، وعلى مقداره نفصل ونعدل، وبهدايته نرشد ونكمل، فأما أن يكون العقل حكمًا بيننا وبين الله تعالى: ما أجازه الله حسن فعله وما أباه قبح فعله، فهذا ما لا يكون. كيف يكون هذا وهو إلهٌ من قبل العقل والعاقل والمعقول، وإنما أبدع هذه كلّها داعيةً إليه لا معترضةً عليه، وواصلةً به لا قاطعةً عنه، ودالةً على قدرته لا مضلّةً عن حكمته، ومتيقّنةً لما بان لا شاكّةً فيما أشكل. وما أحسن ما قاله أبو زيد البلخي، قال: العقل آلةٌ أعطيناها لإقامة العبودية لا لإدراك الرّبوبية، فمن طلب بآلة العبودية حقيقة الرّبوبية فاتته العبودية ولم يحظ بالرّبوبية.
أين يذهب بهؤلاء القوم؟ أما يعلمون أنه كما يرد على العين ما يغشى بصرها من نور الشمس، كذلك يرد على العقل ما يغشى بصيرته من نور القدس؟ ما أحوج هؤلاء المدلّين بعقولهم، الرّاضين عن أنفسهم، العاشقين لآرائهم، أن ينعموا النّظر، ويطيلوا الفكر، ولا يسترسلوا مع السانح الأوّل، ولا يسكنوا إلى اللفظ المتأوّل، ولا يعوّلوا على غير معوّل.
وأنت - حفظك الله - لو أردت أن تقف على أسرار ملك زمانك، وعلى
[ ٧ / ٥٩ ]
خفايا أمر سلطانك، وعلى حقائق أحوال إخوانك، لم تستطع ذلك ولم تقدر عليه، على أنهم أشكالك وبنو جنسك، أو ليس قد علمت أن الملك لو وقف حارس داره على ما يقف عليه وزير مملكته، واطلّع من دون بابه على ما يطلّع عليه من دون شعاره، لكان ناقصًا مرذولًا، ولم يكن فاضلًا ولا مفضولًا، وأنّ الحال التي قد لبسها، والأمر الذي قد اعتنقه يقضي كتمان أشياء عن جميع الأولياء، وإفشاء أشياء إلى جميع الرعايا، وطيّ أشياء عن بعض الخواصّ، ونشر أشياء على بعض العوام، ولو تساوت رتب جميع الناس معه شركوه في الملك، وكان ذلك داعية الهلك، وأن لو بسط الجميع إلى معرفة ما غيّب ساووه في الإلاهية، وهذا محال، ولو حسم الأطماع عن معرفة ما يمكن لكان غير داعٍ إلى نفسه، ولا حائش إلى أنسه، ولا باعثٍ على الإقرار بالإهيته، والإعتراف بربوبيّته، فأودع العقول ما تمّت به العبودية، ودفع عنها ما تعلّق بالإلاهية، ثم أمدّها بالإحسان والتفضّل على دائم الزمان. فمن ظنّ أنه قد جهله من جميع الوجوه أبطل، لأن آثاره ناطقةٌ بالحقّ، وشواهده قائمةٌ بالصّدق، تقود العقول إلى الإقرار بالاضطرار والاختيار؛ ومن ظنّ أنه قد عرفه من جميع الوجوه أبطل، لأنّ الله تعالى لا يستوفى بمعرفة عارفٍ كما لا ينفى بحيرة واقف: إن جحدته فأنت مكابر، وإن ادّعيت الإحاطة به فأنت كافر ولكن بين ذلك قوامًا، فإنه أهدى لقلبك، وأربط لجأشك، وأطرد
[ ٧ / ٦٠ ]
لشكّك، وأنفى لوحشتك، وأبعد لنفورك، وأجلب لطمأنينتك، وأقرب إلى ما تضمّن الأمر، ووقف عنده النهي.
واعلم أنه لو كشف الغطاء عنك أعظمت الله - جلّت عظمته - عن سير عقلك فيه، وتسليط وهمك عليه، وظنّك أن لو فعل كذا لكان أجمل، ولو لم يفعل كذا لكان أفضل؛ إنك في واد، تحلم في رقاد، وتقدح بغير زناد.
هيهات لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، ولا سائل عن فعله، ولا باحث عن سرّه، ولا معارض لأمره، جلّ عما يجوز على خلقه، مما هو أولى بحقيقته؛ له الخلق والأمر، " ذلكم الله ربّكم فاعبدوه " " مخلصين له الدّين "، فاعرفوه بعلم اليقين، وكونوا من وعده على نظر، ومن وعيده على خطر، والسّلام.
سأل رجلٌ من أصحاب أبي حنيفة الشافعيّ عن مسألةٍ، فقال له: أخطأت، فقال الشافعيّ: لو كنت في موضعك ثم كلّمتك مثلما كلمتني لاحتجب إلى أدبٍ، فاستحسن الناس كلام الشافعي.
وكان الشافعي بحرًا ثجاجًا وسراجًا وهّاجًا، وكان من سراة الناس مع الشرف والسّخاء والبيان والعفّة والفقه العجيب ونصرة الحديث، مع الورع والدّيانة والسّتر، والأمانة والعفّة والنزاهة وظلف النفس والنزاهة، حتى إنه ما رؤي ممن تعاطى الفقه وبنى عليه مثله بيانًا وعلمًا وفهمًا، وسمّي ببغداد ناصر الحديث لحسن مخارج تأويلاته.
[ ٧ / ٦١ ]
وكان أبو حامد يقول: لو ذهب الناس كلّهم مذهب أبي حنيفة لم يكن للشريعة نورٌ ولا للسّنة ظهور؛ قال: وذلك أنّ الحديث في مذهبه قليل، كما أنّ القياس والرأي والاستحسان كثير، والفقه قاعدته معرفة سنن رسول الله ﷺ، واستنباط الأحكام من قوله وفعله في جميع أوقاته.
وكان أبو حامد يقول: لولا محمد بن الحسن وأبو يوسف
[ ٧ / ٦٢ ]
وجانباهما من السلطان، لذهب هذا المذهب وبطل، وكان يقول: لولا أنّ الشافعيّ أتى بالواضحة والجليّة وبما ليس عليه غبار، كيف كان يشيع ويقبل وينصر - وقد استقّر الفقه بمالكٍ وأبي حنيفة وأصحابهما - على قصر عمره وبعده من السلطان وزهده في الدنيا؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وكان أبو حامد قليل الطّعن على أئمة الشريعة - أعني أعلام الدّين وأرباب الفقه، وكان على ذلك كثير الطّعن على المتكلّمين، يقول: لعبوا بدين الله ﷿، وهتكوا حجابه، وكشفوا غطاءه، وأراقوا ماءه، وجلحوا الوجوه، وجرّوا القلوب، وبثوا الشكوك، وكثّروا المسائل، وأطالوا الألفاظ، ولبّسوا على الناس.
سئل عمرو بن عبيد عن كنائس اليهود وبيع النّصارى في دار الإسلام فقال: لست أمسك عن هدمها حتى أوتى بالحجّة، ولكن أهدمها حتى أوتى بالحجّة، لأنّ كونها منكرٌ حتى أعلم أنه معروفٌ وليس بمعروفٍ حتى أعلم أنه منكر.
وكان عمرو بن عيد يقول: كن مع السائل فإنه المستخرج، والمسألة علّة الجواب، وليس الجواب علّةٌ للمسألة. وكان واصل يقول: كن مع المجيب.
[ ٧ / ٦٣ ]
تقدم اثنان إلى عيسى بن حمزة، فاستطال أحدهما فقال: إياك وقبائح القول، فقال: إنه ألطّ بحقٍّ نطقت به أدلّته، فقال عيسى: فلا تلطّ أنت بسفهٍ تلزمك عقوبته.
قال رجل: ما رأيت أعدل من يحيى بن أكثم القاضي في ظلمه، وكيف؟ قال: سوّى بين الناس كلّهم في الظّلم.
تقدّمت امرأةٌ إلى قاضٍ فقال لها: جا معك شهودك كلّهم؟ فسكتت؛ فقال كاتبه: إن القاضي يقول: هل جاء شهودك معك؟ قالت نعم؛ ثم قالت: ألا قلت كما قال كاتبك؟ كبر سنّك، وذهب عقلك، وعظمت لحيتك، فغطّت على عقلك؛ ما رأيت ميتًا يقضي بين الأحياء غيرك.
وصف رجلٌ النجّار المتكلّم فقال: إن قوي عليك كابرك، وإن أعجزته ماكرك.
وقال رجل: نقيع الزّبيب عندي مثل الخمر، وقال الآخر: ليسا بسواء لأنّ ماء الخمر منه، وماء الزّبيب داخلٌ عليه.
[ ٧ / ٦٤ ]
قال المعتصم لابن أبي داود: إني أسألك عمّا أعرف، لأسمع حسن ما تصف.
كتب رجلٌ من البصرة: كتبت إليك وقد مضت دولة الكلام: غرق أبو الهذيل ومات النّظّام.
كتب ملك الروم إلى ملك فارس: كلّ شيءٍ تقوله كذب، فكتب إليه: صدقت؛ أي إنّي في تصديقك كاذب.
بلغ عمر اعتراض عمرو على سعد، فكتب إليه: والله لئن لم تستقم لأميرك لأوجّهنّ إليك رجلًا يضع سيفه في رأسك فيخرجه من بين أرجلك؛ فقال عمرو: هدّدني بعليٍّ والله.
قال عمر لأهل الشّورى: لا تختلفوا فإنّ معاوية وعمرًا بالشام.
[ ٧ / ٦٥ ]
كان هارون حلف أن يقتل كلّ من شكا عليّ بن عيسى، فشكاه رجلٌ، فقال له: قد سمعت يميني، فأيما أحبّ إليك، أقتلك أو أبعث بك إليه؟ قال: ابعث بي إليه، قال: لم؟ أهو أرأف بك مني؟ قال: لا، ولكن يكون خصمي رجلٌ من العامّة أحبّ إليّ من أن يكون خصمي يوم القيامة ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم؛ فعفا عنه قال أعرابيّ: قبيح الصورة عاقلٌ خيرٌ من حسن الصورة أحمق.
قال فيلسوف: الشجاعة والصّرامة والنّجدة من أخلاق الملوك والجود والحكمة والسمو من أخلاق الوزراء.
قال أعرابيّ لرجل: ساقتنا إليك حاجة، وليس بنا عنك غنى، فإن رضيت
سمعت بشر بن الحسين قاضي القضاة يقول - وما رأيت رجلًا
[ ٧ / ٦٦ ]
أقوى منه في الجدال ولا أخبث مأخذًا للخصم، وله مع أبي عبد الله الطبري حديثٌ في مناظرةٍ جرت بينهما، وقد جرى حديث جعفر بن أبي طالب وحديث إسلامه، وهل يقع التفاضل بينه وبين عليّ ﵉، فقال القاضي أبو سعد: إذا أنعم النّظر علم أنّ إسلام جعفر كان بعد بلوغٍ، وإسلام البالغ لا يكون إلا بعد استبصار وتبيّن ومعرفةٍ بقبح ما يخرج منه وحسن ما يدخل فيه، وإنّ إسلام عليٍّ مختلفٌ في حاله، وذلك أنه قد ظنّ أنه كان عن تلقين لا عن تبيين إلى حين بلوغه وأوان تعقّبه ونظره؛ وقد علم أنهما قد قتلا، وأنّ قتل جعفر شهادةٌ بالإجماع، وقتلة عليّ فيها أشدّ الاختلاف. ثم خصّ الله جعفرًا بأن قبضه إلى الجنّة قبل ظهور التباين واضطراب الحبل وكثرة الهرج. وعلى أنّه لو انعقد الإجماع وتظاهر جميع النّاس على أنّ القتلتين شهادةٌ، لكانت الحال التي دفع إليها جعفرٌ أغلظ وأعظم، وذلك أنّه قتل مقبلًا غير مدبرٍ، وأمّا عليٌّ فإنه اغتيل اغتيالًا وقصد من حيث لا يعلم، وشتّان بين من فوجئ بالموت وبين من عاين مخايل الموت وتلقّاه بالصّدر والنّحر وعجل إلى الله ﷿ بالإيمان فضمّ اللواء إلى حشاه؟ ثم قاتله ظاهر الشّرك بالله، وضارب عليٍّ ممّن صلّى إلى القبلة وشهد الشّهادة وأقدم عليه بتأويل، وقاتل جعفر كافرٌ بالنّصّ الذي لا يحيل. أما تعلم أن جعفرًا ذو الجناحين وذو الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة؟ وهذا كله وأضعافه كان يسرده سردًا؛ وكان بيّن اللفظ كثير الإنصاف.
[ ٧ / ٦٧ ]
إن كان ما نسبه إليه بشر بن الحسين في معنى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇ من حقيقةٍ فهو كلام خرف زائل العقل قد ردّ " إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علمٍ شيئًا "؛ وإن كان ما نسبه إليه تزيّدًا منه فهو جاهلٌ معيوبٌ عند القياس، وهو أنشأ مذهب داود إنشاءً، وعادى عليه، ووالى فيه، وبذل عليه، فكثر ارتباكه وخمدت آثاره.
أما يعلم أبو عبد الله أنّ إسلام عليٍّ كان - على ما روي - وهو ابن إحدى عشرة سنة، وقيل عشر سنين، وأنّ النبيّ ﷺ لا يدعو إلى الإسلام ولا يخاطب به إلا مكلّفًا، لا سيّما في أوّل دعوته وأوان مبعثه؟ وتخصيص النبيّ صلّى الله عليه وآله إيّاه بدعوته دون غيره ممّن هو في سنّه يدلّ على أنّه كان كامل العقل عارفًا بما يحسن ويقبح في أمر الدّين، وقد يكون ذلك عن وحيٍ من الله ﷿ في أمره. ثمّ ما روي عن النبيّ ﵌ فيه يدلّ على أنه أفضل من أخيه، وهو قوله عليه وآله السلام: " يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي "، فقد أثبت له جميع منازل هارون من موسى إلى النبوّة، وليس بعد موسى أفضل من هارون.
[ ٧ / ٦٨ ]
قال عبد الله بن الأهتم: إني لا أعجب من رجلٍ تكلّم بين قومٍ فأخطأ في كلامه، أو قصّر في حجّة، لأنّ ذا الحجّة قد تناله الخجلة، ويدركه الحصر، ويعزب عنه بابٌ من أبواب الكلام، أو تذهب الكلمة؛ ولكن العجب ممن أخذ دواةً وقرطاسًا وخلا بعقله، كيف يعزب عنه بابٌ من أبواب الكلام أو يذهب عنه وجهٌ من وجوهه.
شاعر: السريع
جاريةٌ أعجبها حسنها ومثلها في الناس لم يخلق
خبرّتها أنّي محبٌّ لها فأقبلت تضحك من منطقي
والتفتت نحو فتاةٍ لها كالرشإ الوسنان في قرطق
قالت لها قولي لهذا الفتى انظر إلى وجهك ثم اعشق
دخل أحمد بن يوسف على المأمون وعريب تغمز رجله،
[ ٧ / ٦٩ ]
فخالسها النّظر وأومى إليها بقبلةٍ، فقالت: حاشية البرد، فلم يدر ما قالت، فلما خرج لقي محمد بن يسير، فحدّثه الحديث، فقال له: أنت تزعم أنك فطنٌ، يذهب عليك مثل هذا؟ أرادت قول الشاعر: الطويل
رمى ضرع نابٍ فاستمّر بطعنةٍ كحاشية البرد اليماني المسهّم
كان عمر بن الخطاب يقسم على كلّ رأس نصف دينار، فأتاه أعرابيٌ فقال: يا أمير المؤمنين، أعطني لنفسي ولأخ لي حبشيّ، فقال له عمر: أخوك الحبشيّ زقٌّ متعمّمٌ في البيت، قال: اللهم نعم، قال: يا غلام أعطه دينارًا: نصفه قسمه، ونصفه لصدقه.
تغدى سليمان عند يزيد بن المهلّب، فقيل له: صف لنا أحسن ما كان في منزله، فقال: رأيت غلمانه يخدمون بالإشارة دون القول.
قال أبو هفّان لرجلٍ: لو شئت أن أخلق مثلك من خرائي وأنفخ فيه من فسائي لفعلت.
[ ٧ / ٧٠ ]
نظر رئيسٌ إلى أبي هفّان وهو يسارّ آخر فقال: فيم تكذبان؟ قال: في مدحك.
نظر أعرابيّ إلى أبي هفّان يتكلّم، فقال لمحرز الكاتب: من هذا؟ قال: شيخٌ لنا مصاب، قال أبو هفّان: نعم يا أعرابيّ، بابن أخي هذا؛ فانقلبت النادرة على محرز.
قال أبو هفّان لمغنّية: يا فساية! قالت: ويلي، عبديّةٌ أنا؟! فكاد يموت من حرارة النادرة وتغلغها إلى صميم فؤاده.
سمعت أبا عبد الله الطّبري يقول: التقى في بعض بلاد الهند رجلان، فقال أحدهما للآخر - وكان غريبًا -: ما أقدمك بلادنا؟ قال: جئت أطلب علم الوهم، قال له السائل - وكان أحكم -: فتوهّم أنك قد أصبته وانصرف، فأفحم.
[ ٧ / ٧١ ]
كان أبو عبد الله هذا كثير النّوادر، فصيح اللسان، وكان رئيسًا في الباطنية، وكان جريء المقدم، متّقى اللسان، وكان ابن العميد يحبّه ويقدّمه، وله إليه رسالةٌ مشهورةٌ تتضمّن عتبًا ممضًّا، وأجابه أبو عبد الله عنها فما عجز عن موازنته. على أنّ الكتابة لم تكن ديدنه، ولكنّه كان عجيب الكلام في كلّ فنّ، وكان معتمده على الإبهام دون الإفهام، وسأحكي عنه ألفاظًا علقتها منه في إشارات الصوفية إن شاء الله. وسمعته يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت في دعوى حالٍ، وتمهيد أمرٍ، واصطلاح طريقة، لما تجاوزت ادّعاء النبّوة، ولكنّي مزّقت ثوب الشّباب، وودّعت راحلة الأمل؛ قيل له: فأنت مع نظرك في الحكمة، واقتباسك من الفلسفة، وتميزك إلى الخاصة، تتمنى حالًا صاحبها عند نفسه كاذبٌ وعند بني جنسه مكذوب، مع علمك أنّ دين الإسلام لا يتداعى بنيانه، ولا تتزعزع أركانه، وأنه مبني على أساسٍ قويّ، وأصلٍ سويّ، فقال: هذا كلام من لم يعرف النبوّة ما هي والنبيّ من هو، وما السبب في ظهور الأديان والنحل، وإفشاء المقالات
[ ٧ / ٧٢ ]
والملل، وما موجبات هذه الأمور، وما خواصّ هذه العلل، وما دواعي جميع ما في العالم، وكيفية نظم ما فيه واطّراده، وكيف استواؤه واستمراره، وما الغاية المنتهى إليها، والغرض المقصود نحوه، وما محصول الإنسان من الحياة، وما فائدته في كونه، وما الأمر الذي إليه توجهه وهو لا يدري، وبه تعلّله وهو لا يشعر، وما ثمرة الجاهل، وأين العالم منه في الآجل، وهل ما شاع بالخبر مقبولٌ كلّه، أو مردودٌ كلّه، أو مقبولٌ بعضه ومردودٌ بعضه. وإن بطل القسمان الأوّلان هل يصحّ القسم الثالث، وإن صحّ فبماذا يبين المقبول منه مما يردّ منه: أبالعقل، أم بالظنّ، أم بسكون النفس عند إخبار المخبر، وقلق النفس عند رواية الراوي؟ فأتى من هذا النّمط بما حيّر الحاضرين وأملّ المستمعين، ولم يحصّل من جميع ما هوّل به شيءٌ.
وكان إذا ركب هذا المركب سبق في عنقٍ لا يباريه جواد، ولا تسري وراءه ريح. ولقد قاوم بالرّيّ أبا يعقوب الجبّائي شيخ القوم، بل أوفى
[ ٧ / ٧٣ ]
عليه، فكشف عنه، ودلّ على خافي أمره، ومستكنّ شأنه، ومات سنة تسعٍ وخمسين وثلاثمائة. وكان قد أخذ الحديث عن أبي خازم وتفقّه للشافعي، وناظر في الأصول، إّلا أنه باين الجميع بهذه الغرائب التي لم يحل منها في الدنيا بطائل، ولم يتزود بها للآجل، وعاش عاشقًا لفضله، محجوبًا عن الله ﷿ بنعمته، جاهلًا بالشكر الموجب مزيده، وصار إلى الله ﷿، وهو أولى به، وهو أحكم الحاكمين.
دخل أبو يونس على المأمون - وكان فقيه مصر - فقال له: ما تقول في رجلٍ اشترى شاةً فضرطت فخرجت من استها بعرةٌ ففقأت عين رجلٍ: على من الدّية؟ قال: على البائع؛ قال: ولم؟ قال: لأنه باع شاةً في استها منجنيق ولم يبرأ من العهدة.
قالت عائشة: لقد مات رسول الله ﵌ بين
[ ٧ / ٧٤ ]
سحري ونحري، فمتى أوصى إليه؟ كأنها تعني عليًا ﵇ بهذا الكلام.
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: " استفرهوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصّراط ".
قال هشام بن عمّار: خير الأسود كليته.
قال هشام المتكلّم: أوّل شغب الرجل تعلّقه بالألفاظ.
قال رجلٌ لابن أبي داود: متى كان الله ﷿؟ قال: ومتى لم يكن؟! قال رجل لهشام بن الحكم: أنت أعلم الناس بالكلام، قال له: كيف ولم تكلّمني؟ قال: رأيت كلّ حاذقٍ يزعم أنه ناظرك وتغلّب عليك، فلولا أنّك الغاية عندهم ما فخروا بذلك أبدًا.
سأل غلامٌ أمرد النّظّام عن مسألة فقطعه، فقال له إبراهيم
[ ٧ / ٧٥ ]
النّظّام: أما إنك تقطعني بحجّةٍ وجبت لك، ولكن قطعتني بالحيرة فيك.
يقال: الطّير الذي خلقه عيسى ﵇ في قوله تعالى " وإذ تخلق من الطّين كهيئة الطّير "، هو الخطّاف؛ أما ترى فيه ضعف الآدميين؟ وذاك أنه أضعف من كلّ طائرٍ في مقداره.
قال المسيح ﵇: كلّ قتيلٍ يقتصّ له يوم القيامة إلا قتيل الدنيا، فإنه يقتصّ منه. هذا والله كلام عجيب.
نظر ابن أبي عتيق إلى بستانٍ صغير فقال: هذا تسمّده فسوة.
شاعر: المديد
ما لمن تمّت محاسنه أن يغادي طرف من رمقا
لك أن تبدي لنا حسنًا ولنا أن نعمل الحدقا
قال رجلٌ لأبي الهذيل: ما الفرق بين الإنسان والحمار؟ قال: هذه مسألةٌ جوابها فيها؛ لمّا قلت أنت ما الفرق بينهما كنت قد فرقت.
قال بعض المتكلّمين: الدليل على الحدوث أنّ الواهم يتوهّم
[ ٧ / ٧٦ ]
فيحدث إنسانٌ وشجرة، فقضى ذلك على جميع ما ترى أنه محدث، لأنه أحدثه توهّمًا، وكلّ متماثلين يلتقيان في حكمٍ واحد.
قال بعض المتكلّمين: الدليل على أنّ صانعي ليس مثلي أنّي عاجزٌ عن أن أفعل مثلي، فمحالٌ أن يكون فاعلي مثلي.
اعتلّ أبو جعفر الأحول في قول القاضي والله والله ثلاثًا قال: لما قال موسى للخضر ﵉ " قد بلغت من لدنّي عذرًا " كان هذا في ثلاث قد قطع عذرًا.
قيل لمرجفٍ: أحدث شيءٌ؟ قال: نعم، قيل: ما هو؟ قال: لم يبلغنا بعد.
قيل لأبي جعفر: لم حكمت للاستثناء إذا قال له: عليّ عشرة دراهم إّلا خمسة إّلا درهمًا فتكون له أربعة؟ فقال: من كتاب الله تعالى " إلا آل لوط نجيناهم بسحر إلا أمرأته "؛ فاستثنى من المستثنى، ولا يستثنى الكثير من القليل وإنما يستثنى القليل من الكثير، فقال المأمون: أحسنت.
[ ٧ / ٧٧ ]
قال هارون لحمويه: صف لي فارس، قال: فيها من كلّ بلدٍ بلدٌ.
لما قتل عبيد الله بن زياد - لعنه الله - الحسين بن علي ﵇ قال أعرابي: انظروا إلى ابن دعيّها كيف قتل ابن نبيّها.
قيل لبعض الحكماء الزّهاد: يقال جمع فلانٌ مالًا، قال: أفجمع أيّامًا؟ قال أبو الهذيل: ذنب الصامت جرحٌ سريع الاندمال، وذنب الناطق جرحٌ رحيب المجال.
كتب العتّابي إلى المأمون: إن للعرب البديهة، وللعجم الرّويّة، فخذ من العرب آدابها ومباني كلامها، وخذ من العجم مكايدها ونتائج فكرها، تجتمع لك فصاحة العرب ورجاحة العجم.
يقال: من صبّ عليه ماءً باردًا ثم تمسّح وتنّور لم تحرقه النّورة، ومن تنّور وهو عرقٌ أحرقته النّورة لأجل تفتح مسامّ البدن.
[ ٧ / ٧٨ ]
اجتمع الجاثليق والموبذ عند المأمون فقال الجاثليق: إنّ هذا يزعم أنّ الجنّة متصلةٌ بحر أمّه، فقال الموبذ: والله لقد أفحشت عليّ، ولقد كنّا نظنّ أنّ الأمر كما وصف حتى رأينا إلهك خرج من ذلك الموضع فزال عنّا الشّك.
قال خالد بن الوليد: إن أبا بكرٍ ولدنا فرقّ علينا رقّة الوالد، وإن عمر ولدناه فعقّنا عقوق الولد.
قيل لصوفيّ: لم لم تعملوا بأبدانكم؟ قال: لأنّ الأبدان تعمل بالقلوب، فلما عملت القلوب سكنت الأبدان.
قال راوية الفرزدق للفرزدق: والله ما تنهاني عن شيءٍ إلا ركبته، قال: فإني أنهاك عن نيك أمّك.
خاصمت امرأةٌ مدنيّةٌ زوجها - وكان في خلقٍ لا يواريه - فقالت له: غيّر الله ما بك من نعمةٍ، قال: استجاب الله دعاءك، لعلّي أصبح في ثوبين جديدين.
قال بعض أهل اللغة: الاستذراء من البرد، والاستظلال من الحرّ، والاستكنان من المطر.
مرّت امرأةٌ جميلة باليعقوبي فقالت له: يا شيخ، أين درب
[ ٧ / ٧٩ ]
الحلاوة؟ قال: تحت مئزرك يا ستّي.
قال رجل لرقبة بن مصقلة: ما أكثرك في كلّ طريق، فقال له رقبة: إنك مستكثرٌ مني ما تستقلّ من نفسك، هل رأيتني في طريق إلا وأنت فيه؟ قال النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله عن الله ﷿: " إنّي تفضّلت على عبادي بأربعة أشياء: سلّطت الدابة على الحبّ، ولولا ذلك لكنزه الملوك كما كنزوا الذهب والفضّة؛ وأنتنت الجسد، ولولا ذلك لنا دفن حميمٌ حميمه؛ وأسليت المصاب عن المصيبة، ولولا ذلك لانقطع النّسل؛ وأقصيت الأجل وبسطت الأمل، ولولا ذلك لخربت الدنيا وما طاب عيشٌ ".
قال جعفر بن محمد ﵉: يهلك الله ﷿ ستًا بستً: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجّار بالخيانة، وأهل الرّستاق بالجهل، والفقهاء بالحسد.
ذكر عبد الملك بن مروان الاشدق بعد أن قتله فقال: كان والله ذا طيٍّ لسرّه، نمومًا بإعطاء ماله، فارغ القلب بفهم من حدّثه، مشغول القلب بمعرفة ما أشكل عليه.
[ ٧ / ٨٠ ]
قال الحجاّج لرجلٍ من ولد ابن مسعود: لم قرأ أبوك تسعٌ وتسعون نعجةً أنثى؟ أترى لا يعلم الناس أن النعجة أنثى؟ فقال: قد قرئ قبله " ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ " ألا يعلم أن سبعةً وثلاثةً عشرةٌ؟ فما أحار الحجّاج جوابًا.
أراد رجلٌ بيع جاريةٍ فبكت فسألها، فقالت: لو ملكت منك ما ملكت مني ما أخرجتك من يدي، فأعتقها.
قالت المضرّية: اللسان العربي لإسماعيل، وقالت القحطانية: أوّل من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان، فاحتجت المضريّة فقالت: لو كان هذا هكذا لقالوا: يعربي، ولم يقولوا: عربي.
قال هارون بن مسلم: ما بقي أحدٌ يأنف أو يؤنف منه.
قال ابن عباس في رجلٍ حلف أن لا يكلّم فلانًا حتى حين فقال: الحين في اليوم والليلة وهو قوله تعالى " حين تمسون وحين تصبحون " والحين في ثلاثٍ، وهو قوله تعالى في قوم هود " تمتّعوا حتّى حينٍ " والحين في كل سنةٍ وهو قوله تعالى " تؤتي
[ ٧ / ٨١ ]
أكلها كلّ حينٍ ".
قال الجمّاز لعلي الرازي، وأراد شراء جارية حبشية: متاعها الدّهر مزبد، وإبطاها منتنان، وجسدها لا يقبل الطّيب، وإذا شربت احمرت عيناها واخضرّت وجنتاها، وإذا تجرّدت فكأنها نخاعةٌ على يد أسود.
تزوّج مدنيٌّ سوداء فعوتب فقال: عتق ما يملك إن لم تكن ضرطتها في الليلة الشاتية في البيت أنفع من عدل فحم.
وساوم مدينيّ دجاجةٍ بعشرة دراهم فقال: والله لو كانت في الحسن كيوسف، وفي العظم ككبش إبراهيم، وكانت كلّ يومٍ تبيض وليّ عهدٍ للمسلمين، ما ساوت أكثر من درهمين.
قال يحيى بن خالد: الغضب والحزن من جوهرٍ واحد، فإذا
[ ٧ / ٨٢ ]
كان ممّن فوقك كان حزنًا، وإذا كان ممّن هو دونك كان غضبًا، فترك الصبر على الغضب سوء قدرة، وترك الصبر على الحزن سوء استكانة.
حمل رزام بن حبيب إلى طحّان طعامًا فقال له: اطحنه؛ قال: أنا مشغولٌ عنك، قال: إن طحنته وإّلا دعوت الله ﷿ على حمارك ورحاك، قال: أومستجاب الدعوة أنت؟ قال: نعم، قال: فادع الله أن يصيّر حنطتك دقيقًا فهو أروح لك.
قال الأصمعي: كان بالبصرة فتىً يغشاه الفتيان في كوخٍ له من قصب، وكانوا إذا شربوا قال بعضهم لبعضٍ: غدًا عليّ ألف آجرّةٍ، ويقول آخر: عليّ الجصّ، ويقول آخر: عليّ أجرة البنّاء. فيصير كوخه قصرًا من ساعته، ثم يصبح فلا يرى شيئًا من ذلك، فقال في ذلك:
لنا كوخٌ يهدّم كلّ يومٍ ويبنى ثم يصبح جذم خصّ
إذا ما دارت الأقداح قالوا غدًا نبني بآجرٍّ وجصّ
وكيف يشيّد البنيان قومٌ يزجّون الشتاء بغير قمص
قال الأصمعي: فحدّثت الرشيد، فاستضحك وقال: أبا سعيدٍ، لكنّا نبني
[ ٧ / ٨٣ ]
لك قصرًا لا تخاف فيه ما خاف الفتى، ثمّ أمر له بألفي دينار.
قال الجمّاز: اشتريت جاريةً سنديّة، فأردت أن أطأها، وكان شعر حرها كثيرًا فلم يدخل أيري، فقالت: يا مولاي، زبّك عمياء.
قيل لسلمان بن ربيعة الباهلي: بم تعرف الهجن من العتاق؟ قال: بنظري إلى الأعناق، قيل: فبيّن لنا ذلك، قال: فدعا بطستٍ من ماءٍ فوضعت على الأرض، ثم قدّمت الخيل إليها واحدًا واحدًا، فما ثنى سنبكه ثم شرب هجّنه، وما شرب ولم يثن سنبكه جعله عتيقًا، وذلك لأنّ في أعناق الهجن قصرًا فهي لا تنال الماء إّلا على تلك الحال حتى تثني سنابكها، وأعناق العتاق طوالٌ فهي تشرب ولا تثني سنابكها.
[ ٧ / ٨٤ ]
قال أهل اللغة: الغيلم ذكر السّلاحف، والأنثى سلحفاة ويقال: سلحفية؛ والعلجوم ذكر الضفادع؛ والشّيهم ذكر القنافذ؛ والخزر ذكر الأرانب، وجمعه خزّان؛ والظّليم ذكر النّعام؛ والقطّ والضّيون ذكر السّنانير؛ والحيقطان ذكر الدرّاج؛ والعضرفوط ذكر العظاءة؛ والحرباء ذكر أمّ حبين؛ والحنظب ذكر الخنافس، وهو أيضًا الخنفس؛ واليعاقيب ذكور الحجل، واحدها يعقوب، والسّلك الذكر من فراخها، والأنثى سلكة؛ والخرب ذكر الحبارى؛
والفيّاد ذكر البوم، ويقال هو الصّدى؛ وساق حرّ ذكر القماريّ؛ واليعسوب ذكر النّحل؛ هذه كلّها ينبغي أن تكون في صميم صدرك، قد غلب عليها الحفظ،
[ ٧ / ٨٥ ]
واهتدى إليها الظنّ، فم القبيح بالإنسان أن لا يعرف ما قرب من الحيوان.
واحفظ أيضًا إناث أشياء من هذا الضرب؛ اعلم أنّ: الأنثى من الذّئاب سلقةٌ وذيبة؛ والأنثى من الثعالب ثرملة وثعلبة، والذكر ثعلبان؛ والأنثى من الوعول أرويّة، وثلاث أراويّ إلى العشرة، فإذا جاوزت فهي الأروى؛ والأنثى من القرود قشبة وقردة؛ والأنثى من الأرانب عكرشة؛ والأنثى من العقبان عقبة؛ والأنثى من الأسود لبؤة؛ بضّم الباء والهمزة؛ والأنثى من العصافير عصفورة؛ ومن النّمور نمرة؛ ومن الضّفادع ضفدعة؛ ومن البرذون برذونة؛ وواحد الذّراريح والذّرّاح ذرحرح وذّروح.
[ ٧ / ٨٦ ]
واحفظ ما هو من أسماء الناس من ذلك: يقال إن الهوزة قي القطاة؛ والقطاميّ الصّقر - بضمّ القاف وفتحها -؛ وعكرمة هي الحمامة؛ والهيثم فرخ العقاب؛ وسعدانة هي الحمامة؛ والحيدرة الأسد؛ وكذلك الهيصم وأسامة والدّلهمس وهرثمة والضّيغم؛ وأما نهشل فالذئب؛ وكلثوم الفيل؛ وشبث: دابة تكون في الرّمل، وجمعها شبثان، كأنها سمّيت بذلك لتشبّثها بما دبّت عليه؛ وأما سيابة فواحدة السّياب - خفيفةً - وهو البلح.
وأما حمزة فبقلة.
شاعر: الوافر
[ ٧ / ٨٧ ]
دعوتك للنّدى ففررت منه كأنّي قد دعوتك للبراز
ولمّا أن كسوتك ثوب مدحٍ رأيتك قد خريت على الطّراز
قال ابن طباطبا في عيار الشعر: وينبغي للشاعر أن يتأمّل تأليف شعره وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتّصل كلامه فيها، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه وبين تمامها فصلًا من حشو ليس من جنس ما هو فيه فينسي السامع المعنى الذي يسوق القول إليه، كما أنه يحترز من ذلك في كلّ بيت، فلا يباعد كلمةً عن أختها ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشوٍ يشينهها، ويتفقّد كلّ مصراعٍ: هل يشاكل ما قبله، فربما اتفق للشاعر بيتان يضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر، فلا يتنبه على ذلك إّلا من دقّ نظره ولطف فهمه. وربما وقع الخلل في الشّعر من جهة الرّواة والناقلين له: الشّعر على جهةٍ ويؤدوّنه
[ ٧ / ٨٨ ]
على غيرها سهوًا فلا يذكرون حقيقة ما سمعوه منه. كقول امرئ القيس: الطويل
كأنّي لم أركب جوادًا للذةٍ ولم أتبطّن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسبإ الزّقّ الرّويّ ولم أقل لخيلي كرّي كرّةً بعد إجفال
هكذا الرّواية، وهما بيتان حسنان، ولو وضع مصراع كلّ واحدٍ منهما في موضع الآخر كان أشكل وأدخل في استواء النّسج، وكان يروى:
كأنّي لم أركب جوادًا ولم أقل لخيلي كرّي كرّةً بعد إجفال
ولم أسبأ الزقّ الرويّ للذةٍ ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
وكقول ابن هرمة: المتقارب
وإنّي وتركي ندى الأكرمين وقدحي بكفّي زندًا شحاحا
كتاركةٍ بيضها بالعراء وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
وكقول الفرزدق: الطويل
[ ٧ / ٨٩ ]
وإنك إذ تهجو تميمًا وترتشي سرابيل قيسٍ أوسحوق العمائم
كمهريق ماءٍ بالفلاة وغرّه سرابّ أذاعته رياح السّمائم
كان يجب أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق، وبيت الفرزدق مع بيت ابن هرمة فيقال:
وإنّي وتركي ندى الأكرمين وقدحي بكفّي زندًا شحاحا
كمهريق ماءٍ بالفلاة وغرّه سراب أذاعته رياح السمائم
وإنّك إذ تهجو تميمًا الخ
كتاركةٍ بيضها بالعراء وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
حتى يصح التشبيه للشاعرين، وإّلا كان تشبيهًا بعيدًا غير واقع موقعه الذي أريد له.
وإذا تأملت أشعار الشعراء لم تعدم فيها أبياتًا مختلفة المصاريع، كقول طرفة: الطويل
ولست بحلاّلٍ التّلاع مخافةً ولكن متى يسترفد القوم أرفد
والمصراع الثاني غير مشاكلٍ للأوّل؛ وكقول الشاعر: الطويل
[ ٧ / ٩٠ ]
وإن امرءًا أهواه بيني وبينه فياف تنوفاتٌ ويهماء خيفق
لمحقوقةٌ أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أنّ المعان موفّق
فقوله: وأن تعلمي أن المعان موفّق غير مشاكل لما قبله؛ وكقوله: البسيط
أغّر أبلج يستسقى الغمام به لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا
فالمصراع الثاني غير مشاكل للأول، وإن كان كلّ واحدٍ منهما قائمًا بنفسه.
وأحسن الشّعر ما ينتظم القول فيه انتظامًا يتّسق به أوّله مع آخره على ما ينسقه قائله، فإن قدّم بيتٌ على بيتٍ دخله الخلل، كما يدخل الرسائل والخطب إذا نقص تأليفها فإن الشعر إذا أسس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلّة بذاتها، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها، لم يحسن نظمه، بل يجب أن تكون القصيدة كلّها ككلمة واحدةٍ في اشتباه أوّلها وآخرها نسجًا وحسنًا وفصاحةً وجزالة ألفاظٍ ودقّة معانٍ وصواب تأليف، ويكون خروج الشاعر من كل معنىً يصفه إلى غيره من المعاني خروجًا لطيفًا على ما شرطنا؛ هذا كله كلام صاحب كتاب العيار.
[ ٧ / ٩١ ]
خرج الأعمش يومًا إلى أصحابه وهو يضحك فقالوا له: ما ذاك يا أبا محمد؟ قال: قالت بنيّتي لأمّها: يا امّه، لم تجدي أحدًا تزوّجينه إلا هذا الأعمش؟! قال داود بن الزّبرقان: سفه علينا الأعمش يومًا فكلّمتنا امرأةٌ من وراء الباب وقالت: احتملوه، فوالله ما يمنعه من الحجّ مذ ثلاثون سنة إّلا مخافة أن يلاطم زميله أو يشاتم رفيقه.
قال سعيد بن المسيّب: أعوذ بالله من الزّنا، فقالت امرأة إلى جانبه: هذا شيءٌ قد كفيته لسماحة وجهك، قال: أمّا ما دام إبليس حيًا فلا أصدّقك.
قال أعرابيّ بعدما خرف: إن في الأير يا قوم عجبًا فاحذروه؛ قالوا له: وما هو؟ يأنس إلى من لا يعرف ويستوحش ممن يعرف.
مرّ سائلٌ بمخنّثٍ فأدخله وسقاه وحمله على نفسه فقال: والله ما
[ ٧ / ٩٢ ]
أدري بم أكافئك، إّلا أنني وددت أنّ لي أيرًا مثل منارة المسيّب، قال المخنّث: إذن كنت أمكّنك من استٍ مثل باب خراسان.
قال محمد بن إسحاق بن عطية: دخلت على إسماعيل بن صبيح وهو مريض فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت تجرّب عليّ الأطباء.
رفع مخنّث إلى السّندي بن شاهك ومعه غلام، فتبعته امرأةٌ فقالت: أما تستحيي من مشيتك ترفع مع مثل هذا؟ فقال: أما والله لو استقبلك بمثل ما استدبرني به ماباليت أن ترفعي إلى ملك الروم.
شاعر: مجزوء الرجز
الصبر مفتاح الظّفر والأمر يجري بالقدر
ما كان من خيرٍ وش رٍّ ليس يغني من حذر
يقال: لا تقطع القريب وإن أساء، فإنّ المرء لا يأكل لحمه وإن جاع، ولا يقطع يده وإن ضربت عليه.
قال بعض العرب: الق عدوّك بحسن البشر، وأخف عنه ضمير
[ ٧ / ٩٣ ]
الصّدر، وتربّص به دوائر الدّهر، وال تظهر له سرّك فيكيدك، ولا تمكنّه من قيادك فيرديك، وكثير النّصح يدعوك إلى كثير التّهمة.
قيل لعائشة: إن قومًا يشتمون أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله. فقالت: دعوهم، أبعدهم الله، فإنّ الله لما قطع عنهم العمل أحبّ أن لا يقطع عنهم الأجر.
قال المتوكّل لعبّادة: أهب لك هذا الخصيّ؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنا لا أركب زورقًا بلا دقل.
قال عبد الملك بن مروان لابن زبّان القيني: ما لك مغتمًا؟ قال: نسأل أمير المؤمنين ما لا نقدر عليه، ويعتذر فيما قد لا يعذر، فقال: ما أحسن ما سألت؛ ووصله.
كاتب: أستجير بك في ما قاسيت من مقارعة الدّهور، وأستعين بك على ما عانيت من ملمّات الأمور.
قال أعرابيٌّ لآخر: من استجار بك من الزّمان، فقد أخذ لنفسه بأوثق الأمان.
كاتب: الشكوى إليك عند النائبة على قدر الشكر لك عند
[ ٧ / ٩٤ ]
النّعمة، لأنّك في الحالين معًا الرجاء والعدّة، والموئل والعمدة، وكلّ حقٍّ قضيته لأوليائك في عارفة تصطنعها، ونكبة تدفعها، فهو دون قدرتك، وفوق شكرهم.
آخر: محاسن غيرك مساوٍ عند محاسنك، لأنّ إحسانك إجمالٌ وإحسانهم تجمّلٌ.
أعرابيّ: لا على رجائي أخاف التخييب، ولا على أملي أخشى التكذيب.
كاتب: إذا طلبت عند غيرك ما لم أنله، نلت منك ما لم أطلبه، وإذا وجدت عندك ما لم أرجه، عدمت من سواك ما رجوته، فاليأس من خيرك أجدى من الطّمع في فضل غيرك، لأنّك تقول وتفعل، وسواك يقول ولا يفعل، ولأنّك تعتذر من الجزيل إذا تطاول سواك بالقليل، لأنّ الذي أدركته منك من غير تأميلٍ له، عوضٌ مغنٍ مما خانني من الرّجاء في سواك.
كاتب: صافحتني الأيّام بكفّ الغنى إذا قبلتني، ووقفت بي عند أملي إذ حسن رأيك فيّ، وصالحتني بما استصلحت من أمري.
أعرابي: يأسي من عطائك أرجى من رجائي لعطاء غيرك، لان أملي فيك قنيةٌ، ورجائي لك ذخرٌ، لأني أعدّ وعدك غنىً ومطلك إنجازًا.
[ ٧ / ٩٥ ]
قال ابن طباطبا في عيار الشعر: ينبغي للشاعر في عصرنا أن لا يظهر شعره إّلا بعد ثقته بجودته وحسنه وسلامته من العيوب التي قد نبّه عليها. وأمر بالتحرّز منها، ونهي عن استعمال نظائرها. لا يضع في نفسه أنّ الشعر موضع اضطرار، وأنّه يسلك سبيل من كان قبله، ويحتج بالأبيات التي قد عيبت على قائليها، فليس يقتدى بالمسيء، وإنما الاقتداء بالمحسن، وكلّ واثق فيه خجلٌ إلا القليل، ولا يغير على معاني الشعراء فيودعها شعره، ويخرجها في أوزان مخالفةٍ لأوزان الأشعار التي يتناول منها ما يتناول، ويتوهّم أنّ تغييره الألفاظ والأوزان مما يستر عليه سرقته، أو يوجب له فضيلته، بل يديم النظر في الأشعار التي قد اخترناها لتلصق معانيها بفهمه، وترسخ أصولها في قلبه، وتصير مواد لطبعه، ويذرب لسانه بألفاظها، فإذا جاش فكره بالشّعر، أدّى إليه نتائج ما استفاده مما نظر من تلك الأشعار، وكانت تلك
[ ٧ / ٩٦ ]
النتيجة كالسّبيكة المفزغة من جميع الأصناف التي تخرجها المعادن، وكما اغترف من وادٍ قد مدّته سيولٌ جارية كثيرة من شعاب مختلفة، وكطبيب يركب على أخلاط من الطّيب كثير، فيستغرب عيانه، ويغمض مستنبطه؛ ويذهب في ذلك إلى ما يحكى عن خالد بن عبد الله القسري فإنّه قال: قد حفّطني أبي ألف خطبةٍ ثم قال لي: تناسها، فتناسيتها، فلم أرد بعد ذلك شيئًا من الكلام إّلا سهل عليّ؛ فكان حفظه لتلك الخطب رياضةً لفهمه، وتهذيبًا لطبعه، وتلقيحًا لذهنه، ومادة لفصاحته، وسببًا لبلاغته ولسنه ولخطابته.
واعلم أنّ شعراء العرب أودعت أشعارها من الأصناف والتشبيهات والحكم ما أحاطت به معرفتها، وأدركه عيانها، ومرّت به تجاربها، وهم أهل وبر، صحونهم البوادي، وسقوفهم السماء، فليس تعدو أوصافهم ما رأوه فيهما وفي كل واحدة منهما، في فصول الأزمان على اختلافها: من شتاءٍ
[ ٧ / ٩٧ ]
وربيع، وصيفٍ وخريف، من ماءٍ وهواء، ونار وجبل، ونباتٍ وحيوانٍ وجماد، وناطقٍ وصامت، ومتحرّك وساكن، وكلّ متولد، من وقت نشوته وفي حال نموّه إلى حال انتهائه، فضمّنت أشعارها من التشبيهات إلى ما أدركه من ذلك عيانها وحسّها، إلى ما في أنفسها وطبعها من محمود الأخلاق ومذمومها، في رخائها وشدّتها، ورضاها وغضبها، وفرحها وغمها، وأمنها وخوفها، وصحّتها وسقمها، والحالات المتصرّفة بها في خلقها وخلقها، من حال الطفولة إلى حال الهرم، وفي حال الحياة إلى حال الموت، فشبهت الشيء بمثله تشبيهًا صادقًا، ذهبت إليه من معانيها التي أرادتها، فإذا تأملت أشعارها وفتشت جميع تشبيهاتها وجدتها على ضروبٍ مختلفةٍ سنشرح أنواعها، فبعضها أحسن من بعض، وبعضها ألطف من بعض، فأشبه التشبيهات ما إذا عكس لن ينتقض بل يكون كلّ شبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشبهًا به صورةً ومعنى، فربّما أشبه الشيء الشيء صورةً وخالفه معنىً، وربما
[ ٧ / ٩٨ ]
أشبهه معنىً وخالفه صورةً وربّما قاربه وداناه أو سامته وأشبهه مجازًا لا حقيقةً، فإذا اتفق لك في أشعار العرب التي يحتجّ بها تشبيهٌ لا تتلقّاه بالقبول، أو حكايةٌ تستغربها، فابحث عنه ونقّر عن معناه، فإنك لا تعدم أن تجد تحته خبيئة، إذا أثرتها عرفت فضل القوم بها، وعلمت أنهم أرقّ طبعًا من أن يلفظوا بكلامٍ لا معنى تحته. وربّما خفي عليك مذهبهم في سنن يستعملونها بينهم، وحالات يصفونها في أشعارهم ولا يمكنك استنباط ما تحت حكاياتهم، ولا يفهم مثلها إّلا سماعًا، فإذا وقفت على ما أرادوه، لطف موقع ما تسمعه من ذلك عند فهمك.
والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روح فيه؛ كما قال بعض الحكماء: للكلام جسدٌ وروحٌ، فجسده النّطق وروحه معناه، فأما ما وصفته العرب وشبّهت بعضه ببعض مما أدركه عيانها فكثيرٌ لا يحصى عدده، وأنواعه كثيرةٌ، وسنذكر بعض ذلك ونبيّن حالاته وطبقاته إن شاء الله.
وأما ما وجدته في أخلاقها، وتمدّحت به، ومدحت به من سواها وذمّت من كان على ضدً حالها فيه، فخلالٌ مشهورةٌ، منها في الخلق: الجمال
[ ٧ / ٩٩ ]
والبسطة؛ ومنها في الخلق: الشجاعة والسخاء والحلم والعلم والحزم والعزم والوفاء والعفاف والأمانة والقناعة والغيرة والصّدق والصبر والورع والشكر والمداراة والعفو والعدل والإحسان وصلة الرّحم وكتم السر والمؤاتاة وأصالة الرأي والأنفة والدعاء وعلوّ الهمّة والتواضع والبيان والبشر والجلد والتجارب والنقض والإبرام. وممّا يتفرّع من هذه الخلال التي ذكرناها من الأصناف: قرى الأضياف وإعطاء العفاة وحمل المغارم وكظم الغيظ وقمع الأعداء وفهم الأمور ورعاية العهد والفكر في العواقب والجد والتشمير وقمع الشّهوات والإيثار على النفس وحفظ الودائع والمجازاة ووضع الأشياء مواضعها والذّب عن الحريم واجتلاب المحبة والتنزّه عن الكذب واطّراح الحرص وادّخار المحامد والاحتراز من العدوّ وسيادة العشيرة واجتناب الحسد والنكاية في الأعداء وبلوغ الغايات والاستكثار من الصديق والقيام بالحجّة وكبت الحسّاد والإسراف في الخير واستدامة النعمة وإصلاح كل فاسد واعتقاد المنن واستعباد الأحرار بها
[ ٧ / ١٠٠ ]
وإيناس النافر وحفظ الجار والإقدام على بصيرة. وأضداد هذه الخلال البخل والجبن والطّيش والجهل والغدر والاغترار والفشل والفجور والعقوق والخيانة والحرص والمهانة والكذب وفيالة الرأي والهلع وسوء الخلق ولؤم الظفر والجور والإساءة وقطيعة الرّحم والنّميمة والخلاف والطّبيعة والدّناءة والغفلة والحسد والبغي والكبر والعبوس والإضاعة والقبح والدّمامة والقماءة والخور والعجز والعيّ والاستحلال. ولتلك الخلال المحمودة حالاتٌ تؤكدها وتضاعف حسنها وتزيد في جلالة المتمسّك بها والمفتخر بالاحتواء عليها، كما أنّ لأضدادها أيضًا حالات تزيد في الحطّ ممن وسم بشيءٍ منها ونسب إلى استشعار مذمومها والتّمسك بفاضحها: فالجود في حال العسر موقعه فوق موقعه في حال الجدة وفي حال الصحو أحسن منه في حال السّكر، كما أن البخل من الواجد القادر أشنع منه من المضطّر العاجز، والعفو في حال القدرة أجلّ موضعًا منه في حال العجز، والشجاعة في حال مبارزة الأقران أحدّ منها في حال الإحواج ووقوع الضّرورة، والعفّة في حال اعتراض الشّهوات والتّمكن منها أفضل منها في حال فقدان اللذات واليأس من نيلها، والقناعة في حال تبرّج الدنيا ومطامعها أحسن
[ ٧ / ١٠١ ]
منها في حال اليأس وانقطاع الرجاء منا؛ على هذا التّمثيل جميع الخصال التي ذكرناها.
وقال أيضًا: وعيار الشّعر أن يورد على الفهم الثاقب: فما قبله واصطفاه فهو وافٍ، وما مجّه ونفاه فهو ناقص. والعّلة في قبول الفهم الثاقب للشّعر الحسن الذي يرد عليه ونفيه للقبيح منه، واهتزازه لما يقبله وتكرهه لما ينفيه أنّ كلّ حاسّة من حواسّ البدن إنما تقبل ما يختصّ بها ويتصل بها ممّا طبعت له إذا كان وروده عليها ورودًا لطيفًا باعتدال لا جور فيه وموافقةٍ لا مضادة معها. فالعين تألف المرأى الحسن الأنيق، وتقذى بالمرأى القبيح الكريه؛ والأنف يقبل المشمّ الطّيب ويتأذى بالمنتن الخبيث؛ والفم يتلذّذ بالمذاق الحلو ويمجّ البشع المّر؛ والأذن تتشوّف للصّوت الخفيض السّاكن وتتأذى بالجهير الهائل؛ واليد تنعم باللّمس اللّين وتتأذى بالخشن المؤذي؛
[ ٧ / ١٠٢ ]
والفهم يأنس من الكلام العدل الصواب الحق الجائز المعروف ويتشوّف إليه ويتجلّى له ويستوحش من الكلام الجائر الخطأ الباطل والمحال المجهول المنكر وينفر منه ويصدأ له. فإذا كان الكلام الوارد على الفهم منظومًا مصفّىً من كدر العيّ، مقوّمًا من أود الخطأ واللّحن، سالمًا من جور التأليف، موزونًا بميزان الصّواب لفظًا ومعنىً وتركيبًا، اتسعت طرقه ولطفت موالجه، فقبله الفهم وارتاح له وأنس به، وإذا ورد عليه ضدّ هذه الصّفة وكان باطلًا محالًا مجهولًا، انسدّت طرقه، ونفاه الفهم، واستوحش عند حسّه، وصدئ له، وتأذّى به كتأذّي سائر الحواسّ بما يخالفها على ما شرحناه. وعلّة كلّ حسن مقبولٍ الاعتدال، كما أنّ علّة كلّ قبيح منفيّ الاضطراب، والنفس تسكن إلى كلّ ما وافق هواها، وتقلق ممّا خالفه، ولها أحوالٌ تتصرّف بها، فإذا ورد عليها في حالةٍ من حالاتها ما يوافقها اهتزّت له وحدثت لها أريحية وطرب وإذا ورد عليها ما يخالفها قلقت واستوحشت.
وقال أيضًا: وللأشعار الحسنة على اختلافها مواقع لطيفةٌ عند
[ ٧ / ١٠٣ ]
الفهم لا تحدّ كيفيتها، كمواقع الطّعوم الطيّبة المركّبة الخفيّة التركيب اللذيذة المذاق، وكالأراييح الفائحة المختلفة الطّيب والنسيم، وكالنقوش الملونة التّقاسيم والأصباغ، وكالإيقاع المطرب المختلف التأليف، وكالملامس اللذيذة الشهية الحسن، فهي تلائمه إذا وردت عليه - أعني الأشعار الحسنة على الفهم - فيلذّها ويقبلها ويرشفها كارتشاف الصّديان للبارد الزّلال، لأنّ الحكمة غذاء الرّوح، فأنجع الأغذية ألطفها.
وقال: قال بعض الفلاسفة: إنّ للنفس كلمات روحانية من جنسّ ذاتها، وجعل ذلك برهانًا على نفع الرّقى ونجوعها فيما تستعمل له، فإذا ورد عليك الشعر اللطيف المعنى، الحلو اللّفظ، التامّ البيان، المعتدل الوزن، مازج الروح ولاءم الفهم وكان أنفذ من نفث السحر وأخفى دبيبًا من الرقى وأشد إطرابًا من الغناء، فسلّ السخائم، وحلّل العقد، وسخّى الشحيح، وشجّع الجبان. وكان كالخمر في لطف دبيبه وإلهائه، وهزّه ولذاذته. وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: " إنّ من البيان لسحرًا ".
[ ٧ / ١٠٤ ]
ولحسن الشعر وقبول الفهم إيّاه علةٌ أخرى وهي موافقته للحال التي يعدّ معناه لها، كالمدح في حال المفاخرة، وحضور من يكبت بإنشاده من الأعداء ويسر به من الأولياء، وكالهجاء في حال مباراة المهاجي والحطّ منه، حيث ينكي فيه استماعه له، وكالمراثي في حال جزع المصاب به، وكذكر مناقب المفقود عند تأبينه والتعزية عنه، وكالاعتذار والتنصّل من الذّنب عند سلّ سخيمة المجنيّ عليه المعتذر إليه، وكالتحريض على القتال عنه التقاء الأقران وطلب المغالبة، وكالغزل والنسيب عند شكوى العاشق واهتياج شوقه وخضوعه وحنينه إلى من يهواه. وإذا وافقت هذه المعاني هذا الخلال تضاعف حسن موقعها عند مستمعها لا سيما إذا أيّدت بما يجلب إلى القلوب من الصّدق عن ذات النفس، بكشف المعاني المختلجة فيها، والتصريح بما كان يكتم منها والاعتراف بالحق في جميعها.
والشعر هو ما إن عري من معنىً بديع لم يعر من حسن الديباجة، وما
[ ٧ / ١٠٥ ]
خالف هذا فليس بشعر. ومن أحسن المعاني والحكايات في الشعر وأشدّها استفزازًا لمن يسمعها الابتداء بذكر ما يعلم السامع له إلى أي معنى يساق القول فيه قبل استتمامه، وقبل توسّط العبارة عنه والتعريض الخفيّ الذي يكون بخفائه أبلغ في معناه من التصريح الظاهر الذي لا ستر دونه. فموقع هذين عند الفهم كموقع البشرى عند صاحبها لثقة الفهم بحلاوة ما يرد عليها من معناهما انقضى كلامه.
قد دلّ هذا الرجل على مواضع لطيفة واستحقّ المديح بحسب الإصابة.
سأل أبو فرعون رجلًا فمنعه وألح عليه فأعطاه فقال: اللهم اخزنا وإياهم، نسألهم إلحافًا ويعطوننا كرهًا، فلا يبارك الله لنا ولا يأجرهم عليه.
[ ٧ / ١٠٦ ]
كان عبد الله بن الزبير إذا صعد المنبر حمد الله وأثنى عليه وخطب الناس وأخذ في سورة الأنعام وقال: إنما يكفيني من الدنيا اليسير، إنما بطني شبر؛ فلما مات أصابوا في خزانته خمسة آلاف طليسان، فقال فيه الشاعر: البسيط
لو كان بطنك شبرًا قد شبعت وقد أفضلت فضلًا كثيرًا للمساكين
لكنّ بطنك باعٌ ليس يشبعه خرج العراق ولا مال الدّهاقين
ما زال في سورة الأنعام يدرسها حتى فؤادي مثل الخزّ في اللّين
إمّا تصبك من الأيام جائحةٌ لم نبك منك على دنيا ولا دين
هذا من غرائب ما يروى، وهو كالسرّ من أسرار هذا الخلق، ولئن كان حقًا فما ينقضي العجب من قومٍ هذا حديثهم وذاك كلامهم.
دعا أعرابيٌّ فقال: ثبّت الله ودّكم، وأغزر رفدكم، وأمّن وفدكم، وأعلى جدّكم، وجمّل أمركم.
قيل لابن جريج: كم صيفكم بمكّة؟ قال: ثلاثة عشر شهرًا.
[ ٧ / ١٠٧ ]
سأل رجل الشعبيّ عن أكل الذباب فقال: إن اشتهيت فكله.
وسأل آخر الشعبي عن أكل لحم الشيطان فقال: ويحك ويدعك الشيطان تأكل لحمه؟ ارض منه بالكفاف! قال أعرابي: من ولد في الفقر أبطره الغنى، ومن ولد في الغنى لم تزده النعمة إلا تواضعًا.
كان أحمد بن يوسف وناس يختلفون إلى باب المأمون، فقال البّواب يومًا: يا هؤلاء، كم تقفون ها هنا؟ اختاروا واحدةٌ من ثلاث: إما أن ميزتم لوقوفكم ناحيةً من الباب، وإما نزلتم فجلستم في المسجد حتى يدعى بكم، قالوا: والخصلة الثالثة؟ فما تهيأ له، فقال: جئتمونا بكلام الزنادقة؟! فدخل أحمد فحدث المأمون فضحك وأمر للبواب بألف درهم وقال: لولا أنها نادرة جهلٍ لاستحقّ بها أكثر من ذلك.
قال القاسم بن محمد: كانوا يستحبّون استقبال المصائب
[ ٧ / ١٠٨ ]
بالتجمّل، ومواجهة النّعم بالتذلّل.
سمع ابن خلف الهمذاني قومًا يذكرون الموت فقال: لو لم يكن في الموت إّلا أنك لا تقدر أن تنفّس لكفى. هكذا حدثنا أبو نصر الأنماطي الهمذاني.
وعد يحيى بن خالد رجلًا مرارًا ولم يف، فرفع إليه رقعة فيها: البسيط
البرمكّيون لا يوفون ما وعدوا والبرمكيّات لا يخلفن ميعادًا
فلما قرأها اغتمّ وقال: وددت أني افتديت هذا البيت ما أملك؛ وهرب الرجل.
كان لشيرين مولى بكرم عليها، فسألها مسألة الملك ترفيهه أيامًا، فقالت له في أمره فقال: ما كنت لأنقض عهدي مع فلان، قالت: فأنا أسأله ذلك، قال: أنت وذاك، ولا أرى لك، فإنه سفيهٌ ولا آمنه،
[ ٧ / ١٠٩ ]
فأبت، فأذن لها، فكتبت إلى الرجل تسأله ترفيهه، فكتب إليها: إني وإياك تولّينا للملك عملين يجب علينا تنظيفهما، فمتى وقع فيهما شفاعةٌ وقع التقصير، وقد وليت أمر الخراج واستنظافه، ووليت أمر حرك وتنظيفه؛ فإن كنت مشفّعةً في التقصير في عملك أحدًا أعلمتني لأشفّعك فيما سألت، وأنا متوقّع ما يرد به كتابك فأعمل بحسبه؛ فكتمت الكتاب، وسأل أنوشروان فأنكرت الكتاب والجواب.
قال أبو الأسود ﵀: العمامة خير ملبوس: جنّةٌ في الحرب، ووقايةٌ من الأحداث، ومكنّة من الحرّ، ومدفأة في البرد، ووقارٌ في النّديّ، وزيادة في القامة، وهي تعدّ من تيجان العرب.
شاعر: الوافر
إذا لبسوا عمائمهم ثنوها على كرمٍ وإن سفروا أناروا
[ ٧ / ١١٠ ]
يبيع ويشتري لهم سواهم ولكن بالطّعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني خريم فأنت لأكرم الثّقلين جار
قال فيلسوف: ليس سرور النفس بالمال، ولكن بالآمال.
ويقال: نقل المسرور عن سروره أسهل من نقل المهموم من همومه.
اختلف أصحاب السّهمي أيما أبرّ: الوالد أم الولد إذا اجتمعا في البرّ وتساويا فيه فقالوا: إن الوالد أبرّ، لأنّ برّ الوالد طبيعةٌ، وبرّ الولد فرضٌ، والفرض ثقيل.
لما مرض حميد الطّوسي مرضه الذي مات فيه، ذهب ليقبض إحدى رجليه فلم يقدر فقال: خرينا والله.
ختن صبيّ من آل جميل، وحضر محمد بن جميل فقال للحجّام: ارفق بالصبيّ فإنه أول مرة ختنّاه، فضحك منه.
شاعر: الطويل
فإن تكن الأيام قيدن مطلقًا وأطلقن من عقد الحبال أخا أسر
[ ٧ / ١١١ ]
فما زالت الأيام تستدرج الفتى وتختله من حيث يدري والا يدري
شاعر: المنسرح
أحسن من منزلْ بذي قار منزل خمّارةٍ وخمّار
وشرب كرخيّةٍ معتّقةٍ أحسن من أينقٍ وأكوار
وشمّ تفاحةٍ ونرجسةٍ أحسن من دمنةٍ وآثار
وقبلةٌ لا تزال تخلسها من رشإ عاقد لزنار
أحسن من مهمهٍ أضلّ به ومن سرابٍ هناك غرّار
وضرب عودٍ إذا ترجّعه بنان رود الشّباب معطار
أحسن عندي من أمّ ناجيةٍ وأمّ هندٍ وأمّ عمّار
دخل ابن خلف الهمذاني إلى رجل يعزّيه فقال: عظّم الله مصيبتك وأعان أخاك على ما يرد عليه من يأجوج ومأجوج؛ فضحك من حضر فقال: لم تضحكون؟ إنما أردت هاروت وماروت!
[ ٧ / ١١٢ ]
نقلت من خطّ أبي سعيد السيّرافي - وكان شيخ زمانه ثقةً ومعرفةً ودينًا وفضلًا، ومات في رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة -: دخل عبد الرحمن بن أمّ الحكم على معاوية فقال: بلغني أنّك قد لهجت بقول الشعر، قال: هو ذاك، قال: فإياك والمدح فإنه طعمة الوقاح من الرجال، وإياك والهجاء فإنك تحنق به كريمًا، وتستثير به لئيمًا، وإياك والتشبيب بالنساء فإنّك تفضح الشريفة، وتعرّ العفيفة، وتقّر على نفسك بالفضيحة؛ ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الأشعار ما تزيّن به نفسك، وتؤدّب به غيرك.
دخل محمد بن الحنفيّة رضوان الله عليه على عبد الملك بن مروان، فلما أراد أن يقوم وضع يده على فخذه فقال: ما هذا؟ فقال: أردت أن أمسّك لتمسّني منك رحمٌ؛ فأمر له بعشرة آلاف دينار.
[ ٧ / ١١٣ ]
دخل أيّوب بن جعفر بن سليمان على المأمون، فقال له في بعض خطابه: أنا والله يا أمير المؤمنين أودّك مودةً حرّة، وأبغض أعداك بغضةً مرّة، وأشكرك شكر من لم يعرف الإنعام بعد خالقه إّلا منك، ولا التفضّل من سواك؛ فقال المأمون: إنّك لتقول فتحسن، وتغيب فتؤتمن، وتحضر فتزيّن.
قال بزرجمهر: العاقل لا يجزع من جفاء الولاة وتقدمة الجاهل عليه، لأنّ الأقسام لم توضع على قدر الأحلام.
وشتم رجلٌ عمر بن عبد العزيز فقال: لولا يوم القيامة لأجبتك. فقال الحكماء: المسيء ميت وإن كان في منازل الأحياء والمحسن حي وإن كان في منازل الأموات قال الفضل بن يحيى: الصبر على أخٍ تعتب عليه خيرٌ من صديقٍ تستأنف مودته.
كان أبو سفيان إذا نزل به مستجيرٌ قال: يا هذا، إنك اخترتني
[ ٧ / ١١٤ ]
جارًا واخترت داري دارًا، فجناية يدك عليّ دونك، وإن جنت عليك يدٌ فاحتكم حكم الصبيّ على أهله.
كان على عهد كسرى رجلٌ يقول: من يشتري ثلاث كلماتٍ بألف دينار؟ فتطّير منه، إلى أن اتّصل قوله بكسرى، فأحضره وسأله عنها فقال: حتى يحضر المال، فأحضر، وقال له: قل، فقال: الواحدة: ليس في الناس كلّهم خيرٌ، فقال كسرى: هذا صحيح، ثم ماذا؟ قال: ولا بدّ منهم، فقال: صدقت، ثم ماذا؟ قال: فألبسهم على قدر ذلك، فقال كسرى: قد استوجبت المال فخذه؛ قال: لا حاجة لي فيه، قال: فلم طلبته؟ قال: أردت أن أرى من يشتري الحكمة بالمال؛ فاجتهد به كسرى في قبض المال، فأبى.
قال: كان يونس يقول: لا يحتمل الفقر إّلا بإيمانٍ صلب.
لما افتتحت بلخ في زمن عمر، وجد على بابها صخرةٌ مكتوبٌ
[ ٧ / ١١٥ ]
عليها: إنما يبين الفقير من الغنيّ عند الانصراف من بين يدي الله ﷿ بعد العرض.
دخل عطيّة بن عبد الرحمن الثّعلبي على مروان بن محمد، فلما صار على طرف البساط تكلّم، فملأه سرورًا، ثم قال: ايذن لي يا أمير المؤمنين أقبّل يدك، فقال له مروان: قد عرف أمير المؤمنين مكانك في قومك وفضلك في نفسك، والقبلة من المسلم ذلّة، ومن الكافر خدعة، ولا حاجة بك إلى أن تذلّ أو تخدع، وأنت الأثير عندنا على كلً حالٍ الخاء من خدعة كانت مضمونة من شكل بخط السيراني وفتحها لغة رسول الله ﷺ وضمها جائز.
جاءت امرأةٌ من عبس إلى أمير المؤمنين فقالت وهو على المنبر: يا أمير المؤمنين، ثلاثٌ بلبلن القلوب، قال: وما مات هي؟ قالت: رضاك بالقضيّة، وأخذك بالدنيّة، وجزعك عند البليّة، فقال لها: ويحك، إنما أنت امرأةٌ، فامضي واجلسي على ذيلك ودعي ما لست منه ولا هو منك! فقالت: لا والله، ما من جلوسٍ إّلا في ظلال السّيوف!
[ ٧ / ١١٦ ]
كتب رجلٌ إلى صديق له: أما بعد، فإن كان إخوان الثّقة كثيرًا فأنت أوّلهم، وإن كانوا قليلًا فأنت أوثقهم، وإن كانوا واحداُ فأنت هو.
قال عثمان لعامر بن عبد قيس العنبري - وكان ظاهر الأعرابية -: يا عامر، أين ربّك؟ قال: بالمرصاد؛ وقال: ما الخير؟ قال خير " كتب ربّكم على نفسه الرّحمة ".
قال عمرو بن العاص لما قتل عمّار بن ياسر ﵀: إنما قتله من ألقاه على ظباة سيوفنا وأسنّة رماحنا. فبلغ ذلك عليًا ﵇ فقال: ورسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم إذن قاتل عمّه حمزة إذ أتى به إليكم يوم أحد فقتلتموه، وكذلك كلّ من استشهد معه صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.
قال عمر بن عبد العزيز: ما شيءٌ كنت أحبّ علمه إّلا علمته، إّلا أشياء كنت أستصغرها فلا أسأل عنها، فبقي جهلها.
[ ٧ / ١١٧ ]
كان يحيى بن خالد يجري على سفيان الثوري كلّ شهرٍ ألف درهم، فسمع يحيى سفيان يقول في سجوده: اللهم، إنّ يحيى كفاني أمر دنياي فاكفه أمر آخرته، فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في منامه فقال له: ما صنع الله بك؟ فقال: غفر لي بدعوة سفيان.
دخل يوسف بن يعقوب على الرّشيد فقال: ممّن أنت؟ فقال: خراساني الآباء، بغدادي المنشأ، هاشميّ الولاء.
كان ابن داود يقول: لله درّ البرامكة، عرفوا تقلّب الزمان فبادروا بالفعل الجميل قبل العوائق.
وقف رجلٌ على قبر بعض الجبابرة فقال: أيها الجبّار، كم نفسٍ قتلتها طالبًا للراحة منها أصبحت اليوم وهي أكثر شغلك.
[ ٧ / ١١٨ ]
أنشد: الطويل
إذا فاخرتنا من معدٍّ قبيلةٌ فخرنا عليهم بالأغرّ ابن حاتم
يجرّ رياط الحمد في دار قومه ويختال في عرض من الذمّ سالم
لما عقد معاوية لعمروٍ على مصر، جعل وردان مولاه يضع عقبه على عقب عمروٍ ولا يعلم ما أراد بذلك؛ فلما خرج سأله فقال: أردت أن تستدعي منه ما يبقى لعقبك من بعدك.
الصبر صبران: صبر فريضةٍ وصبر نافلةٍ؛ فالفريضة تركك الحرام لخشية الله، والنافلة تركك الحلال للرغبة فيما عند الله.
قيل لابن عيينة: من أفقر الناس؟ قال: ليس أحدٌ دون أحد؛ قال الله ﷿ " يا أيّها النّاس أنتم الفقراء إلى الله ".
أم الحباب بنت غالب الكلابية: الطويل
[ ٧ / ١١٩ ]
تذكّرتك إذ جيٌّ بحرّ بلادها وإذ أهل جيٍّ بالسّيال كثير
إذا فزعوا طاروا إلى كل شطبة تكاد إذا صلّ اللّجام تطير
وزغفٍ مثنّاة دلاصٍ كأنّها إذا أشرجت فوق الكميّ غدير
سمع رجلٌ موسى بن جعفر ﵉ يقول في سجوده آخر الليل: أي رب، عظم الذّنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك.
وأنشدت: الهزج
أنا ابن الليل والخيل فنزّالٌ ورحّال
وللأموال بذّال وللأقران قتّال
نماني السيف والرمح فنعم العم والخال
فما تخفضني حالٌ ولا ترفعني حال
قيل لبعض الحكماء: لم صار الجواب منصورًا؟ قال: لأنّ الابتداء بغيٌ.
كتب المأمون إلى عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن
[ ٧ / ١٢٠ ]
ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵈ يسأله عن القرآن وما يقول فيه، فكتب إليه عبد الله: عافانا الله وإياك من كلّ فتنة، فإن يفعل فأعظم بها منّة، وإن لم يفعل فهي كالهلكة. نحن نرى الكلام في القرآن بدعةً اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلّف المجيب ما ليس عليه، ولا خالق إّلا الله ﷿، وما دون الله تعالى فهو مخلوق، والقرآن كلام الله تعالى، فانته بنفسك والمخالفين إلى أسمائه التي سمّاه الله ﷿ بها تكن من المهتدين، ولا تسمّ القرآن باسمٍ من عندك فتكون من الضالّين، " وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون "، جعلنا الله وإياك من " الذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من السّاعة مشفقون ".
قال أبو العباس: لمّا علم الله تعالى أنّ أعمال العباد لا تفي بذنوبهم، خلق العلل والأمراض ليكفّر عنهم بها السيّئات.
قال الموبذ بحضرة المأمون: ما أحسنت إلى أحدٍ ولا أسأت، فقال المأمون: وكيف ذلك؟ قال: لأني إن أحسنت فإلى نفسي، وإن أسأت
[ ٧ / ١٢١ ]
فإليها؛ فلما نهض قال المأمون: أيلومني الناس على حبّ من هذا عقله؟ سخط الرشيد على حميد الطّوسي، فدعا له بالسيف والنّطع، فلما رآه بكى، قفال له: ما يبكيك؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما أفزع من الموت لأنّه لا بدّ لي منه، وإنما بكيت أسفًا على خروجي من الدنيا وأنت ساخطٌ عليّ، فضحك وقال: البسيط
إنّ الكريم إذا خادعته انخدعا
قيل الرجل: لم تركت السلطان أحوج ما كنت إليهم محتاجًا فال يغنيني عنهم الذي تركتهم له أنشد: البسيط
نبّهت زيدًا فلم أفزع إلى وكلٍ رثّ السلاح ولا في الحيّ مغمور
[ ٧ / ١٢٢ ]
سالت عليه شعاب الحيّ حين دعا أنصاره بوجوهٍ كالدنانير
وقّع المنصور: قد أمنّت كلّ مذنب، وشكرت كل بريّ، وجبرت كلّ وليّ.
أنشدت: الطويل
يدي جرحتني أخطأت أم تعمّدت فهل لي عن صبرٍ على ذاك من بدّ
ولو غير جلدي رابني لحزرته وكنت به طبًّا ولكنّه جلدي
قال أبو يعقوب الأزدي لبعض الولاة: إنّ الناس يتوسّلون إليك بغيرك فينالون معروفك، وإني أتوسّل إليك بك ليكون شكري لك لا لغيرك.
قال عبد الله بن العباس لأمير المؤمنين ﵇: اجعلني مع عمرو بن العاص، فلعمري لأعقدنّ له حبلًا لا ينقطع وسطه، ولا ينتهي طرفه، فقال له عليّ ﵇: لست من مكره ومن مكر معاوية في شيء، فقال: والله لا تزال حتى يغلب حقّك بالباطل.
لما دخل حذيفة المدائن خطب فحمد الله ﷿ وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم ثم قال: " إن الدنيا دار هدنة
[ ٧ / ١٢٣ ]
ومنزل قلعة، والسّير بكم إلى دار المقامة، فأعدّوا الجهاد لبعد المفازة ".
كان رجلٌ من أهل اليمامة يهوى ابنة عمٍّ له، فبلغه أنها استبدلت بدلًا فقال: الطويل
وقال أناسٌ إنّ ليلى تبدّلت فقلت: فإني ناظرٌ من قرينها
فإن يك ذا فضلٍ عليّ عذرتها وكانت للبلى بيعةٌ لا تشينها
وإن كان من أوباش من تجمع القرى أقل: تعست ليلى فشلّت يمينها
كتب معاوية إلى مروان: ابعث إليّ بالمنبر واقلعه؛ فأصاب الناس ريحٌ مظلمةٌ حتى ظهرت الكواكب نهارًا ثم انجلت، فقال مروان: إنكم تزعمون إنّ أمير المؤمنين أمرني بقلع منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وحمله إليه؟! أمير المؤمنين أعلم بالله ﷿، إنما برفعه عن الأرض، ثم عمل عليه ستّ درجات، فما زاد أحدٌ بعده.
ومن كلام الخلفاء: اللسان خادم الفؤاد.
ومن جيّد صفات السيوف: الكامل
[ ٧ / ١٢٤ ]
إنّي لبست لحربكم فضفاضةً كالنهي رقرقه هبوب شمال
ومهنّدًا كالبرق ليس لحدّه عهدٌ بتمويهٍ ولا بصقال
ترضيك هزّته إذا ما شمته وتقول حين تراه: لمعة آل
مكتوب في الإنجيل: الحجر الواحد المغصوب في الحائط عربون الخراب.
عيسى بن عقبة: الوافر
بكينا يوم فرقة آل حزوى فلاقت مثل فرقتنا الرّكاب
إذا خطراتها خطرت علينا ظللنا لا يسوغ لنا شراب
قال ابن الزيّات الوزير: لا يتصوّر لك التّواني بصورة التوكّل فتخلد إليه وتضيع الحزم، فإنّ الله ﷿ ورسوله صلّى الله عليه وآله أمر بذلك؛ قال الله ﷿ " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله "، فجعل التوكّل بعد العزم، والمشورة قبله، وقال النبيّ
[ ٧ / ١٢٥ ]
صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم لصاحب الناقة: " اعقلها وتوكّل ".
الآمال مصائد الآجال، تطول ولا تتطاول.
توقّي الصّرعة أسهل من طلب الرّجعة.
أيدي العقول تمسك أعنّة الأنفس.
الجاهل صغيرٌ وإن كان كبيرًا.
الكبر ذلٌ لمن تعزّز به.
وأنشد: الطويل
وكم باب رزقٍ قد فتحت بصارمٍ حسامٍ ولم يغلق عن الضّيف بالعذر
وما أخذت كفّي بقائم نصله فحدّثت نفسي بانهزامٍ ولا فقر
وأنشد: الطويل
سقى ورعى الله الأوانس كالدّمى إذا قمن جنح الليل منبهرات
إذا مسن قدّام البيوت عشيّةً قطاف الخطا يرفلن في الحبرات
[ ٧ / ١٢٦ ]
ذهبن بحبّات القلوب فأقبلت إليهنّ بالأهواء مبتدرات
لقي يحيى عيسى صلّى الله عليهما فتبسّم يحيى، فقال له عيسى: إنك لتبتسم ابتسام آمنٍ، فقال له يحيى: إنك لتعبس عبوس قانطٍ، فأوحى الله ﷿ إلى عيسى: الذي يصنع يحيى أحبّ إليّ.
خطب عبد الملك بن مروان، فلما انتهى إلى موضع العظة من خطبته قام إليه رجل من آل صوحان فقال: مهلًا مهلًا، إنكم تأمرون ولا تأتمرون، وتنهون ولا تنتهون، وتعظون ولا تتّعظون، أفنقتدي بسيركم في أنفسكم، أم نطيع أمركم بألسنتكم؟ فإن قلتم: اقتدوا بسيرتنا فأنّى وكيف، وما الحجّة، وأين النصر من الله ﷿ في الاقتداء بسيرة الظّلمة الخونة الذين اتخذوا مال الله دولًا، وعباده خولًا؟ وإن قلتم: أطيعوا أمرنا، واقبلوا نصيحتنا، فكيف ينصح غيره من يغشّ نفسه؟ وكيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عدالته؟ وإن قلتم: خذوا الحكمة حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممن
[ ٧ / ١٢٧ ]
سمعتموها، فعلام قلّدناكم أزمّة أمورنا، وحكّمناكم في دمائنا وأموالنا وأدياننا؟ وما تعلمون أنّ فينا من هو أفصح بصنوف اللغات، وأعرف بوجوه الكلام منكم، فتحلحلوا لهم عنها، وإّلا فأطلقوا عقالها، وخلّوا سبيلها، يبتدر إليها من شردتموهم في البلاد، وقتلتموهم في كلّ واد؛ وأما لئن ثبتت في أيديكم لاستيفاء المدة، وبلوغ الغاية، وعظم المحنة، إنّ لكلّ قائمٍ يومًا لا يعدوه، وكتابًا يتلوه " لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إّلا أحصاها " " وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون ". هكذا وجدت بخطّ السيرافي، وما رأيت له إسنادًا.
ولقد ملكني العجب بهذا الكلام، فإني ما سمعت أحسن موقعًا منه. والذي يزيد في التعجب قيام هذا الرجل إلى ذلك العفريت بهذا الكلام الذي ينفذ منفذ السهم ويعمل عمل السمّ، سبحان الله ما كان أبلّ ريقه، وأجلح وجهه، وأقوى منته، وأصدق نيّته، وأقتل مرّته؛ وما تكاد ترى مثل هذا في زمانك، أي والله ولا من دونه ولا من يحكي هذا القول بعينه. لقد خسّ حظّ الأديب، وخوى نجم الأدب، وانثلم ركن الدين، وخاس عهد
[ ٧ / ١٢٨ ]
المسلمين، وأصبح أهل زمانك أتباع مرغوب إليه ومرهوب منه.
ومن إنشادات إسحاق بن إبراهيم: الكامل
إنّا إليك مع الذّميل رمت بنا قلصٌ لها تحت الرّكاب عرام
يحملننا ومدائحًا من لؤلؤٍ لو كان من درٍّ يكون كلام
الصّمة القشيري: الطويل
ولمّا رأينا سبخة الرمل أعرضت ولاحت لنا حزوى وأعلامها الغبر
شربنا سجال الشوق حتى كأنما جرت فاستقرت في مفاصلنا الخمر
يظلّ لعينيك اللجوجين واكفٌ من الدّمع أّلا ينطق الطّلل القفر
علام تقول الهجر يشفي من الجوى ألا لا ولكن أوّل الكمد الهجر
أنشد: الطويل
ولمّا رأت هند أنابيب رأسه كأنّ بجبينها هشيم حماط
بكت عين هندٍ عن بياضٍ وتحته رياطٌ من الأحساب أيّ رياط
[ ٧ / ١٢٩ ]
شاعر: البسيط
ما كان في الأرض إّلا اثنان قد علما معنٌ وذو هيدب دانٍ له درر
يحيي البهائم هذا وهي راتعةٌ وكان معنٌ حيًا للجود ينتظر
فأضحت الأرض قد ولّت غضارتها فليس جودٌ ولا معنٌ ولا مطر
انشد: الطويل
وقد كنت أرجو منكم خير ناصرٍ على حين خذلان اليمين شمالها
فإن انتم لم تحفظوا لمودّتي ذمامًا فكونوا لا عليها ولا لها
عشق مدنيٌّ امرأةً، وكان سمينًا، فقالت له: تزعم انك تهواني وقد ذهبت طولًا وعرضًا، فقال: إنما سمنت من فرط الحبّ، لأني آكل ولا أشعر، وأشبع ولا أعلم.
يقال: كلّ شيءٍ إذا كثر رخص إّلا العقل، فإنه إذا كثر غلا
[ ٧ / ١٣٠ ]
هذا من جيد الكلام؛ هكذا كان بخط أبي سعيد فنقلته على هيئته.
أنشد: الكامل
ناهضت بالحسن عمران الندى فتنبّهت لرجائه آمالي
سكناته عدةٌ وفي نطقاته تفريق جمع خزائن الأموال
وإذا استجرت أجار عدمك ماله من صولة الحدثان والإقلال
وجه الواثق رجلًا إلى رجلٍ يعرف مقدار عقله، فمضى وعاد، فسأله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، دخلت على رجلٍ في حصنٍ من عقله.
قال موبذ: مات بعض الأكاسرة، فوجدوا له سفطًا، ففتح فإذا فيه حبّة رمّانٍ كأكبر ما يكون من النّوى، ومعها رقعةٌ فيها مكتوب: هذا حبّ زمّنٍ عمل في خراجه بالعدل.
تعزّ عن الشيء إذا منعته لقلّة ما يصحبك إذا أعطيته، وما خفّف الحساب وقلله خيرٌ مما كثّره وثقّله.
قال زياد لابنه: عليك بالحجاب، فإنّما تجرّأت الرّعاة على السّباع بكثرة نظرها إليها؛ وهذا يخالف ما روي عن سعيد بن المسيّب أنه قال: نعم الرجل عمر بن عبد العزيز لولا حجابه، إن داود ابتلي بالخطإ لحجابه.
[ ٧ / ١٣١ ]
في قوله: " فاصفح الصّفح الجميل "، قال: الرّضا بلا عتاب، وفي قوله: " فاصبر صبرًا جميلًا "، وقال: صبرًا لا شكوى معه.
حجّ أبو دلف القاسم بن عيسى، فامتدحه شاعر فقال: أحسنت، فقال الرجل: إن القاضي إذا أسجل عجّل، فقال أبو دلف: إيت الكرج فقال: أخاف العرج؛ فأمر له بخمسين ألف درهم.
" لينذر من كان حيًا " قال: من كان عاقلًا.
بعضهم: الدنيا تضرّ بمقدار ما نفعت، وتفجع بمقدار ما متّعت، وتغصّ بمقدار ما أساغت، وتسيء بمقدار ما أحسنت.
قال جعفر بن محمد الصادق ﵉: المستدين تاجر الله في أرضه.
خالد الكاتب: المتقارب
مثالٌ من المسك والعنبر سباني بطرفٍ له أحور
[ ٧ / ١٣٢ ]
وكم ذقت من ريقه خمرةً جرت بين سمطين من جوهر
سمع يحيى بن معاذ الرازي يقول: لولا ثلاث تثقل المؤمن لهام سرورًا؛ قيل له: وما هي؟ قال: ألم المصائب، وتذكّره الذنوب، وشغله بطلب المعاش.
ومن كلامه: الحكمة عروس العلم.
يحيى بن معاذ: عامل الله بالإخلاص، والناس بالمداراة، والنفس بالزّراية عليها.
قال عمر بن الخطاب: إذا رأيناكم كان أحسنكم جهرةً أقربكم من قلوبنا، فإذا كلّمناكم كان أحسنكم بيانًا أزلفكم عندنا، وإذا خبرناكم كانت الخبرة من وراء ذلك.
قال عبد الملك بن عمير - وأومأ بيده إلى قصر الإمارة بالكوفة -: دخلت هذا القصر فرأيت عجبًا؛ رأيت عبيد الله بن زياد جالسًا على سريره وبين يديه ترسٌ فيه رأس الحسين بن علي ﵉ ولعن قاتلهما،
[ ٧ / ١٣٣ ]
ثم دخلت هذا القصر فرأيت المختار جالسًا على السّرير وبين يديه ترسٌ فيه رأس عبيد الله بن زياد، ثم دخلت هذا القصر فرأيت مصعب بن الزبير بن العوّام وهو جالسّ على السّرير وبي يديه ترسّ فيه رأس المختار، ثم دخلت القصر فرأيت عبد الملك بن مروان جالسًا على السرير وبين يديه ترسٌ فيه رأس مصعب.
هكذا وجدت بخطّ السيّرافي، والخبر مشهور، إلا أنني أنست بخطّه.
قال جعفر بن محمد ﵉: كان أبي لا يتّخذ السّلاح في بيته ويقول: قال رسول الله ﵌: " من اتخذ شيئًا احتاج إليه، وأنا لا أحبّ أن أحتاج إلى السّلاح ".
حثّ رجلٌ رجلًا على الأكل من الطعّام فقال: عليك تقريب الطعام، وعلينا تأديب الأجسام.
لمّا أتي الحجّاج بكميل بن زيادٍ وابن ضابئ قال لبعض الحرس: اضرب عنقه، فقال الحرسي: ولي أجره؟ فغضب الحجّاج وقال:
[ ٧ / ١٣٤ ]
إذا قلنا إن الله تعالى ساق إلينا أجرًا نتفرّد به سألنا أحدهم أن يشركنا فيه؛ اضرب عنقه، ولك ثلث أجره ولي ثلثاه.
قيل لابن الدكين: ما الدليل على أنّ المشتري سعدٌ؟ قال: حسنه.
مات الهادي وولي الرشيد وولد المأمون في ليلةٍ واحدة.
كان مسلم اليتيم جميلًا فقيل له: ما منعك من مراسلة النساء الحسان مع جمالك ورغبتهنّ في أمثالك، فقال: عفةٌ طباعية، وغيرةٌ إسلامية، وكرمٌ موروث، ومعرفةٌ بقبح العار.
وجّه أبو مسلم قحطبة بن شبيب الطائي يحارب يزيد بن عمر ابن هبيرة - وكان عامل مروان على العراقين - فغرق قحطبة وانهزم يزيد بن عمر، فكتب إلى مروان بالخبر، فقال مروان: هذا والله الإدبار، وإلا فهل
[ ٧ / ١٣٥ ]
سمعتم بميتٍ هزم حيًا؟! كانت حربهما فيما أظنّ بالفلج، كذا كان بخطّ السّيرافي.
قام رجلٌ لبعض الولاة فقال له: لم قمت؟ قال: لأجلس فوّلاه.
شاعر: المتقارب
هم القوم إن نابهم حادثٌ من الدّهر في شدّةٍ يصبروا
وإن نعمةٌ مسّهم بردها مشوا قاصدين ولم يبطروا
خضارمةٌ عسرهم كالغنى وهم كالرّبيع إذا أيسروا
سعى للمكارم آباؤهم وكانوا بينهم فما قصّروا
آخر: الطويل
تودّعني والدّمع يجري كأنّه لآل وهت من سلكها تتحدّر
وتسألني هل أنت بي متبدّلٌ فقلت: نعم سقمًا إلى يوم أحشر
فقالت: تصبّر لا تمت بي صبابةً فقلت لها: هيهات مات التصبّر
[ ٧ / ١٣٦ ]
قيل لعبد الملك بن مروان: متى ولدت؟ قال عند معترك المنايا، يريد: أيام الشّورى.
قال أنس بن مالك: كنت عند الحسين ﵇، فدخلت عليه جاريةٌ بيدها ريحانٌ فحيّته بها فقال بها: أنت حرّةٌ لوجه الله فقلت له: تحييك جارية بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ فقال: كذا أدّبنا الله تعالى قال الله ﷿ " وإذا حييتم بتحيةٍ فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها " وكان أحسن منها عتقها.
وقّع هارون إلى عامله بالكوفة: حاب علية الناس في كلامهم، وسوّ بينهم وبين السّفلة في أحكامك.
قدم بريدٌ من الشام على عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: كيف تركت الشام؟ فقال: تركت ظالمهم مقهورًا، ومظلومهم منصورًا، وغنيّهم موفورًا، وفقيرهم محبورا؛ فقال عم: الله أكبر، والله لو كانت لا تتمّ خصلةٌ من هذه إّلا بفقد عضوٍ من أعضائي لكان ذلك عليّ يسيرًا.
شاعر: البسيط
[ ٧ / ١٣٧ ]
لا تعرف الناس أعلاهم وأسفلهم وإن ظننت بهم خيرًا وإن ظرفوا
حتّى تكلّفهم عند امتحانهم في الجاه والمال حاجات فينكشفوا
قيل لعمارة بن عقيل: ما أجود الشعر؟ قال: ما كان كثير العيون، أملس المتون، لا يمجّه السّمع، ولا يستأذن على القلب.
في قول الله تعالى " إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم " قال: زاد في طول الثياب شبرًا.
قال بعض الحكماء: يحسن الامتنان إذا وقع الكفران، ولولا أنّ بني إسرائيل كفروا النّعمة ما قال الله تعالى " اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ".
قال الحجّاج على المنبر: يقول سليمان " ربّ اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي " إن كان لحسودًا.
دخل على المهديّ وفدٌ من خراسان، فقام إليه رجلٌ من أهل سمرقند فقال: أطال الله بقاء الأمير أمير المؤمنين، إنّا قومٌ نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخطب، وأمير المؤمنين يعرف طاعتنا، وما فيه
[ ٧ / ١٣٨ ]
مصلحتنا، فيكتفي منا باليسير من الكثير، ويقتصر على ما في الضّمير دون التفسير، فقال له المهدي: أنت أخطب من سمعت.
يقال: من كانت فيه لله حاجةٌ لم تزل له إلى الله حاجة - هكذا كانت هذه اللفظة بخطّ السّيرافي ونقلتها كما وجدتها، وأنا أستجفي ما دونها، والمغزى فيها صحيح، وإن كانت العبارة نابيةً، ولولا أنّي وجدتها بخطّ هذا الرجل ما تجوّزت روايتها. على أنّ الله تعالى يتعالى عن جميع ما حوته الضّمائر، وصاغته الأوهام، وعنته الألسن، ونحته الإشارات، فليس يلحقه نقص الناقصين، ولا يكمل بكمال الكاملين.
قال عبد الملك بن مروان لزفر بن الحارث: ما ظنّك بي؟ قال: أنّك تقتلني، فقال: قد أكذب الله ظنّك، وقد عفوت عنك.
قال الحسن: من كانت الدنيا عنده وديعةً أدّاها إلى من ائتمنه عليها ثم راح إلى ربه مخفًّا؛ ما لي أراكم أخصب شيءٍ ألسنة وأجدبه قلوبًا؟ قال عمر بن الخطاب: ليت شعري متى أشفي غيظي؛ أحين أقدر فيقال هلاّ غفرت، أم حين أعجز فيقال هلا صبرت!!
[ ٧ / ١٣٩ ]
قال عبيد الله بن يحيى لأبي العيناء: كيف الحال؟ قال: أنت الحال، فانظر كيف أنت لي؛ فأحسن صلته.
وأنشد: المنسرح
يا بدر ليلٍ توسّط الفلكا ذكرك في القلب حيثما سلكا
إن تك عن ناظري نأيت فقد تركت عقلي عليك مشتركا
أسلمت عيّني للسّهاد كما أسلم جفني عليك ما ملكا
ما كنت أرجو السّلوّ من سنن ال دّمعة إلا لشانئ فبكى
ولا بدا لي شيءٌ سررت به بعدك إلا نظرت لي ولكا
الخليل: الطويل
ألا أيها المهديّ غير مدافعٍ رجاؤك خيرٌ من عطاء سواكا
ففعلك موصولٌ بقولك كلّه وأطيب ما سمع العباد ثناكا
العرب تقول: الغنى طويل الذيل ميّاس.
ذكر عند سلام بن أبي مطيع الرجل تصيبه البلوى فتبطئ عنه الإجابة فقال: بلغني أن الله ﷿ يقول: كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟
[ ٧ / ١٤٠ ]
شاعر: الكامل
إنّي لأدّرع الفلاة وما أرى شبحًا فيسنح ذكرها بحيالها
فأنص راحلتي بها وأهزها بعد اتصال كلالها بكلالها
وكأنّني والعيس تدّرع الفلا مصغٍ بأذنٍ لاستماع مقالها
فكأنّ طرفي حيث كنت وإن نأت دارٍ بها متعلّقٌ بمثالها
قال أمير المؤمنين عليّ ﵇: قيمة كلّ امرئٍ ما يحسنه.
كتب الحجّاج إلى عبد الملك كتابًا يقول فيه: كنت أقرأ في المصحف فانتهيت إلى قوله تعالى " فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّقين والشّهداء " فأردت ألحق به: والخلفاء قال: فجعل عبد الملك يقول: يا للحجاج ما أكفره وأجسره قاتله الله! قال إياس: كان لي أخٌ صغيرٌ فقال لي: من أي ّ شيء خلقنا؟
[ ٧ / ١٤١ ]
قلت: من طين، فتناول مدرةً فقال: من هذا؟ قلت: نعم منها خلق الله تعالى آدم، قال: أفيعيدنا الذي خلقنا كما كنّا؟ قلت: نعم، قال: لم؟ قلت: ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، قال: فينبغي أن نخافه إذن؟ قلت، أجل، فمات وهو صغير.
شاعر: الطويل
أناقش من ناجاك مقدار لحظةٍ ويعتاد نفسي إن نأيت حنينها
وإنّ وجوهًا يصطبحن بنظرةٍ إليك لمحسودٌ عليك عيونها
قال عليّ بن أبي طالب ﵇: أتفترّ عن واضحة، وقد كسبت الذنوب الفاضحة؟ شاعر: البسيط
موفقٌ لسبيل الرّشد متّبعٌ يزينه كلّ ما يأتي ويجتنب
له خلائقٌ بيضٌ لا يغيّرها صرف الزمان كما لا يصدأ الذّهب
قال أمير المؤمنين ﵇: توقّ من إذا حدّثك كذبك،
[ ٧ / ١٤٢ ]
وإذا حدّثته كذّبك، وإذا ائتمنته خانك، وإذا ائتمنك اتهمك.
قطع على قومٍ بالبادية فكتب الحجاج إلى بني عمرو بن حنظلة: من الحجّاج بن يوسف إلى من بلغه كتابه: أمّا بعد، فإنكم أقوامٌ قد استحكمتم على هذه الفتنة، فلا على حقٍّ تقيمون، ولا على باطلٍ تمسكون، وإني أقسم بالله تعالى لتأتينّكم مني خيلٌ تدع أبناءكم يتامى ونساءكم أيامى، ألا وأيّما رفقةٍ مرّت بأهل ماءٍ فأهله ضامنون لها حتى تأتي الماء الآخر والسلام. فكانت الرفقة إذا وردت أهل الماء أخذوها حتى يؤدّوها إلى الماء الآخر.
نازع عبد الملك بن مروان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأربى عليه فقيل له: اشكه إلى عمّك معاوية لينتقم لك منه، فقال: مثلي لا يشكو، ولا يعدّ انتقام غيري لي انتقامًا. فلما استخلف قيل له في ذلك فقال: حقد السلطان عجزٌ.
قال بعضهم: من طالت لحيته تكوسج عقله.
[ ٧ / ١٤٣ ]
قال أبو الدرداء: بئس المعين على الدّين، قلبٌ نخيب وبطن رغيب.
مما يستدلّ به على شرف الرجل أّلا يزال يحنّ إلى أوطانه، ويصبو إلى إخوانه، ويبكي على ما مضى من زمانه.
كتب رجلٌ إلى أخيه: أنا وإن كنت مستبطئًا لنفسي في مكاتبتك ومواصلتك فإنّي غير مستبطئ لها في العلم بفضلك والتوفّر على إخائك.
قال الأحنف: إنّ الرجل يعذر أّلا يصيب الحقّ، ولا يعذر إذا سمع الصواب أن لا يعرفه.
قال بعض الزّهّاد: أعداء الإنسان ثلاثة: نفسه في دينه، ودنياه، وشيطانه؛ فالاحتراس من النفس بقطع الشّهوة، ومن الشيطان بتعمّد المخالفة، ومن الدّنيا بالزّهد فيها.
شاعر: الكامل
يعطي على الغضب المشدّد والرّضى وعلى التّهلّل والعبوس الأربد
كالغيث يسقي العالمين بأبيضٍ من غيمه وبأحمرٍ وبأسود
آخر: مجزوء الوافر
له خلقان لم يدعا له مالًا ولا نشبا
[ ٧ / ١٤٤ ]
سخاءٌ ليس يملكه وحلمٌ يملك الغضبا
وحلمٌ لم يكن ذلًاّ وجودٌ لم يكن لعبا
قيل لصوفيّ: ما علامة حقيقة التعبّد؟ قال: أن يقبل إذا أعطي ويرضى إذا منع.
ومن كلام يحيى بن معاذ: الاقتصاد في العيش ضيعةٌ لم تتكلّف منها؛ تمتّع القلوب في الدنيا غفلتها عن الآخرة؛ الزهد حلوٌ مرّ، أما حلاوته فاسمه والمذاكرة به، وأما مرارته فمعالجته.
كان بالبصرة أهل بيت يلقّبون الناس على الوجه، فخطب إليهم رجلٌ وقال: أتزوج إليكم على شريطة، فقالوا: وما هي؟ قال: على أن لا تلقّبوني وتدعوني رأسًا برأس، قالوا: فتلقبّك رأسًا برأس، فعرف بذلك اللقب.
قوله تعالى " فإذا جاءت الطّامّة الكبرى " أي إذا دفع إلى مالك؛ وقوله تعالى " فبصرك اليوم حديدٌ " قال إلى عين الميزان.
يقال: من أصبح لا يحتاج إلى حضور باب سلطانٍ لحاجة، أو
[ ٧ / ١٤٥ ]
طبيب لضّر، أو صديقٍ لمسألة، فقد عظمت عنده النّعمة.
قيل لبعض أهل البيت صلوات الله عليهم: أيّما خيرٌ للإنسان: الموت أو الحياة؟ قال: الموت، قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ الله ﷿ قال " وما عند الله خيرٌ للأبرار " فإن كان برًّا فالموت خير له، وقال في الفجار " ليزدادوا إثمًا " فلان لا يزداد إثمًا خيرٌ له.
يقال: الحاجات تطلب بالرّجاء وتدرك بالقضاء.
من كلامهم: كلّ مكسوب مسلوب.
دخل حاتم الأصمّ على عاصم بن يوسف فقال: يا حاتم، أتحسن أن تصلي؟ قال: نعم، قال: وممن تعلّمت الصّلاة؟ قال: من شقيق، قال: فكيف تعمل؟ قال: إذا حان وقت الصلاة أتوضأ وأدخل المسجد وأقوم فأرى الخالق ﷿ فوقي، والصّراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن يساري، وملك الموت وراء ظهري، والكعبة قبلتي، ومقام إبراهيم في قلبي، ثم أكبّر تكبيرًا بالخوف، وأقرأ قراءةً بالترتيل، وأركع ركوعًا بالتّمام،
[ ٧ / ١٤٦ ]
وأسجد سجودًا بالتّواضع، وأتشهّد تشهّدًا بالرّجاء، وأسلّم بالرحمة؛ فبكى عاصم وقال: يا حاتم، لم أصلّ هذه الصلاة منذ ثلاثين سنةً على هذه الطريقة.
قال رجل لإبراهيم بن أدهم: عظني، قال: يكفيك من التوسّل إليه صدق التوكّل عليه.
قال المدائني: أوّل من قطع ألسن الناس عن الخطبة عبد الملك: خطب الناس فقام إليه رجل فقال عبد الملك: والله ما أنا بالخليفة المستضعف ولا الإمام المصانع، وإنكم تأمرونا بأشياء تنسونها من أنفسكم؛ والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إّلا أوردته تلفه.
لما تولّع زياد بشيعة أمير المؤمنين ﵇، قال الحسن: اللهم تفرّد بموته فإن القتل كفّأرة.
[ ٧ / ١٤٧ ]
وقال يحيى بن أبي كثير في قول الله ﷿ " في روضةٍ يحبرون " قال: السمّاع.
قال ابن السمّاك: وجدت الدنيا كحلم نائم، وبرقٍ لامع، وفيءٍ زائل.
ثعلب: الكامل
غيثان مكروهان: غيثٌ سحابةٍ يمحو الرّسوم من الحبيب الظاعن
أو غيث عينٍ أسبلت عبراتها تبدي مصونًا من سرير صائن
هذا خرابٌ للدّيار وهذه فيها خراب محاجرٍ ومحاسن
لما استخلف المهدي أخرج من في السجون من أصحاب الجرائم فقيل له: إنما تزري على أبيك، فقال: أنا لا أزري علىأبي، وإنما أبي حبس بالذّنب وأنا أعفو عنه.
ولي رجلٌ أصبهان، فدخل عليه الناس يثنون ويقرّظون، فدخل في أخريات الناس رجلٌ فقال: قدمت خير مقدم، إن تحسن تجد عندنا
[ ٧ / ١٤٨ ]
شكرًا، أو تسئ تجد عندنا غفرًا، والثناء من بعد البلاء، والتزكية بعد الاختبار، والشهادة بالإحسان تقع بعد الامتحان؛ فقال الوالي: ما هذا رجل؛ هذا بلد! شاعر: الطويل
وعاذوا عياذًا بالفرار وقبلها أضاعوا بدار السّلم حرزًا ومعقلا
بني عمّنا أيقظتم الشرّ بيننا وكانت إليكم عدوة الشرّ أعجلا
ولما أشبّوا الحقد تحت صدورهم حسمناه عنّا قبل أن يتكهّلا
قدم قومٌ من بني أميّة على عبد الملك بن مروان فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن من تعرف، وحقّنا لا ينكر، جئناك من بعد نمتّ بقرابةٍ، فمهما تعطنا من خير فنحن أهله منك، كما أنّك أهل الشكر منّا. قال: فتطاول عبد الملك وقال: يا أهل الشام، هؤلاء قومي وهذا كلامهم.
أوّل كلام الحسن البصري أنه صلّى بأصحابه يومًا ثم انفتل إليهم وأقبل عليهم وقال: " أيّها الناس، إني أعظكم وأنا كثير الإسراف على نفسي، غير مصلحٍ لها، ولا حامل لها على المكروه من طاعة ربّها، قد بلوت نفسي في
[ ٧ / ١٤٩ ]
السّرّاء، فلم أجد لها تكبير شكرٍ عند الرّخاء، ولا كبير صبر عند البلاء، ولو أنّ الرجل لم يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل في الذي خلق له من طاعة ربّه، لقلّ الواعظون السامعون الدّاعون إلى الله بالحثّ على طاعته؛ ولكن في اجتماع الإخوان واستماع الحديث بعضهم من بعض حياةٌ للقلوب، وتذكيرٌ من النسيان. أيها الناس، إنما الدنيا دار من لا دار له، وبها يفرح من لا عقل له، فأنزلوها منزلتها "؛ ثم أمسك.
كان من دعاء أمير المؤمنين ﵇: اللهمّ لا تجعل الدنيا لي سجنًا، ولا فراقها عليّ حزنًا، أعوذ بك من دنيا تحرمني خير الآخرة، ومن أملٍ يحرمني خير العمل، ومن حياةٍ تحرمني خير الممات.
قال الحسن في قوله تعالى " وما نرسل بالآيات إّلا تخويفًا " قال: الموت الذّريع.
وقال رجلٌ لسليمان الشاذكوني: أرانيك الله يا أبا أيوب على قضاء أصبهان، فقال له سليمان: إن كان ولا بدّ فعلى خراجها، فإنّ أخذ أموال
[ ٧ / ١٥٠ ]
الأغنياء أسهل من أكل أموال الأيتام.
سمع أبو سليمان الداراني يقول: إلهي وسيدي، إن طالبتني بشرّي طالبتك بتوحيدي، وإن طالبتني بذنوبي طالبتك بكرمك، وإن حبستني في النار أخبرت أهلها بمحبتي لك.
استأذن عبد الله بن عمر على الحجّاج ليلًا، فقال الحجّاج: إحدى حمقات أبي عبد الرحمن، فدخل، فلما وصل إليه قال له الحجّاج: ما جاء بك؟ قال: ذكرت قول رسول الله ﵌: " من مات ولم يبايع إمام عصره وزمانه مات ميتةً جاهليةً "، فقال له: أتتخلّف عن بيعة عليّ بن أبي طالب وتبايع عبد الملك؟ بايع رجلي فإنّ يدي عنك مشغولة، ومدٌ إليه رجله.
أتي المنصور برأس بشير الرحال، وكان خرج مع محمد بن
[ ٧ / ١٥١ ]
عبد الله، فقال له: رحمك الله، لقد كنت أسمع لصدرك همهمةً لا يسكنها إلا برد عدلٍ، أو حرّ سنان.
أوصى أبو بكر خالد بن الوليد لما وجّهه إلى بعض غزواته فقال له: استكثر من الزاد، واستظهر بالأدلاّء، وإذا جاءتك رسل أعداءك فامنع الناس من محادثتهم حتى يخرجوا جاهلين، وأقلل الكلام، فإنما لك ما وعي عنك، وكن بعيدًا من الحملة، فإنني لا آمن عليك من الجولة، ولا تقاتلنّ على جزعٍ فإنّه فاتٌّ بعضدك.
قال رجلٌ لخالد بن صفوان: علّمني كيف أسلّم على الإخوان، قال: لا تبلغ بهم النّفاق، ولا تقصّر بهم عن الاستحقاق.
دخل صبيٌّ مع أبيه الحمّام فعاد إلى أمه فقال: يا أمّي، ما
[ ٧ / ١٥٢ ]
رأيت أصغر زبًّا من أبي، فقالت: في أيّ شيءٍ كان لأمك بختٌ حتى يكون لها في هذا؟ قال عبد الحميد: إن الله ﷿ يعطي الكثير من الخير باليسير من العمل، ويعفو عن العظيم من الذّنب بالصغير من الطّلب، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
من دعاء العرب: فتّه الله فتًا، وحتّه حتّا، وجعل أمره شتّى ووصف مدينيّ لرجلٍ مغنيةً بحسن المسموع فقال: والله لو سمعتها ما أدركت ذكاتك.
قيل لأبي الأسود عند الموت: أبشر بالمغفرة، قال: وأين الحياء مما كانت له المغفرة؟ أبو الشيّص: البسيط
يا من تمنّى على الدّنيا منىً شططا هلاّ سألت أبا بشرٍ فتعطاها
[ ٧ / ١٥٣ ]
إذا أخذت بحبلٍ من حبائله دانت لك الأرض أدناها وأقصاها
ما هبّت الريح إّلا هبّ نائله ولا ارتقى غايةً إّلا تخطّاها
قيل لزياد النّميري: ما منتهى الخوف؟ قال: إجلال الله تعالى عن مقام السؤال؛ قيل: فما منتهى الرجاء؟ قال: تأميل الله تعالى على كل حال.
وصف أعرابي قومًا فقال: يقتحمون الحرب حتى كأنّما يلقونها بأنفس أعدائهم.
دخل الأوزاعي على المهدي فوعظه وذكّره، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى أعطاك فضل الدنيا وكفاك طلبها، فاطلب فضيلة الآخرة فقد فرّغك لها؛ فاستحسن قوله.
قال يزيد بن المهلّب: دخلت الحمّام مع سليمان بن عبد الملك ومعنا عمر بن عبد العزيز، فقال لي عمر: إني محدّثك حديثين: أحدهما سرّ والآخر علانية؛ أما العلانية فإن هذا سيولّيك العراق، فاتق الله، وأما السرّ فإني كنت فيمن دلّى الوليد بن عبد الملك في حفرته، فلما صار في أيدينا اضطراب في أكفانه فقال ابنه: عاش أبي وربّ الكعبة، فقلت: كلاّ، ولكن عوجل أبوك وربّ الكعبة.
[ ٧ / ١٥٤ ]
كان جوثة الضمري صديقًا لعبد الملك بن مروان وخرج مع ابن الزبير، فلما قتل ابن الزبير استأمن الناس وأحضر جوثة، فقال له عبد الملك: كنت مني بحيث علمت فأعنت ابن الزبير، فقال: لا تعجلنّ حتى تسمع عذري، قال: هاته، قال: هل رأيتني في حربٍ أو سباقٍ أو نضالٍ إّلا والفئة التي أنا معها مهزومةٌ بحرفي؟ وإنما خرجت مع ابن الزبير لتقتله على رسمي فضحك عبد الملك وقال: والله كذبت، ولكن عفوت عنك.
احتاجت امراةٌ العزيز إلى يوسف تسأله، فلما رأته ﵇ عرفته فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد بطاعتهم ملوكًا، والملوك بمعصيتهم عبيدًا.
قال كسرى لشيرين: ما أحسن هذا الملك لو دام لنا، فقالت له: لو دام ما انتقل إلينا.
[ ٧ / ١٥٥ ]
قيل لفيلسوف: ما بال الحسود أشدّ الناس غمًّا؟ قال: لأنّه أخذ بنصيبه من غموم الدنيا ويضاف إلى ذلك غمّه لسرور الناس.
من دعاء يحيى بن معاذ: اللهم إن كان ذنبي أخافني فإنّ حسن ظنّي بك قد أجارني؛ اللهم إنّي قد جعلت الاعتراف بالذّنب وسيلةً لي إليك، واستظللت بتوكّلي عليك، فإن غفرت فمن أولى بذلك منك، وإن عاقبت فمن أعدل في الحكم منك؟ اللهم إني لا أيأس من نظرك ورحمتك بعد مماتي، ولم تولني غير الجميل في حياتي، تتابع إحسانك إليّ يدلّني على تفضلك عليّ، فكيف يشقى من أسلفته جميل النظر؟ اللهم إن نظرت إليّ بالهلكة عيون سخطك فلم تغفل عن استنقاذي منها عيون كرمك؛ اللهمّ إن كنت غير مستأهلٍ لكرمك ومعروفك فكن أهلًا للتطّول، فإنّ الكريم ليس يضيع جميع مستحقيه إلهي سترت علي في الدنيا ذنوبًا أنا إلى سترها يوم القيامة أحوج، وقد أحسنت بي إذ لم تظهرها لعصابةٍ من المسلمين، فلا تفضحني في ذلك اليوم على رؤوس العالمين، يا أرحم الراحمين؛ إلهي إن كان ذنبي عرّضني لعقابك، فقد رجوت الدنوّ برجائي من ثوابك، لولا ما اقترفته من الذنوب ما خفت من العقاب، ولولا ما عرفت من الكرم ما رجوت الثّواب؛ إلهي لو عرفت اعتذارًا من الذنب أبلغ من التنصّل والاعتراف به لأتيته، ولو عرفت
[ ٧ / ١٥٦ ]
شفيعًا لحاجتي ألطف من الاستخذاء لك عملته، فهب لي ذنبي بالاعتراف ولا تسوّد وجهي عند الانصراف؛ إلهي إن كنت لا ترحم إّلا أهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون، وإن كنت لا تكرّم إّلا أهل خدمتك فبمن يستغيث المسيئون؟ اجعلني عبدًا: إمّا طائعًا فأكرمت، وإما عاصيًا فرحمت.
هذا آخر ما نقلته من خطّ السّيرافي، ولم أضف إليه شيئًا من مواضع أخر، وحكيت خطّه وشكله، وأعود الآن إلى الطريقة الأولى في اعتراض ما يجري حسب ما ينتظم المعنى فيه. على أني شديد المراعاة لقلبك في جميع ما جمعته وقلته، أنفًا واستحياءً وإعظامًا وإكرامًا.
قيل لبقراط: صف لنا الدنيا، فقال: أوّلها فوت، وآخرها موت.
قال بزرجمهر: كن شديدًا بعد رفقٍ لا رفيقًا بعد شدةّ، لأنّ الشدّة بعد الرفق عزٌ، والرفق بعد الشدّة ذلٌّ.
كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: أما بعد، فإنّي كتبت إليك كتابًا في القضاء لمآلك ونفسي فيه خيرًا؛ الزم خمس خصالٍ يسلم لك دينك وتأخذ فيها بأقصى حظّك: إذا تقدّم إليك خصمان فعليك بالبيّنة العادلة أو اليمين القاطعة، وأدن الضعيف حتى يشتدّ قلبه وينبسط لسانه، وتعهّد الغريب فإنك
[ ٧ / ١٥٧ ]
إن لم تتعهده ترك حقّه ورجع إلى أهله، وإنما ضيّع حقّه من لم يرفق به، وآس بينهم في لفظك وطرفك، وعليك بالصّلح ما لم يستبن لك فصل القضاء وإياك والقضاء بين اثنين وأنت غضبان.
خطب بلال بن أبي بردة فعرف أنّ الناس قد استحسنوا كلامه فقال: لا يمنعكم ما تعلمون فينا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منّا.
وعظ عيسى ﵇ بني إسرائيل فبكوا وأقبلوا يمزّقون الثياب، فقال: ما ذنب الثياب؟ أقبلوا على القلوب فعاتبوها.
كان رجلٌ من أهل حمص شديد الخلاف جدًّا فقيل له يومًا اجلس فقال: لا أجلس، فقيل له: قم، فقال: لا أقوم، قيل: فما تصنع؟ قال: وما لا أصنع؟! قال رجل لمزبّد: أماتك الله! قال: آمين، بعدك بألف سنة! قال أبان عن أنس، قال رسول الله ﵌: "
[ ٧ / ١٥٨ ]
الشّؤم في أربع: في الدار والدابّة والسيف والمرأة؛ قالوا: يا رسول الله، وما شؤم المرأة؟ قال: تكون غالية المهر سيّئة الخلق لا تلد؛ قالوا: فما شؤم الدار؟ قال: تكون ضيّقةً على أهلها لها جيران سوء؛ قيل: فما شؤم الدابة؟ قال: تكون حرونًا عند القتال في سبيل الله ﷿؛ قالوا: فما شؤم السيف؟ قال: كل سيف مطبوع يسلّه صاحبه في غير سبيل الله ﷿ فهو شؤم عليه ".
قال أبو العيناء: قلت لرقيعً كان في جواري وهو يأكل قشور الموز: ويحك أيش هذا؟ هذا مما يؤكل؟ فقال: هو على كل حال أطيب من الهندبا.
بعثت الزرجونة مع غندر غلامها بقارورة فيها ماؤها إلى الطبيب، فقال الطبيب لغندر: أيّ شيء طبعها؟ قال: قحبة، قال: ويحك عن طبيعتها سألت، قال: خرا يا بغيض، قال: رقيق غليظ أي شيء هو؟ قال: خرا البنت يعرف لا ينكر.
جاء مزبّد إلى بئرٍ ليستقي منها فوجد الحبل كثير العقد فقال: ليس
[ ٧ / ١٥٩ ]
هذا حبل، هذا سبحة العجوز؛ هكذا قال، ومتى أعربت برد اللفظ وخالف المحكيّ، والغرض غير ما قيل على ما قيل، ومتى حرّف زال عن الاستطراف، إلا أن يكون البيان عن عربيٍّ فصيح اللهجة أو أعرابي بيّن اللسان، فإن ذاك متى تحّرف أيضًا فسد.
حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت جاريةً سوداء في درب الزعفراني - وكانت جسيمةً ضخمة - فقلت لصاحب لي: ما في الدنيا أضرط من سوداء، فقالت: من جانبٍ في لحيتك.
قال أبو العيناء: سمعت جارًا لي أحمق وهو يقول لجار له: والله لهممت أن أوكّل بك من يصفع رقبتك ويخرج هذا الجنون من أقصى حجر بخراسان.
قيل لبعض ولد أبي لهب: العن معاوية، قال: ما أشغلني ب تبّت.
أمر المتوكّل ببدرةٍ فوضعت في أقصى الدار، ودعا بعّبادة
[ ٧ / ١٦٠ ]
وبالزرجونة فقال لهما: من عدا إلى تلك البدرة وسبق وأخذها فهي له، فتعاديا جميعًا فسبقته الزرجونة فأخذت البدرة، فقال المتوكل: ويلك تسبقك امرأة؟ فقال: يا سيّدي هذه تعدو ببدادين وأنا أعدو بخرجين، وبيننا كثير.
قال أبو العيناء: بينا أنا في طريق مكّة في يومٍ حارٍّ إذا شيخٌ قد لجأ إلى ميلٍ وعليه شملةٌ خلقة، فقلت له: ممّن الرجل؟ فقال: من هذه القفرة، فقلت: فمن أين معاشكم؟ قال: منكم معاشر الحجّاج، قلت: نحن نأتيكم في السنة ثلاثة أسهر فالباقي من أين؟ فقال: إنّ الله ﷿ رزقنا من حيث لا ندري أكثر مما رزقنا من حيث ندري؛ قلت: هل لك في أرض الرّيف والخصب، أرض العراق أو الشام؟ قال: لولا أن الله تعالى أرضى بعض العباد بشرّ البلاد، ما وسع خير البلاد جميع العباد.
قال أبو العيناء في كلامٍ له: كان أبي يحبّني، فقال ابن مكرّم: كان أبوك يحب الخرا قال: فلو رآك إذًا للطعك.
[ ٧ / ١٦١ ]
قال رجلٌ لآخر في الحمّام: أيش تعمل ها هنا؟ قال: أسوّي لأمّك مهزّة.
لما مات عروة بن الورد قالت سلمى: يا عروة ما كان أكلك باجتحاف، ولا شربك باشتفاف، ولا لبستك بالتفاف، ولا نومك بالتحاف، وال كنت تشبع ليلة الأضياف، ولا تنام ليلةً تخاف.
فصلٌ لكاتب: وصل إليّ كتابك لا عدمتك إّلا برؤيته.
قال أعرابيٌّ لآخر في كلامٍ له: أتجلب التّمر إلى هجر؟ قال: نعم إذا أجدبت أرضها وجف نخلها.
شاعر: الطويل
تركت لك القصوى لتدرك فضلها وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
[ ٧ / ١٦٢ ]
ولم يك بي عنها نكولٌ وإنّما تغاضيت عن حقّي فتمّ لك الحقّ
ولا بدّ لي من أن أكون مصلّيًا إذا كنت أرضى أن يكون لك السّبق
قال أبو العيناء، قال الأصمعي: قلت لأعرابي: أين منزلك؟ قال: من وراء اليمن بطالعين، يريد بشهرين.
غزا قاصٌّ فقيل له: أتحبّ الشهادة؟ فقال: أي والذي أسأله أن يردّني إليكم.
عرضت على مديني جاريةٌ فقال: ما أدقّ رأسها! فقالت: تريد أن تبني على رأسي غرفة.
دخل أبو العيناء على ابن مكرّم فقال له: كيف أنت؟ فقال له أبو العيناء: كما تحبّ، فقال: فلم أنت منطلق كالحزنبل؟ شاعر: الطويل
ألا ربّ همٍّ يمنع النوم برحه أقام كقبض الراحتين على الجمر
بسطت له وجهي لأكبت حاسدًا وأبديت عن نابٍ ضحوكٍ وعن ثغر
[ ٧ / ١٦٣ ]
وشوقٍ كأطراف الأسنّة في الحشا ملكت عليه طاعة الدمع أن يجري
دعا أعرابيٌّ فقال: اللهمّ ارزقني نفسًا طيبة مطمئنة قانعةً بعطائك، راضيةً بقضائك، موقنةً بلقائك.
قال مساور بن هند لرجل: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا المساور بن هند، قال: ما أعرفك، قال: فتعسًا ونكسًا لمن لا يعرف القمر.
قيل لصوفيّ: ما نصيبك من الحقّ؟ قال: نصيبي منه أنّي نصيبه وكفاني.
أبو العتاهية: المديد
اقطع الدنيا بما انقطعت وادفع الدنيا بما اندفعت
واقبل الدنيا إذا سلست واترك الدنيا إذا امتنعت
تطلب النفس الغنى أبداّ والغنى في النفس لو قنعت
كتب عليّ بن أبي طالب ﵇ إلى سلمان الفارسي رضي
[ ٧ / ١٦٤ ]
الله عنه وهو بالمدائن: أما بعد، فإنّ مثل الدنيا مثل الحيّة ليّنٌ مسّها، قاتلٌ سمّها، فأعرض عما يعجبك منها، لقلّة ما يصحبك عند مفارقتها، وضع عنك همومها لما تؤمن به من سرعة فراقها، ولتكن أسرّ ما تكون بها أحذر ما تكون لها، فإنّ كلّ من اطمأنّ إليها وإلى سرورها أشخصته إلى مكروهها.
قيل لصوفّي: ما الفرق بينك وبينك؟ قال: الحقّ.
قال الجمّاز لقينةٍ: البسيط
ماذا تقولين فيمن شفّه حزنٌ من شدّة الحبّ حتى صار حرّانا
فقالت:
إذا رأينا محبًّا قد أضرّ به جهد الصّبابة أوليناه إحسانا
قال جعفر بن محمد ﵉: ما افتقرت كفٌّ تختّمت بفيروزج، وتفسيره ظفر؛ هكذا قال أبو جعفر ابن بابويه، وما لحقت شيخًا
[ ٧ / ١٦٥ ]
أكبر منه ولا أطول باعًا في العلم، وما أدري كيف حقيقة هذا، وللرافضة أخبار كثيرة يروونها عن جعفر بن محمد ﵇ لم يقلها قط، ولا محصول لها، ولا فائدة معها، ولا حقيقة لشيءٍ منها، وتى رددتها عليهم غضبوا وشنعوا وقالوا: أنت رديْ الدين ولهذا تردّ على الصادقين.
خرج المأمون يومًا إلى ندمائه ومعه رقعةٌ مكتوب فيها: يا موسى، فقال: هل تعرفون لها معنى. فقالوا: لا، فقال إسحاق بن إبراهيم الطاهري: يا أمير المؤمنين، هذا إنسان يحذّر إنسانًا، أما سمعت الله تعالى يقول " يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنّي لك من النّاصحين " فقال المأمون: صدقت، هذه صرف جاريتي، كتبت إلى أختها متيّم جارية عليّ بن هشام أننا على قتله فحذرته؛ فما ردعه ذاك عن قتله.
روي أن جارًا كان يتراءى لعائشة، فأمرت بقتله، فرأت في المنام قائلًا يقول لها: قتلت رجلًا من مسلمي الجنّ، قالت: لو كان مسلمًا اطّلع على نساء رسول الله ﷺ، فقيل: إنما كان
يجيء
[ ٧ / ١٦٦ ]
فيستمع القرآن؛ فتصدقت باثني عشر ألف درهم.
قيل لداود بن رشيد: لم كره الناس أن يدخلوا بنسائهم في شوّال؟ قال: مات فيه بالطاعون الجارف تسع عشرة ألف عروس.
وصف أعرابيٌّ مطرًا فقال: السماء واكفةٌ والأرض راشفةٌ.
لما عزم نوبخت على الإسلام كتب رقعتين، إحداهما " الدين والإسلام ومحمد وآله " وكتب في أخرى " المجوسية ومحبة الشمس " ودعا برجل من المسلمين فقال: ادفنهما حيث شئت، فدفنهما وخرج، ودخل نوبخت فأخذ الارتفاع، فوجد السعود كلها في ناحية المشرق فقال: الحق في المشرق، وأخرج الرقعة فإذا رقعة " الإسلام ومحمد وآله " وكان ذلك سبب تشيّعه.
قال ابن جدار المصري: قال لي أبو العمثيل شاعر بني طاهر النعمان اسمٌ من أسماء الدم، ولم يعن شقائق النعمان بن المنذر؛ قال أبو
[ ٧ / ١٦٧ ]
العمثيل: حدثت به الأصمعيّ وكتبه.
هذا غريب جدًا، وليته وصله بشاهدٍ أو حديثٍ أو مثالٍ أو كتاب، فليس كلّ مرسلٍ مقبولًا ولا كلّ عارضٍ ثابتًا، ولولا الشاهد والمثل وقفت الرّواية وانتهى العلم وسقط التفاضل.
قال أعرابي: خير أموال الناس أشبههم بالناس، يعني النخل.
قال ثعلب: قول الناس " ماخور " لتردد الناس فيه، ومنه قول الله ﷿ " وترى الفلك مواخر فيه " قال اليزيدي: مخرت السفينة إذا شقّت الماء بجؤجؤها، والمواخر هي الشواقّ.
قال بعض العلماء: ما جيل من الأجيال ولا أمة من الأمم إّلا ولهم أمور قد اصطلحوا عليها وسنن قد ألفوها، يحمدون في بعضها ويذمّون، ولم يحو جيلٌ منها جميع المحمود، ولا احتازت أمةٌ منها جميع المذموم، ولكن تقاسموا المحامد والمذامّ تقاسمًا بالجواهر والطبائع، وبالإكراه والاختيار، وبالدّواعي الظاهرة والأسباب الخافية. على ذلك تجد الهند والروم والفرس
[ ٧ / ١٦٨ ]
والعرب، وهؤلاء هم أرباب جميع الفضائل، والناس عليهم عيالٌ من بعد لأنهم الأركان والعمد والجراثيم والأصول، ومن عداهم تابعٌ لهم وآخذٌ منهم وسالكٌ سبيلًا من سبلهم. انظر إلى العرب مع فضلها وذكائها، ولسانها وبيانها، وسيفها وسنانها، وصبرها وعزائها، وسخائها وشجاعتها، ورأيها وبديهتها، وفكرها وغوصها، ومعرفتها التي هي خالص الجوهر وزبدة الطبيعة، لأنّ أمرهم في القديم جرى على هذه وبهذه الأسباب عرف، وذلك أنّ فساد الحاضرة ونفج المترفين ومحبّ الراحة ورعونة أصحاب النعم كانت بعيدةً عنهم، وكانوا في جميع متصرّفهم واختلاف أحوالهم لا يعرفون إّلا التساجل بالبيان والعقل، والتباهي بالصّواب والأدب، وكانوا في كلّ فصلٍ على أقصى حدوده وأعلى قلله، وعلى هذه الحال، فإذا فصلت أحوالهم وميّزت أمورهم أصبت أشياء هي في جانبٍ من العقل وعلى بعدٍ من الحقّ، مثل كيّهم السّليم من الإبل إذا أصابها العرّ ليذهب العرّ عن السّقيم؛ هذا زعمهم وعلمهم وعليه بصيرتهم وعملهم؛ وكشقّ الرجل برقع حبيبته وشقّ الحبيبة رداء حبيبها، وقولهم إنها متى لم تفعل هذا وهو متى لم يفعل ذاك عرض السيف بينهما
[ ٧ / ١٦٩ ]
واستحالت المحبة بغضًا، والاستحلاء مقتًا، والقبول ردًا، وفيه قال عبد بني الحسحاس: الطويل
وكم قد شققنا من رداءٍ محبّرٍ ومن برقعٍ عن طفلةٍ غير عانس
إذا شقّ برد شقّ بالبرد برقع دواليك حتى كلّنا غير لابس
وكما علّقوا الحليّ على السليم رجاء إفاقته؛ قال النابغة: الطويل
يسهّد من بيت العشاء سليمها لحلي النساء في يديه قعاقع
وكما فقأوا عين الفحل إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا، فإن زادت على الألف فقأوا العين الأخرى: يزعمون أن ذلك يدفع عنها العارة والعين.
وكما سقوا العاشق ماء السلوان؛ قال الأصمعي: هي خرزةٌ تحلّ بماءٍ ثم تسقى أصحاب الهوى؛ فزعموا أنه يسلو صاحب العشق بذلك. قال: ويقال سلا يسلو سلوًّا إذا ذهلت نفسه عنه؛ قال: ويقال: سلي يسلى سلوًّا، ويقال أيضًا: سلى يسلى سليًا، قال رؤبة: الرجز
[ ٧ / ١٧٠ ]
لو أشرب السلوان ما سليت ما بي غنىً عنك ولو غنيت
وكما أوقدوا خلف المسافر نارًا إذا كرهوا إيابه.
وكما ضرب الثور إذا امتنعت البقر من الماء.
وكما زعموا أنّ المقلات إذا وطئت رجلًا شريفًا مقتولًا عاش ولدها، والمقلات: التي لا يعيش لها ولد.
وكما زعموا أنّ الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحبّ الناس إليه ذهب عنه الخدر.
وكما يحذف الصبيّ سنّه إذا سقطت في عين الشمس ويقول: أبدليني بها أحسن منها؛ ويزعمون أن الصبيّ متى لم يفعل هذا لم تنبت أسنانه إّلا عوجًا ولا تعلق.
وكما قالوا إن الفرس المهقوع - والهقعة دائرة تكون بالفرس - إذا ركبه رجلٌ فعرق الفرس اغتلمت امرأته وطمحت عينها إلى غير أبي مثواها، وقد قال رجلٌ من العرب: الطويل
إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت حليلته وازداد حرًّا عجانها
فأجابه آخر: الطويل
وقد يركب المهقوع من لست مثلةً وقد يركب المهقوع زوج حصان
وكما عقدوا السّلع والعشر في أذناب الثيران وأضرموا النار فيها وأصعدوها
[ ٧ / ١٧١ ]
جبلًا وعرًا يستسقون بذلك، ويدعون الله ﷿، هذا إذا أمحل البلد وعزّ القطر.
وكما أن من ولد في القمر رجعت قلفته وكان كالمختون.
وكما عقدوا الرّتيمة بغصن الشجرة عند السّفر وتفقّدوها عند الإياب، فإذا وجدوها على حالها قضوا بأنّ الحليلة لم تخن، وإن وجدوها منحلّةً حكموا بفجورها.
وكما زعموا أن الداخل إلى بلد مخوف الوباء يجب أن يقف على أوائل البلد فينهق كما ينهق الحمار، ومتى فعل ذلك أمن وباءها.
وكما زعموا أن من علّق على نفسه كعب أرنبٍ لم تقربه الجنّ.
فأمّا ما كان مثل إمساكهم عن بكاء القتيل إلى أن يؤخذ بثأره، فالغرض فيه ظاهر، والعادة فيه مقبولة، وهذا الضّرب معروف السبب، صحيح العلّة، وليس من الأوّل في شيءٍ، لأنّ تلك دلّت على سفه
[ ٧ / ١٧٢ ]
الأحلام وعلى جهل الطباع وعلى فساد المعرفة.
وهكذا الفرس في كثيرٍ من أمورها وعاداتها وأخبارها ورواياتها.
ومتى حسنت غايتك بتصفّح أسرار العالم وأخلاق الأمم رأيت العجائب وعرفت الغرائب.
وللهند ما يربي على جميع الناس؛ وأقلّهم تخليطًا الروم، وذلك أيضًا لأسبابٍ؛ على أنهم ما خلوا ولا عروا.
شاعر: الكامل
يا من يؤمّل أن تكون خصاله كخصال عبد الله أنصت واسمع
فلأنصحنّك في المشورة والذي حجّ الحجيج إليه فاقبل أو دع
اصدق وعفّ وبرّ واصبر واحتمل واحلم ودار وكفّ واسمح واشجع
للخنساء ويقال لأبي المثلّم الهذلي: البسيط
لو أن للدهر مالًا كان متلده لكان للدهر صخرٌ مال قنيان
[ ٧ / ١٧٣ ]
آبي الهضيمة حمّال العظيمة مت لاف الكريمة لا سقطٌ ولا وان
حامي الحقيقة نسّال الوديقة مع تاق الوسيقة جلدٌ غير ثنيان
ربّاء مرقبةٍ منّاع مغلبة ورّاد مشربةٍ قطّاع أقران
شهّاد أنديةٍ حمّال ألويةٍ هبّاط أوديةٍ سرحان فتيان
التارك القرن مصفرًّا أنامله كأنّ في ريطتيه نضح أرقان
يعطيك ما لا تكاد النفس تبلغه من التّلاد وهوبٌ غير منّان
قيل لعاصم بن عيسى: بم سدت قومك؟ قال: ببذل النّدى، وكفّ الأذى، ونصرة المولى.
من كلام الأوّلين على وجه الدهر: إذا زللت فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا أسأت فاندم، وإذا منيت فاكتم، وإذا قريت فأفضل، وإذا منعت فأجمل.
[ ٧ / ١٧٤ ]
قيل لأبي هاشم الصوفي وقد جاء من ناحية النهر: في أيّ شيءٍ كنت اليوم؟ قال: في تعليم ما لا ينسى وليس لشيءٍ من الحيوان عنه غنى، قيل: وما هو؟ قال: السّباحة.
قال بعض الملوك لوزرائه: أيّ الرّجال خيرٌ؟ قال بعضهم: الشّجاع، قال: الشجاع يموت فيذهب ذكره؛ قال آخر: السّخيّ، قال: السخي ينفذ ما عنده؛ قال آخي: التّقيّ، قال: التقيّ تقواه لنفسه، قالوا: فمن؟ قال: الذي يموت ويبقى تدبيره.
شاعر: الكامل
ما زالت الدنيا تقلّب بالفتى طورًا تجود له وطورًا تسلبه
من لم يزل متعجّبًا من حادثً تأتي به الأيام طال تعجّبه
قال الثوريّ لشريك بن عبد الله: لم ترض أن وليت القضاء لمنصور حتى وليت للمهدي؟ فقال: إني شيخٌ كبير وعليّ دينٌ ولي عيال، فقال سفيان: والله لأن تلقى الله ومعك دينك وعليك دينك أفضل من أن تلقاه وأنت عاملٌ لهم.
تزوج رجلٌ صغير الأير امرأةً، فلما دخل بها اعتذر إليها فقال: هو وإن كان صغيرًا فهو ذكيّ، قالت: ليته كان كبيرًا وهو أبله، أيش عليّ من بلهه؟!
[ ٧ / ١٧٥ ]
قال الكندي: من أراد الإلقاح فليقطر على الحشفة زئبقًا خالصًا ويذرّ عليها شيئًا من المسك ليطرد برد الفرج ريحه فإنه يلقح.
قال كسرى لبعض عمّاله: كيف نومك بالليل؟ قال: أنامه كلّه، قال: أحسنت، لو سرقت ما نمت هذا النوم كلّه.
ذكر المغيرة عمر فقال: كان به عقلٌ يمنعه من أن يخدع، ودينٌ يمنعه من أن يخدع.
قيل ليزيد بن المهلّب: بم نلت هذا الأمر؟ قال: بالعلم؛ قالوا: فقد رأينا من هو أعلم منك لم ينل ما نلت؛ قال: ذلك علمٌ أخطئ به مواضعه، وهذا علمٌ أصيب به فرصته.
قيل لفيلسوفٍ: فلانٌ يحسن القول فيك، قال: سأكافيه، قيل: بماذا؟ قال: بأن أحقّق قوله.
أغلظ سفيهٌ فقيل له: لم لم تغضب؟ فقال: إن كان
[ ٧ / ١٧٦ ]
صادقًا فليس ينبغي أن أغضب، وإن كان كاذبًا فبالحري أن لا أغضب.
تقدّم إلى الشعبيّ رجلان فقال أحدهما: إني اشتريت من هذا غلامًا صبيحًا فصيحًا صحيحًا، فقال: هذه صفة محمد بن عمير سيّد بني تميم.
كان على سيف بعض الشّراة مكتوبًا: ثأر الله من الظالمين.
شاعر: الطويل
حسامٌ غداة الرّوع ماضٍ كأنّه من الله في قبض النفوس رسول
قال رجل لآخر: أتدري لم غلا السّعر ببغداد؟ قال: لا، قال: لأنّ كلّ بلدٍ خبزه أكثر من أهله وبغداد أهله أكثرن خبزه.
قيل لأعرابي: أتحنّ إلى الحاضرة؟ فقال: البادية أفسح، والجسم فيها أصحّ.
كاتب: لي حرمةٌ سالفةٌ، وفيك أملٌ قديمٌ، وهما يقتضيانك حقًا لا تدفعه، ويطالبانك بذمامٍ لا تنكره.
[ ٧ / ١٧٧ ]
قال واصل بن عطاء: لأن يقول الله ﷿ لي يوم القيامة: " هلاّ قلت " أحبّ إلي من أن يقول: " لم قلت " لأنه إذا قال: لم قلت؟ طالبني بالبرهان، وإذا قال: هلاّ قلت، فليس غير ذلك يزيد.
استدلّ هشام بن الحكم على أنّ الباري ﷻ جسمٌ بقوله " لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ "؛ قال: لو كان غير جسمٍ لم يكن هذا مدحًا.
وقال أبو حامد المروزوذي: ألا تعلم أنه لو كان جسمًا لم كان هذا منفيًا؟ وكان يقول: لا أدري ما فائدة هشام في اعتقاده أنه جسمٌ وهو يعلم اضطرارًا أن نفي هذا الاسم على الحدّ المقتضى أدخل في التوحيد.
قال سهل الأحول - وكان يكتب لإبراهيم بن المهدي -: ما أحسن حسن الظنّ إّلا منه العجز، وما أقبح سوء الظنّ إّلا أن فيه الحزم.
[ ٧ / ١٧٨ ]
قال بعض الناظرين في معاني القرآن: " وما قتلوه وما صلبوه " هذه الهاء للظن " إنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك ٍمنه ما لهم من علمٍ إّلا اتّباع الظّنّ وما قتلوه يقينًا " ذلك الظنّ.
مات أخٌ لجحا فقالت له أمه: اذهب فاشتر الكفن والحنوط، قال: لا أذهب، ابعثوا غيري، قالوا: لم؟ قال: أخاف أن تفوتني الجنازة.
قال أبو العيناء: أكلت مع بعض أمراء البصرة فقدّم إلينا جديٌ سمينٌ، فضرب القوم بأيديهم إليه فقال: ارفقوا به فإنه بهيمة.
قال ابن مسعودٍ ﵀: ما الدّخان على النّار بأدلّ من الصّاحب على الصّاحب.
قال بعض المفسّرين: قوله تعالى " تفقّد صواع الملك " الصواع: الطرجهارة.
سئل أعرابيٌ عن راعٍ فقال: هو الرائح الباكر، الحالب العاصر، والحاذف الكاسر.
[ ٧ / ١٧٩ ]
قال صالح بن سليمان: لا تستصغروا أحدًا فإنّ العزيز ربما شرق بالذباب.
قيل لمزبّد: لم لا تكون كفلان؟ - يعني رجلًا موسرًا - فقال: بأبي أنتم، كيف أشبه بمي يضرط فيشمّت، وأعطس فألطم؟ العرب تقول في أمثالها: ليس ابن أمّك كابن علّة.
قال بعض البلغاء لرجلٍ يصفه: لو أراد الخير أن يتلبّس لبوسًا حسنًا ما تلبّس إّلا بك.
شاعر: مجزوء الكامل
لم يبق من طلب الغنى إّلا التعرّض للحتوف
فلأفعلن وإن رأي ت الموت يلمع في السيوف
إني امرؤٌ لم أوت من طلبٍ ولا همٍّ شريف
لكنّه قدرٌ يزو ل عن القويّ إلى الضّعيف
[ ٧ / ١٨٠ ]
كتب كسرى إلى هرمزد: استقلل كثير ما تعطي واستكثر قليل ما تأخذ، فإنّ قرّة عين الكريم فيما يعطي، وسرور اللئيم فيما يأخذ؛ ولا تجعل الشحيح أمينًا، ولا الكذاب صفيًّا، فإنّه لا عفّة مع شحٍّ، ولا أمانة مع كذبٍ.
قال شاعر في وصف سيف: الكامل
إني لبست لحربكم فضفاضةً كالنّهي رقرقه رياح شمال
ومهنّدًا كالملح ليس لحدّه عهدٌ بتمويهٍ ولا بصقال
ترضيك هزّته إذا ما شمته وتقول حين تراه: لمعة آل
شاعر يصف بعيرًا: الرجز
كأنّما الزّمام والتصدير يمدّه حين يقال سيروا
عمود ساجٍ جوفه منجور عام به في لجةٍ قرقور
في ذي صراريّ له صرير
دخل سعيد بن عتبان الجعفري على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أصفك بصفتك، فإن ينحرف كلام فلهيبة الإمام
[ ٧ / ١٨١ ]
وتصرّف الأعوام، فربّ جواد عثر في استنانه، وكبا في ميدانه، فرحم الله عبدًا أقصر عن لفظه، وألصق الأرض بلحظه؛ فخاف هشامٌ أن يتكلّم بكلامٍ يقصّر به عن جائزته، فعزم عليه فسكت.
قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد.
قام رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين، اذكر بمقامي هذا مقامًا لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يختصم إليه حين تلقاه بلا ثقةٍ من عمل، ولا براءةٍ من ذنب؛ فبكى حتى غشي عليه، ثم قضى حاجته.
لما انصرف أبو مسلمٍ من حرب عبد الله بن علي رأى كأنّه على فيلٍ والشمس والقمر في حجره، فأرسل إلى عابرٍ يألفه ويسكن إليه فقصّ عليه فقال: الرسم، فقبض عشرة آلاف درهم، فقال: قل، فقال: اعهد عهدك فإنك هالكٌ، قال الله تعالى " ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل " وقال: " وجمع الشّمس والقمر يقول الإنسان يومئذٍ أين المفرّ ".
[ ٧ / ١٨٢ ]
قال مالك بن طوق للعتّابي: إني رأيتك سألت فلانًا حاجةً فرأيتك قليلًا، قال: وكيف لا أكون قليلًا ومعي حيرة الحاجة، وذلّ المسألة، وخوف الرّدّ؟ قال ابن السّمّاك: اللهمّ إني آمر بطاعتك وربّما قصّرت، وأنهى عن معصيتك وربّما اقترفت، وقد تعلم إنّي إنما أدور على أن أعظّمك في صدور خلقك، فارحمني بذلك يا أرحم الراحمين.
تقدّم إلى سوّار بن عبد الله ثلاثة إخوة في قسمة ميراثٍ فقال: اجعلوا لأكبركم خير المواضع، فال أحدهم: لا أفعل حتى تقرع بيننا، قال: ويحك لم؟ قال: لأنّي بحظّي أوثق مني بعقلي، فأقرع فخرج خيرها له.
قال بهرام جور: إذا تقدّم في الأعمال قبل وقتها انتفع بها في وقتها، وإذا عملت في وقتها انتفع بها بعد وقتها، وإذا عملت بعد وقتها لم ينتفع بها.
شاعر في المأمون: الخفيف
[ ٧ / ١٨٣ ]
خلّفوه بعرصتي طرسوس مثلما خلّفوا أباه بطوس
شاعر يهجو قومًا: البسيط
بيض المطابخ لا تشكو ولائدهم غسل القدور ولا غسل المناديل
قال ابن عبّاس ﵀: الحوت الذي كان مع موسى ﵇ كان مشقوق البطن مملوحًا.
كان محمد بن أبي خالد من أحسن الناس وجهًا؛ قال: كنت أصلّي في يوم عيد خلف المأمون وإلى جانبي يحيى بن أكثم ومن الجانب الآخر عمرو بن مسعدة، فلما سجد قال لي يحيى في سجوده سرًّا: أنا والله ميتٌ من حبك يا حبيبي.
أظنّ يحيى بن أكثم لم يعبأ بصلاة العيد لأنها سنّة، ولعلّه لو كان في فريضةٍ لما عمل هذا، إن صحّت الحكاية.
لعمرو بن دعبل في محمد بن عبد الله بن بشر: الوافر
رغيف محمدٍ ضخمٌ ولكن مصافحة الكواكب دون لمسه
يبيت رغيفه معه ضجيعًا مخافة آكلٍ من دون عرسه
[ ٧ / ١٨٤ ]
يصون رغيفه بخلًا عليه ويبذل عرضه من دون فلسه
ووجه محمد حسنٌ طريرٌ ولكن شانه بدناة نفسه
ولو غمس ابن بشرٍ في بحارٍ لجفّفها ويبّسها بيبسه
قال أعرابي: إنّ الباقي وإن كان عزيزًا لأهل أن يطلب، وإن الفاني وإن كان موجودًا لأهل أن يرفض.
قال أبو عبيدة: قلت لابن فضالة: أيما أفضل عندك اليمن أم العراق أم الشام؟ فقال: سبحان الله، ما يبغي لأحدٍ أن يسأل عن هذا وقد بينّه الله تعالى في كتابه فقال: " ادخلوا الأرض المقدّسة التي كتب الله لكم " يعني الشام، وقال في اليمن " بلدةٌ طيّبةٌ وربٌّ غفورٌ " وقال " يعلّمون النّاس السّحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " يعني العراق.
قال العتبي لأحمد بن أبي خالد الأحول: هل أنكرت عليّ يوم دخولي إلى المأمون شيئًا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال: ضحك من شيءٍ فكان ضحكك أكثر من ضحكه.
[ ٧ / ١٨٥ ]
وهب رجلٌ لقاصٍّ خاتمًا بلا فصٍّ فقال: وهب الله لك في الجنّة غرفةّ بلا سقف.
قال جحظة: قال لي ثعلب: المرأة الصالحة كالغراب الأعصم وهو الأبيض الرّجلين؛ قال: ولا يكاد يوجد.
وأنا أقول والرجل الصالح في هذا المكان كالكبريت الأحمر قال ميمون بن هارون: ثلاث غلاّتٍ في ثلاثة بلدانٍ متساويات: الزيتون بفلسطين، والتّمر بالبصرة، والأرز بالأهواز.
قال رجلٌ ليوسف ﵇: كيف صنع بك إخوتك حيث طرحوك في الجبّ؟ فقال: لا تسألني عن صنيع إخوتي ولكن سلني عن صنيع ربّي.
قال المتوكّل للفتح بن خاقان وقد خرج عليهم وصيفٌ الخادم
[ ٧ / ١٨٦ ]
المعروف بالصغير في أحسن زيّ: يا فتح أتحبّه؟ قال: أنا لا أحبّ من تحبّ، ولكني أحبّ من يحبّك لا سيّما مثل هذا.
هذا جواب عقلٍ شريف الجوهر على المحلّ.
حضر رجلٌ جنازةً فنظر إلى لحد الميت، فلما دلّي في الحفرة قال لأبي الهذيل: يا أبا الهذيل، الإيمان برجوع هذا صعب، فقال أبو الهذيل: الذي أنشأه يعيده.
هذا جوابٌ مستوفىً لانّ النشأة الثانية مقيسةٌ على النشأة الأولى، ولكنّ الجواب الذي يجري ف يمناقضة الرجل غير هذا، يقال للرجل: إن كان الإيمان برجوع هذا صعبًا فإهماله على ما كان له وعليه أصعب، لأنّ هذا المتعجّب لا بدّ له من إثبات إحسانٍ وإساءةٍ وجورٍ وعدلٍ وخيرٍ وشرٍّ وحقٍّ وباطل، وكلّ هذا قد تصرّف فيه هذا الملحد، فليس رجوعه ليجزى بما صنع إّلا دون إبطاله جملةً، لأنّ الفاعل قد فعله في الأول وصرفه في الوسط، وأضاف إليه أشياء ووقف عليه أشياء، وتمام الحكمة فيما ابتدأ به مرتبطٌ بإعادته ومجازاته، وإّلا فقد خلت الحال الأولى من غرض الحكماء، وعادت العاقبة إلى لعب السفهاء، والخالق البارئ المصوّر جلّ فعله عما يشينه ويشكّك في حكمته ويذهل العقل عن
[ ٧ / ١٨٧ ]
معرفته، وإنما ذهلت العقول وكلّت المعارف عما تفرّد به في ذاته، فأمّا ما وصله بالخلق فقد أثار دفائنه وفتح خزائنه وقاد العقول إلى تحصيله، وصرف اللسان على إيضاحه، وبعث الخواطر في انتزاعه، وقرن التكليف في ذلك بتأييدٍ ولطفٍ وكفايةٍ وصنع. وإنما فتن هؤلاء القوم في هذه الأمور لتسرّعهم بالحكم قبل عرفان العلة وقضائهم بالأمر قبل استقرار الأصل واستراحتهم إلى السابق من غير اتهامٍ له، وهذا بلاءٌ قد عمّ وداءٌ قد دبّ؛ نعم وهل يصار إلى الوجدان إّلا بعد أن يبتلى بكرب الطلب، وهل يطمأنّ إلى ما نشأ من الأصل إّلا بعد التعب مع تأسيس الأصل، وهل يتنعّم بالمحبوب إّلا بعد عائقٍ شوّق إليه وتخوّف من الانقطاع عنه؟ هكذا الترتيب في الشاهد وبه يذلً كلّ جاحد. جعلنا الله ممن إذا قصد الحقّ أصاب، وإذا دعي إلى الخير أجاب، وإذا ألمّ بالشّبهة أقلع وأناب، وكفانا مؤونة الهوى، فإنّه أسحر من الشيطان الرجيم.
[ ٧ / ١٨٨ ]
أتى عمرو بن معدي كرب مجاشع بن مسعودٍ بالبصرة فقال له: اذكر حاجتك، فقال: حاجتي صلة مثلي، فأعطاه عشرة آلاف درهم وفرسًا من بنات الغبراء وسيفًا قاطعًا ودرعًا حصينة وغلامًا خيارًا؛ فلما خرج من عنده قال له الناس: كيف وجدت صاحبك؟ قال: لله بنو سليمٍ ما أشدّ في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللّزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بناءها، لقد قاتلتها فما أجبنتها، وسألتها فما أبخلتها، وهاجيتها فما أفحمتها، وأنشد: الطويل
ولله مسؤولًا نوالًا ونائلًا وصاحب هيجا يوم هيجا مجاشع
نقلت هذا من خطّ ابن السّراج النّحوي؛ ومعنى قوله أجبنتها: أي ما وجدتهم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين، ومتى شدّدت الحرف فقلت: بخّلته انقلب المعنى إلى أنك تنسبه إلى البخل وبطل معنى وجدته، وهكذا نظائر هذا الحرف.
قال المدائني: قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي على المهلّب بن
[ ٧ / ١٨٩ ]
أبي صفرة فرأى بنيه قد ركبوا عن آخرهم فقال: أنّس الله بتلاحقهم الإسلام، فوالله لئن لم يكونوا أسباط نبوّةٍ إنهم لأسباط ملحمةٍ.
قال قبيصة بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحرّض قومه: الحذر لا يغني من القدر، والدّنيّة أغلظ من المنيّة، واستقبال الموت خيرٌ من استدباره، والطعن في الثّغر خيرٌ منه وأكرم من الدّبر، يا بني بكر حاموا فما من المنايا بدّ؛ هالكٌ معذورٌ خيرٌ من ناجٍ فرور.
كان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العتكي، فلما أتى الوفد الذين قدموا على عبد الملك بن مروان من عند الحجاج وزياد حاضر قال زياد: يا أمير المؤمنين إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم؛ فلم يكن بعد ذلك أحد أخفّ على قلبه منه.
[ ٧ / ١٩٠ ]
دخل جرير بن عبد الله على المنصور - وكان واجدًا عليه - فقال له: تكلم بحجّتك، فقال: لو كان لي ذنبٌ تكلّمت بعذري، ولكنّ عفو أمير المؤمنين أحبّ إليّ من براءتي.
قال رجلّ لمالك بن طوق حين عزل عن عمله: أصبحت والله فاضحًا متعبًا، أما متعبًا فلكلّ والٍ بعدك أن يلحقك، وأما فاضحًا فلكلّ والٍ قبلك لحسن سيرتك.
قال العتبي: وقع ميراث بين ناسٍ من آل أبي سفيان وبني أمية فتشاحّوا وتضايقوا، فارتفعوا إلى عمرو بن عتبة فقال: إن لقريش لدرجًا تزلق عنها أقدام الرجال، وأفعالًا تخضع لها رقاب الأموال، وألسنا تكلّ عنها الشّفار المشحوذة، وغاياتٍ تقصّر عنها الجياد المنسوبة، فلو كانت الدنيا لهم ضاقت عن سعة أحلامهم، ولو احتفلت الدنيا ما تزيّنت إّلا بهم، ثم إنّ ناسًا منهم تخلّقوا بأخلاق العوام وكان لهم رفقٌ في اللؤم، وخرقٌ في
[ ٧ / ١٩١ ]
الحرص، لو أمكنهم لقاسموا الطّير أرزاقها، إن خافوا مكروهًا تعجّلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمةٌ أخّروا عنها الشكر.
كاتب: أعطاك الله حتى ترضى، وزادك بعد الرّضى وتوخّى لك من فضله وسعته ما لا تهتدي إليه مسألتك، ولا يحيط قلبك لمعرفته، وأضعف لك أضعافًا تجوز منى المتمنّين واستزادة المستزيدين، وجعل ذلك موصولًا بالنعمة والثواب الذي ذكره وذخره للمحسنين.
وقف أهل المدينة وأهل مكة بباب أبي جعفر، فأذن الربيع لأهل مكة قبل أن يأذن لأهل المدينة، فقال جعفر بن محمد ﵉: أتأذن لأهل مكة قبل أهل المدينة؟ قال الربيع: إنّ مكّة العشّ، فقال جعفر ﵇: عشٌّ والله طار خيره وبقي شرّه.
قال الحسن: إن الدين فوق القصير ودون الغلوّ.
قال ابن عائشة لرجلٍ معه صبي: من هذا؟ قال: يتيمٌ لنا،
[ ٧ / ١٩٢ ]
قال: ابن من؟ قال: ابن ابني، قيل به: أيكون من أنت أبوه يتيمًا؟ فقال: قد سمّى الله ﷿ نبيّه يتيمًا وعبد المطلب حيّ، فمن أعلى من عبد المطلب؟! وقف أعرابيٌّ على المدائني وكان همًّا والمدائني يأكل تمرًا، فقال: شيخٌ همّ، غابر ماضين، ووافد محتاجين، أكلني الفقر، وأذلّني الدّهر، فأعن ضعيفًا؛ فأعطاه.
قال سهل بن هارون: أدخل على الفضل بن سهل ملك التبت وهو أسير فقال: أماترى الله عزّ زجلّ قد أمكن منك بغير عهدٍ ولا عقد، فما شكرك إن صفحت عنك ووهبت لك نفسك؟ قال: أجعل النفس التي وهبتها بذلةً لك متى أردتها؛ فقال الفضل: شكرًا لله ﷿؛ فكلّم المأمون فصفح عنه.
قال العتبي: ذم أعرابيٌّ رجلًا قال: تهون عليه عظام
[ ٧ / ١٩٣ ]
الذنوب، وتحسن لديه قباح العيوب، ولئن كان في الأرض سباخٌ إنه لمن سباخ بني آدم.
سئل يزيد بن هارون عن أكل الطّين فقال: حرام، فقال الرجل: أحرام؟ قال: نعم، من القرآن، قال الله ﷿ " يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالًا طيّبًا " ولم يقل كلوا الأرض.
دعا أعرابيٌّ لرجلٍ فقال: اللهمّ كما كتبت لن عنده رزقًا فاكتب له عندك أجرًا.
قال سهل بن صخر لابنه: يا بنيّ إذا ملكت ثمن غلامٍ فاشتر به غلامًا فإنّ الجدود في نواصي الرجال.
ذكر الشراب عند محمد بن واسع فقال: لولا أنهم يتكاتمون عيوبه لما شربوه.
قال كسرى لأصحابه: أيّ شيءٍ أضرّ على الإنسان؟ قالوا:
[ ٧ / ١٩٤ ]
الفقر، قال كسرى: الشحّ أضرّ منه، لأن الفقير إذا وجد اتّسع والشحيح لا يتسع وإن وجد.
قيل لجعفر بن محمد ﵉: لم حرّم الله الرّبا؟ فقال: لئلا يتمانع الناس المعروف.
تعرّض أعرابي لمعاوية في طريقٍ وسأله، فمنعه، فتركه ساعة ثم عاوده في مكانٍ آخر، فقال له: ألم تسألني آنفًا؟ قال: بلى، ولكن بعض البقاع أيمن من بعضٍ؛ فوصله.
وصف العباس بن الحسن العلويّ جليسًا فقال: جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء ومن الثّمل على الغناء. وذم رجلًا فقال: ما الحمام على الإصرار، والدّين على الإقتار، وشدّة السّقم في الإسفار، إلا أخفّ من لقاء فلان.
قال الحجاج بن خيثمة لابنه: والله ما تشبهين، فقال: والله لأنا أشبه بك منك بأبيك، ولأنت كنت أشدّ تحصينًا لأمّي من أبيك وأمك.
[ ٧ / ١٩٥ ]
ذكر الإماء عند بعض الخلفاء فقال: الإماء ألذّ مجامعة وأغلب شهوةً وأحسن في التبذل وآنق في التدلل؛ فقال بعض الحاضرين: تردّد ماء الحياء في وجه الحّرة أحسن من تبذّل الأمة.
قيل لجعفر بن محمد ﵉: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إّلا الخشن، ولا يأكل إّلا الجشب، فقال: لم يا ويحه، مع ما مكّن الله له من السلطان وجبي إليه من الأموال؟ فقيل: إنما يفعل ذلك بخلًا وجمعًا للمال؛ فقال جعفر: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما له ترك دينه.
كاتب: أما بعد فحقّ لمن أزهر بقولٍ أن يثمر بفعلٍ.
لما مرض معاوية دخل إليه عمرو بن العاص فقال معاوية: أعائدًا جئت أم شامتًا؟ فقال عمرو: ولم تقول هذا؟ فوالله ما كلفتني رهقًا، ولا أصعدتني زلقًا، ولا جرعتني علقمًا، فلم أستثقل حياتك وأستبطئ وفاتك؟ فقال معاوية: الوافر
[ ٧ / ١٩٦ ]
فهل من خالدٍ إمّا هلكنا وهل بالموت يا للنّاس عار
قال سلم بن قتيبة: لا تمازحوا فيستخفّ بكم الناس، ولا تدخلوا الأسواق فترقّ أخلاقكم، ولا ترجّلوا فتزدريكم أكفاؤكم.
قال عامر بن الطفيل لثابت بن قيس: والله لئن تعرضت لعنّي وفنّي وذكاء سنّي لتولينّ عني، فقال له ثابت: أما والله لئن ترضت لشبابي وشبا أنيابي وسرعة جوابي لتكرهنّ جنابي.
ورد العطويّ على والي الأهواز بكتابٍ مزوّرٍ فقال له: أقم، فلمّا كان اليوم الثاني خاصم الحاجب، فقال له: أتخاصم الحاجب؟! قال: فأردت مني أن يكون كتابي مزوّرًا، وكلامي ضعيفًا؟! فاستطرفه ووصله.
سأل داود بن فلان جعفر بن حرب: ما المحال؟ فقال: ما لا يتصّور في الوهم مثل قائم قاعد، قال: وكلّ ما لا يتصور في الوهم محال؟ قال: نعم، قال: فإن الله ﷿ على زعمك محالٌ، فإنه لا يتصور في الوهم؛ فما أحار جوابًا؛ معناه: ما ردّ جوابًا. يقال: حار يحور أي رجع
[ ٧ / ١٩٧ ]
يرجع، وقال الله ﷿ " إنّه ظنّ أن لن يحور " أي ظنّ أنه لا يرجع. والحائر كأنه المتراجع المتدافع المتتابع، وكذلك الماء، وقد مرّ فيما سلف من هذا الفصل أشفّ من هذا.
٦٢٥ - وأما المسألة والجواب ففيهما شيءٌ ما استوفيّ: اعلم أنّ الله تعالى عليٌّ بذاته وصفاته وحقيقته ومعناه من كل ما نحاه الفهم، وحصّله التّمييز، ودلّ عليه الوهم، ولحظه العقل، وساق إليه التعارف، وقربه القول، وتمثّله القلب، وتحدث به النفس. فزعم السائل أنه متى لم تقم في النفس صورته فهو محال جدلٌ، والجدل محطوطٌ عن الإنسان في معرفة صانعه وإثبات منشئه، وليس الله - على ما أخبرنا عنه - لعلّةٍ صريحةٍ وسببٍ قائمٍ ولحالٍ معروفةٍ، فإنه لو كان على ما هو عليه كشيءٍ من هذه الأشياء لكان منقوصًا من ذلك الوجه، بل النقص والكمال فعلان له، يوسف بهما من وهبهما له وساقهما إليه، وعلى ما يمكن أن يقال نقول في ذلك بما يغنيك عن الشكّ فيه وإن بعدت عن الطمأنينة إليه: أما تعلم أنه لو قام في النفس، أو التبس في العقل، أو تمثّل في القلب، أو برز بالتحصيل، أو أشير إليه في جهةٍ أو نفي من ناحية، أو أثبت في حال، كان تصرّف هذا كله علّةً ونقصًا، وأنه متى فرض كذلك فقد جهل من حيث قصد العلم به؛ وإنما انتهى العالمين به إلى أنه لا
[ ٧ / ١٩٨ ]
علم لهم به، فكان عجزهم عن لحوقهم لحوقًا، وجهلهم ما يستحيل تصويره علمًا، ووقوفهم عند نهاياتهم تعبّدًا، وبحثهم عما وراء ذلك اجتراءًا، وسؤالهم عما طوي عنهم فضولًا، وتشكّكهم بعد البرهان خذلانًا، وسكونهم إلى الظنّ خسرانًا، وتصريفهم القول فيه بهتانًا. أتراك لا تعرف حقيقته ولا تعقل صفته إّلا بعد أن تكون موسومًا بسماتك ومردودًا إلى أحكامك؟ هيهات، إنه لو قبل نعتًا من نعوتك لكان خلقًا مثلك ولم يكن خالقًا لك، وإنما وجب أن يترقّى عنك وعن صفاتك لأنه فاعلك وفاعلها، فكيف يستعير وصفك وهو غنيٌّ عنك؟ أم كيف يشبهك وهو بعيدٌ منك؟ أم كيف يهتدي عقلك إليه وعقلك خلقٌ مثلك، وهو مبتلىً بمثل عجزك ومرميٌّ بقصور غايتك؟ وهل استفدت عقلك المضيء إّلا منه؟ وهل وجدت لسانك المبين إّلا عنده؟ وهل لجأت في النوائب إّلا إليه؟ أغرّك منه إحسانه إليك، وإنعامه عليك، ورفقه بك، ودعاؤه لك، ومناجاته إياك؟ الزم حدّك، وارجع إلى صفتك، واقض حقّ عبوديتك، واطلب المزيد بامتثال الأمر، وتسكين النفس، ورعاية ما هو متصلٌ منه بك، وثابتٌ له عندك، فلو قد سألك عنك - على قربك منك - لظهرت فضيحتك لشائع جهلك؛ ولو طالبتك بما له عليك لقيّدك العيّ عن
[ ٧ / ١٩٩ ]
الاحتجاج لنفسك؛ بل لو حاسبك على ما تجتنيه لنفسك، وتختاره لجمالك وتراه ذخرًا لحياتك لبان خلل عقلك، وتلجلج فصيح لسانك، وحار ثاقب نظرك، ودحضت ثوابت حجّتك، ولكنت أوّل من يلوذ به، دامع العين، دامي الفؤاد، سليب العدة، ملطوم الخدّ، نادم القلب. هناك تعلم أنّ الملوك لا ينازعون ولا يتبدّلون، ولا يجادلون ولا يمتهنون. فحسبك منه أنه لاطف سرّك، وفتح ناظر قلبك، وعرض أصناف نعمه عليك، لتكون لنفسك خيرًا مما أنت عليه، وتفارق ما أنت فيه لما أنت أحوج إليه.
قال رجل: قلب الله الدنيا، فقال المأمون: اذن تستوي! قال أبو خازم: الذي يلقى من لا يتقي الله من تقيّة الناس أشدّ مما يلقى من يتقي الله من تقيّة الله.
كان لخزيمة بن خازم كاتبٌ ظريف أديب، وكان يتنادر على خزيمة كثيرًا، فقام يومًا بين يديه فقال: إلى أين تقوم يا هامان؟ فقال الكاتب: أبني لك صرحًا.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
قال أعرابيٌّ يصف مطرًا: احرنجأ من السحاب متكفّت الأعالي لاحق التّوالي، فهو غادٍ عليك أو سارٍ، سير السبلان وليّ الغدران.
قال جعفر بن محمد ﵉: العقول خزائن الحكمة.
قال جعفر بن قدامة: سمعت أعجميًا يقول وهو يجمّش جاريةً لعائشة بنت المعتصم: يا ابن الزانية، أيّ شيء ينفعك إذا أذبحتني.
كتب ابن المعتزّ إلى رجلٍ يذمّه: ذكرت حاجة أبي فلان المكني ليعرق لا ليكرم، فلا وصلها الله بالنجاح، ولا يسّر بابها للانفتاح؛ وذكرت عذرًا يفصح به عن نفسه، فوالله ما يفصح عنها لكنه يصحّ عليها؛ وأنا والله أصونك عنه، وأنصح لك فيه، فإنّه خبيث النيّة، متلقّف للمعايب،
[ ٧ / ٢٠١ ]
مقلّبٌ للسانه بالملق، يتأبّس بالتخلق وجه الخلق، موجودٌ عند النعمة، مفقودٌ عند الشّدّة، قد أنس بالمسألة، وضري بالردّ، فلا تعقّ عقلك باختياره، ولاتوحش النعمة بإذلالها به، والسلام.
قيل لمجنونٍ كان بالبصرة: عدّ لنا مجانين البصرة، قال: كلفتموني شططًا، أنا على عدّ عقلائهم أقدر.
قيل لأعرابي: لم يقال أباعك الله في الأعراب؟ قال: لأنّا نجيع كبده، ونعرّي جلده، ونطيل كدّه.
وصف أعرابيٌّ رجلًا فقال: كان إذا تكلّم أفاد، وإذا سئل جاد، وإذا ابتدأ أعاد.
شاعر: الرجز
يا إبلي روحي إلى الأضياف إن لم يكن فيك صبوحٌ كاف
فأبشري بالقدر والأثافي وغارفٍ ومغرفٍ غرّاف
[ ٧ / ٢٠٢ ]
قيل لفيلسوف: ما الحسن؟ قال: حسن الإنسان أن يكون ذا اعتدالٍ في الصورة، وقبولٍ في الرواء، ومنظر مليح الشمائل.
قال عمر بن ذرّ: اللهمّ إن كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضها إليك، وهو الإشراك بك، وإن كنّا قصّرنا عن بعض طاعتك فقد تمسكنا بأحبّها إليها، وهو شهادة أن لا إله إّلا الله وأن رسلك جاءت بالحقّ من عندك.
قال أبو العيناء: قفلت لمخنّث: كيف جوفك؟ قال: أدخل لسانك وذقه.
طلب اليونانيون ملكًا للملك بعد أن مات ملكهم، فقال بعض الحاضرين: فلان الفيلسوف: لا يصلح للملك، قيل: ولم؟ قال: لأنه كثير الخصومة، وليس يخلو في خصومته من أن يكون ظالمًا، والظالم لا يصحّ للملك لظلمه، أو يكون مظلومًا، فأحرى أن لا يصلح لضعفه، فقيل له: أنت أحقّ بالملك ممّن ذكرنا.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
قال أبو العيناء: قطعني ثلاثة؛ قلت مرةً لصوفي: ما هذه الصّفرة في وجهك؟ قال: لأكلك شهواتي؛ وقلت لعبّادة وقد تأوّه مرةً من شيء: من تحتي، فقال: ومعي ثلاثة؛ وقلت لمغنية غنت: أين الصّيحة؟ فقالت: خبّأتها لثالثك.
وقع في بعض العساكر بالليل هيج، فوثب خراسانيٌّ إلى دابّته ليلجمها فصيّر اللجام في الذنب من الدهش فقال: هب جبهتك عرضت ناصيتك كيف طالت؟ ها أنا عارضٌ عليك من كلام رسول الله ﵌ جملةً شريفةً تكون لك مادّةً في الباطن، وجمالًا في الظاهر، وعمدةً عند الشّبهات، وحجّةً يزم المنازعات، وهو الكلام الذي قد بان عليه النور، وأيّد بالبرهان، واستخلص من حق التقوى، يجمع لك الأدب والتأديب، ويدلّك
[ ٧ / ٢٠٤ ]
على الصّلاح والتسديد، وقد سبق أبو عثمان إلى جمعه في " البيان والتبيّن " وليس على ما يأتي به عثمان مزيد، فإنه الشيخ المقدّم والبليغ المعظّم؛ لكنّي أرى أن لا أخلي هذا الكتاب من شعبةٍ كبيرة من ذلك، وأمرّ أيضًا بأطرافه مفسّرًا وشارحًا ومنتصرًا وناصحًا، فقد نسب إليه عليه وآله السلام ما يكثر قدره ولا يلصق البتة به.
قال صلّى الله عليه وآله، ورزقنا النظر إليه والوقوف يوم القيامة بين يديه: المؤمن مألفةٌ ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف؛ دخلت الهاء للمبالغة كما دخلت في راوية وعلاّمة ونسّابة، تقول: ألفته آلفه إلفًا وإلافًا، وألفته أولفه إيلافًا، وألّفته وتألّفته: استعلمته واستعطفته، وكأنه أراد بهذا أن المؤمن يفزع إليه ويقتبس منه. وهذا الخبر يمنع من الاعتزال والتفرّد وإن كانت السّلامة في الغالب فيهما، لأنّه لا يألف حتى يخالط، وكل هذا منافٍ للتعزّب والانقطاع عن الناس، والحكمة أيضًا في نظام العالم تقتضي معونة كلّ من لبس قميص الحياة خاصةً إذا كان شريكك في الصورة، أعني إذا كان قريبًا منك: إمّا بالنّسب وإما بالأدب وإما بالبلد وإما بالصّناعة وإما بالتّخطيط وإما بالمشابهة،
[ ٧ / ٢٠٥ ]
ولهذا السرّ يتعصّب هذا لأهل بلده وأرباب صناعته وبني جنسه، ويستدعي أيضًا عونهم لنفسه.
وقد يقال هنا أيضًا: لم عرضت المنافسة واشتدّ الحسد وكثر التتبّع حتى أفضى ذلك في بعض المواضع إلى البوار والقتل والجلاء والهلاك. وأفضل ما يتولّد منه الهجر الطويل والمنازعة الشديدة؟ والجواب عن هذا سيمر مع اخواتة في الموضع الذي نفددة لجميع مسائل هذا الكتاب مما سمعنا ووعيناه وغير ذلك مما أثرناه واستنبطناه. فالتمس هناك ذاك، فهذا موضعٌ قد جردناه لكلام رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وقال ﵇: المرء مع من أحبّ، وهذا يتضمّن زجرًا وبشرى، فأما الزجر فلمن قارن قرناء السّوء، وأما البشرى فلمن اقتدى بأهل التقوى.
[ ٧ / ٢٠٦ ]
وقال ﵇: حبّك الشيء يعمي ويصمّ؛ دلّ على أن محبّتك يمتزج بها الهوى، وتجاذبها الشهوة، وتذل معها النفس، ويكلّ عندها العقل، فذاك هو الإعماء والإصماء، وإنما أراد التّمثيل باللفظ والزّجر بالمعنى، وهذه المحبة بهذه الصفة مقصورة على ما اتصل بالدنيا وأسبابها، فأما أمور الآخرة وطرائق الدّين فإنّ حبّك لها لا يعمي ولا يصمّ، بل يزيدك في سمعك وضياء بصرك ونور قلبك وطهارة خاطرك.
وقال ﵇: الناس كإبلٍ مائة، لا تكاد تجد فيها راحلةً؛ دلّ بذلك على عزّ الموافق لك وقلة المتحمّل عنك. وليس هذا القول منافيًا لقوله: الناس كأسنان المشط، لأن قوله الثاني مقصورٌ على ما لهم وعليهم من الأحكام التي قيدهم الله فيها بالتكليف، وقرن أمورهم فيها بالوعد والوعيد، وإّلا فالاختلاف بينهم قائم، وقد تفاضلوا بالعافية، وتباينوا بمراتب التّقوى.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
وقال ﵇: المؤمن مرآة المؤمن؛ دلّ بهذا على أن المؤمن ينظر إلى أخيه فيقوّم نفسه به، وكذاك ذاك مع أخيه، وكأنهما يتواعظان ويتواصيان، وهذا كلامٌ جامعٌ لخير الدنيا والآخرة. وقد دلّ على الألفة، لأن الفارد لا مرآة له، والمرآة من الرؤية مفعال، كالآلة في مفعل كالمقطع، وجمعها مراءٍ على وزن مراعٍ. وربما سمعت من هؤلاء " مرايا "، وذلك خطأ، ذكره أبو حاتم وأبو زيد. وأما المرايا فجمع مريّ، والمريّ الناقة التي تحلب كأنها تمري، يقال: مريتها وامتريتها - لا همزة في هذه الحروف، إن شئت ذكّرت وإن شئت أنّثت؛ وبالاستعارة يقال في الفرس إذا كان جوادًا: مريته واستمريته، كأنك تستدعي الجري من الجواد كما تستدعي الدّرّ من الناقة، وكان القياس في المرايا أن يقال في واحدتها مريّة - بالهاء - لكنها شذّت عن بابها: ألا ترى أن العرايا واحدتها عريّ، والسّرايا واحدتها سريّة، والشّرايا واحدتها شريّة - وهي الجارية المشتراة - فكأنها شذّت لأنه لا مذكّر لها، فقام التذكير فيها مقام التأنيث، ولو زاحمها المذكّر بهذه الصفة لأخذت
[ ٧ / ٢٠٨ ]
علامتها بحقّ واجب، وكأنها قامت مقام قولك: حائض، لما أمن من اللّبس، لأن الرجل لا يشاركها. هذا مذهبٌ في الملاحن يقال: رأيته، أي أصبت رئته، وهو مرئيٌّ مثل مرعيّ، وكذلك من الرؤية. فأما رويت - بالتخفيف - فمعناه حدّثت وأسندت وأنشدت، والرّواء: الحبل، فكأن معنى " رويت الحديث ": شددته بإسناده وأحكمته. وأمّا الرّواء - بفتح الراء - فالماء الذي يروي، وأما الرّواء - بضم الراء وهمزة - فالمنظر، وكأنه من الرؤية. وكذلك الرّيّ - مثل الرّعي - ومنه قوله " أثاثًا وريًّا " وقد يثقّل فيقال " ورئيًا " على مذهب من قال رأيته؛ فقد اجتمع في " رأيت " ثلاثة معان: معنىً أخذ من الرؤية بالبصر، ومعنى أخذ من الرأي وهو مايرى القلب، ومعنى أخذ من الريّة؛ والعرب تقول: من أين ريّتكم، أي من أين ترتوون، أي من أين مستقاكم. وأمّا الريّة - بالتخفيف - فما يروى به النار؛ هكذا عند الأصمعي، وقال أبو حنيفة صاحب " النبات ": هي بالتشديد كالنّيّة من نويت.
وقد مضى هذا كالمستقصى بعد أن عرض على القوّام بهذا الشأن وبعد أن تتبّع به صحيح الكتب، فاجتهد في معرفتها وحفظ نظائرها، فإن الأدب أنسٌ إن شئت أنسًا، وكنزٌ إن طلبت كنزًا، وجمالٌ إن أحببت جمالًا، ومثوبةٌ إن
[ ٧ / ٢٠٩ ]
قصدت ثوابًا؛ حفظك الله معينًا، وأعانك ناصرًا.
وقال ﵇: " المؤمن من أمنه الناس "؛ هذا وسفه لمن كان الإيمان لبوسه، والتوحيد عقيدته، والزهد في الدنيا قاعدته، وكأنّما أخذ هذه الصفة من اللفظ، لأنّ من أمن الناس أمنوه، أي إذا لم يخفهم لم يخافوه، وعلى هذا يؤخذ من الأمن، وكأنّ الأمن من الإيمان، والباب فيهما واحد. وكان بعض السّلف يقول: السلام المؤمن، أي يؤمّن الخائفين إذا وصلوا خوفهم بالطاعة، وكأنّ هذا يوجد في صفات ويصير بها مؤمنًا للمؤمنين فيكون لفظ فعلة من الأمن ولفظ فعلهم فعله من الإيمان؛ وكذلك وصف الله تعالى الآخرة بدار السلام وبدار القرار وبدار الخلد، لأن هذه ممزوجة من الخوف. وقرأ ابن القعقاع " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمنًا " بفتح الميم - وهذا يؤخذ من الأمن كما قلت لك.
[ ٧ / ٢١٠ ]
وقال صلّى الله عليه وآله: " حسن العهد من الإيمان "؛ قال هذا في امرأةٍ كانت تغشاه في منزل عائشة، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك. فقال ﵇: " إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان ": دلّ بهذا القول على حفظ الحالة السالفة ومراعاة من شوهد، وحثّ أيضًا على جميع ما كان موصولًا به قريبًا منه، لأن اللفظ مطلقٌ إطلاقًا، وفي ضمنه إيضاحٌ عن حسن الخلق، وقد قال ﵇: " إنّ أحدكم ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم ". وكيف لا يقول هذا وقد قاله الله ﷿ " وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ ".
٦٥١ب - سمعت القاضي أبا حامد يقول: لما نهض رسول الله ﵌ بعبء الرسالة، وأدّى ما فيها من حقّ الأمانة، وبلغ الحدّ فيما رسمه التكليف وورد به الأمر، أمره الله ﷿ بأشياء تكميلًا لشأنه ودلالةً على فخامة أمره فقال " خذ العفو " وقال " فإذا الذي
[ ٧ / ٢١١ ]
بينك وبينه عداوةٌ "، فلم يقنع للعدوّ إّلا بمنزلة الوليّ حتى يكون حميمًا - أي قريبًا؛ فلما قضى ما عليه في جميع ذلك أثنى عليه وعجّب منه واستثبته فيه بقوله ﷿ " وإنّك لعلى خلقٍ عظيمٍ " وناهيك بعظيمٍ الله معظّمه، وناهيك بمحسنٍ الله تعالى مثن عليه.
٦٥١ج - وقال بعض مشايخنا: لولا أنّ الدّين مقدّم الشأن لقدّمت الخلق عليه لأنّي أجد الخلق إذا اعتدل وحسن وظهر، جامعًا لقرّة العين، وسرور البال، وطيب الحياة، وإحراز الخير، والسلامة من القيل والقال.
وكان بعض الأوائل يقول: إنما صار مرتبة الخلق هذه المرتبة لأن الخلق تابع للخلق، فكما لا يتمّ المشار إليه بحسن الخلق إّلا بأن يكون سويّ الخلق، كذلك لا يكمل سويّ الخلق إلا بأن يكون حسن الخلق.
وقال بعض الصّوفية: بالخلق يستفاد الكون، وبالخلق يستفاد الخلد؛ وكأنّ معنى هذا الرمز أنّا بالخلق نكون في هذه الدار، وبالخلق ننتقل إلى أخرى الآثار، هذه بائدةٌ وتلك باقية؛ والكالم في الأخلاق واسع، وفيما أشرنا إليه مقنعٌ.
[ ٧ / ٢١٢ ]
وقال صلّى الله عليه وآله: " دع ما يريبك لما لا يريبك، فمن رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ هذا دليلٌ على أمرٍ جامعٍ لخير الآجل والعاجل إذا وقعت العناية من الناظر فيه، لأنّه ما من شيءٍ من أمر الدنيا والدّين إّلا وفيه ما يريب؛ تقول: رابني يريبني، وأراب هو إذا أتى بريبةٍ أو دخل في ريبة؛ والرّيب: الشك. ومن تمسك بمعنى هذا الخبر في مقاصده كلها كان السلم والسلامة والأمن والأمانة صواحبه، وذلك أن فيما ينظر فيه مما يعلم أو يعمل ما يريب كما أن فيه ما يبين، فالأولى عند كل معتقدٍ أن يتوقّف عنه إذا راب، كما أنّ الواجب أن يمضي عليه إذا وضح. وما أحوج المتكلّمين إلى المصير إلى هذا، فإنّهم يمرّون على غلوائهم كأنّهم لا يريبهم رائب.
وقال صلّى الله عليه: " لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرّتين "؛ هذا قاله لأبي عزّة الشاعر، وذلك أن النبيّ صلّى الله عليه وآله أسره يوم بدر، فسأله أن
[ ٧ / ٢١٣ ]
يمنّ عليه على أن لا يحضّض ولا يحرّض ولا يهجو رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ فلما خلص إلى مكة خدعه المشركون وأرغبوه، وكان ذا عيالٍ كثير وكرشٍ كبير، فعاد إلى الحال الأولى، وأخفر الذّمّة - هكذا يقال بالألف - ونبذ العهد، وكفر اليد، وجحد المنّة، واستحقّ اللعنة. فلما أسر من بعد أتي به إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله، فطلب العفو، فقال ﵇: " والله لا رجعت إلى مكة، ولا قعدت بفناء الكعبة تمسح عارضيك وتقول: سخرت من محمد مرّتين، ثم أمر فضرب عنقه ". يقال سخرت منه وبه، والأوّل أفصح؛ فكأنّ المعنى في الخبر أن المؤمن حازم، وأنه إذا أتي من شيء مرةً حذره وأعدّ له، وكان منه على يقظةٍ واحتراس، وما هكذا الفاجر، فإنه يجهل حظّه، وينسى نصيبه، ويذهب في هواه طلق الجموح، غير راعٍ ما عليه، ولا مرعٍ على ما هو إليه. ولفظ الخبر على مذهب الخبر، ولكنه قد اشتمل على النّهي وصورة النهي، كأنه قال: لا يؤتينّ أحدكم من سوء نظره وقلّة احتراسه.
وقال ﵇: " لا تنزع الرّحمة إلا من شقيّ؛ ثم قال:
[ ٧ / ٢١٤ ]
من لا يرحم لا يرحم "؛ المعنى في قوله: من لا يرحم لا يرحم أبين منه في قوله: لا تنزع الرحمة إلا من شقي، وذلك أن الرحمة إذا نزعها الله ﷿ منه فإنه يشقى بضدّ الرحمة وهي القسوة. والمعتزليّ يقول لك: كيف لا يكون قاسيًا من نزعت الرحمة منه، وكيف لا يكون ضريرًا من سلب بصره؟ فإذا قيل له: فما تقول؟ قال: ليس الخبر حقًّا، فإن قيل على التهمة الواقعة لك: ما وجه القول؟ فليس يضيق مثل هذا الإطلاق عند جميع الأمّة عن تأويل يطّرد فيه المعنى ويتمّ عليه المغزى، فيقول على التكليف: كأنّ المراد أن الفاسق القاسي يعاقبه الله ﷿ على ذنوبه بنزع الرحمة من قلبه، وهذا بعد استحقاق العبد ذلك بما اجترم واجترح.
وسألتبعض الحكماء والعلماء عن هذا فتعسّف، وقال: كأنّ من شقي بسعيه وقدم القيامة صفرًا من الخير كمن نزعت الرحمة من قلبه، أي لم يعامل بما يستحقه السعيد؛ فعلى هذا الرحمة من الله تعالى جزاءٌ إلا أنها منزوعةٌ عن هذا؛ وكلّ هذا واهٍ ضعيف، والكلام على جملته مفيد المعنى مقبول المراد غير مأبيٍّ ولا مردود.
ولست أحبّ من هؤلاء العلماء هذا التّنقير فيما هذا سبيله، فإنه أخذٌ
[ ٧ / ٢١٥ ]
بالكظم وحنقٌ على الجرّة وصدٌّ عن سبيل العلم والعمل، وشغلٌ بما لا يجدي ولعله يضّر، وبئس الشيء التكلّف؛ وإن هذا الباب سيجرّ الإنسان إلى تفتيش كلام الله ﷿، وتكشيف كلام رسول الله صلّ ى الله عليه وآله، ومن ها هنا اجترأ هذا فقال: ليس هذا كلام الله، وليس هذا قول رسوله ﵌، وأنّ التالي قد حرّف، وأنّ الراوي قد خرّف.
أنا سمعت رجلًا بالمدينة - وكان من بلد المنصور - يقرأ: هذا صراط عليٍّ مستقيم، يضيف الصّراط إلى عليّ؛ فقلت: من تريد بعليّ؟ فقال: ابن أبي طالب ﵇، قلت: فأعرب آخر الكلام، فقال: مستقيم - بالكسر - فقلت: إن القراءة قد استمرّت على نحوين، إما " هذا صراطٌ عليٌّ مستقيمٌ " فتكون " عليّ " نعتًا للصراط وإما " صراطٌ عليّ مستقيمٌ "؛ وما عرض لكسر مستقيم. فقال لي: أراك لا تفهم، أما تعلم أن الاستقامة بعليٍّ أليق منها بالصّراط؟ على أن الصّراط هو عليٌّ والمستقيم هو عليٌّ.
وقد غرّ بجهلهم واجترائهم وسوء تأويلهم وارتكابهم دين الله تعالى القويم والفتنة فيه إلى زيادة، وإلى الله المشتكى وعليه التوكّل في حفظ ما أمرنا
[ ٧ / ٢١٦ ]
بحفظه، وترك ما أمرنابتركه، فما نقدر على خير إّلا بإذنه، ولا ننصرف عن شيءٍ إّلا بصنعه، وهو وليّنا ومولانا.
قال ﵌: " التّؤدة من الله ﷿ والعجلة من الشيطان "؛ وليس هذا على أن الله يتئد والشيطان يعجل، ولكنّه على وجه العقل قريبٌ من الحق صحيحٌ في العقل، وذلك أن التؤدة كلها من الله تعالى أي بإذنه ودلالته وإرشاده، وكأن العجلة من الشيطان أي بتسويله وتزيينه ومراده، لأنّ الشيطان يتوقّع زلّتك، ويتمنّى غرّتك، لكنه لا يجد ذلك في تؤدتك وتثبّتك وأناتك، فهو يتمنّى ذلك في عجلتك؛ فحثّ ﵇ على التؤدة لأن التّوقّي معها، والسلامة مع التوقّي، ونهى عن العجلة لأن الزّلّة مع العجلة والهلاك مع العثرة، يقال: اتّأد يتّئد اتّئادًا وتأيّد يتأيّد تأيّدًا، وتأنّى يتأنّى تأنّيًا، وهو مأخوذ من الونا - يقصر ويمدّ - وقد مرّ من قبل أشبع من هذا؛ ويقال منه أيضًا: استأنى يستأني استيناءً والأمر منه: استأن، ويقال إين في
[ ٧ / ٢١٧ ]
أمرك، أي ارفق، فأما إن فبمعنى حن إذا أمرت، لأنك تقول: حان يحين، كما تقول آن يئين، فأما يؤون فيترفّق.
وقال صلّى الله عليه وآله: الدنيا سجن المؤمن. سئل ابن الخلفاني عن هذا الحديث سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وأنا أسمع، فقال: حديثٌ حسن الإسناد، الناس قد تقبّلوه ورووه، وليس فيه ما يوهي أصلًا ويردّ نصًا ويفحش تأويلًا، وتأويله ظاهر وذلك أنّ المؤمن فيها غريبٌ لأنّه فيها مستوحشٌ، وعنها متجافٍ، وبها متبرّم، يرى الرّوح في جوار الله الكريم، ونعيمه المقيم، حيث لا لغو فيها ولا تأثيم، وهو كالحبيس عن مقرّه وموطنه، وقد وصل بالحديث: والدنيا جنّة الكافر لأنه لا يلحظ معادًا، ولا يشتاق ثوابًا، ولا يخاف حسابًا، يحبّ العاجلة وتذره الآخرة، يرى السعادة فيما تعجّل وصفا، وطاب وكفى. وكأنّ هذا الخبر غير منافٍ لقوله: الدنيا خير مطيّة المؤمن، هذا إذا كان قاله، فإني لا أثق بجميع ما روي، ولا أجيز كلّ ما
[ ٧ / ٢١٨ ]
أخبر، وإنما ألوذ بالقول مفيدًا أو مستفيدًا، وأرجو أن تسلم العاقبة مع سلامة النيّة وحسن القصد في القول والعمل، وإنما لم يناف الأول الثاني لأنّ المعنى في الثاني مستقلٌّ بنفسه، وذلك أنّ المؤمن ها هنا يحرث للآخرة، ومنها يتزوّد للآجلة، وبرغبته عنها يستحقّ الدرجة العالية.
وقال صلّى الله عليه وآله: " الدّالّ على الخير كفاعله "؛ هذا حثٌّ على الخير وتشبيهٌ لمن وطّأ الطريق إليه ودلّ الطالب عليه بمن تفرّد بفعله، واشتراك بين من دلّ وبين من قبل ليقع التعاطف، ويعمّ التلاطف، وليكونوا كنفس واحدة. ألا تراه كيف نهى عن التّباين في قوله: لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا؟ وإنما صحّ التشبيه لأنّ الدلالة من الدالّ على الخير خيرٌ، وقبول الدلالة من القابل خير، فكأنّ هذا بمّا دلّ وهذا بما قبل فاعلان خيرًا.
[ ٧ / ٢١٩ ]
وقال صلّى الله عليه وآله: " المؤمن ينظر بنور الله تعالى "؛ قد أطال الناس القول في هذا وما تباعدوا عن ذلك، وفي الخبر زيادةٌ وهي: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.
٦٥٨ب - سمعت بصراء العلماء يقولون: نور الله ﷻ هو المعنى الذي خلص من الهوى ودواعيه، وتنزّه عن الرّياء وطرقه، فإنه كالضياء في أفق القلب، به يستدرك المؤمن غائب الأمر، ويتحقّق باطن الحال، ويطّلع على مكنون النفس. وسمعت البقّال يقول: ولعله أشار بالمؤمن إلى بعض من حضره، فخصّه بالوصف وأبانه بالتشريف، وهذا فيه بعدٌ فإن اللفظ مرسل. وقلا بعض الفلاسفة: هذا هو إشارةٌ إلى اقتباس النفس من العقل وإلقائها إلى
[ ٧ / ٢٢٠ ]
الإنسان ومن ذلك الرؤيا؛ قال: ولذلك قال ﵇: الرؤيا الصادقة جزء من أجزاء النبوة. وللعابر أيضًا تصيّدٌ للدّليل واستشرافٌ للتمثيل، وقد مرّ من ذلك في هذا الكتاب ما هو كالبيان عن هذه الأصول، وفي مثله: سأل رجلٌ أبا عبد الله الزبيري الضرير عن رؤيا رآها، فقال الزبيري: سلني عنها بين يدي القاضي. وكان المستعير معدّلًا؛ فغدا إلى مجلس القاضي ووافى المعدّل، فابتدر فسأل وقال: إني رأيت كأنّي قاعدٌ عند الله ﷿، والله تعالى يخلق السموات والأرضين، فأعظمت ذلك، فما تأويله؟ قال الزبيري: أيها القاضي أسقط عدالة هذا الرجل فإنّ الله تعالى يقول " ما أشهدتهم خلق السّموات والأرض " ورؤياه تدلّ على أنه شاهد زورٍ؛ ففحص القاضي عنه فوجد ذلك كذلك. وكلّ من كان أخلى بالًا مع الله ﷿، وأشدّ التفاتًا إلى الآخرة، وأقلّ التباساّ بالدنيا، فإنّ كلامه أصوب، وحاسته أحدّ، وخاطره أثقب، وحكمه أنفذ، وظنّه أصدق، وحدسه
[ ٧ / ٢٢١ ]
أفتق، وقد شهدت التجربة بذلك على جري الدهر؛ يقال: كان ذلك على وجه الدهر وأشب الدهر وجري الدهر وسالف الدهر. والفراسة: الإصابة، ومنه افتراس الأسد فريسته؛ هكذا حفظته عن الثقة العالم، وإذا انضمت الثقة إلى العدل والعلم، سعد الرجل، وذلك أنك لا تشاء أن تجد عالمًا لا ثقة له، أو ثقةً لا علم له إّلا وجدت، فأما العزيز فالعالم الثقة، وأعزّ منه الثقة الورع الدّين الزاهد، فقد يستعمل الثقة العالم الدين ولا ديانة له، ولا ورع معه، مدًّا لجاهه وبسطًا لأمره وتألفًا لطالبيه واختداعًا للراغبين فيه، وآفات العلماء لا يحصيها إّلا ربّ السماء، وما أحبّ بسط اللسان فيهم، رعايةً لذمام العلم وأخذًا بأدب النفس، ومصيرًا إلى أحسن الهدي؛ ستر الله عليهم فضائحهم، ونقلهم إلى ما يرضى عنهم، إنه مالكهم، والقائم عليهم وجعلنا ممّن تغمّده بعفوه، وقرّبه من نجاته، وآواه إلى جنّته.
قال صلّى الله عليه وآله: " إنك لا تجد فقد شيءٍ تركته لله ﷿ ".
وقال ﵇: " المنتعل راكب ".
[ ٧ / ٢٢٢ ]
وقال: المرء كثيرٌ بأخيه يكسوه برفده. يقال رفدته، والرّفد: العطاء، والإرفاد: الإعطاء؛ وأبو تمام يقول: الطويل
أسائل نصرٍ لا تسله فإنّه أحنّ إلى الإرفاد منك إلى الرّفد
وقال ﷺ: " لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له ".
قال أنس: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكّل؛ قال البقال: معنى هذا القول أن التوكّل مجانبٌ للإهمال والكسل؛ بل هو بعد إعمال الحزم وبذل الكيس ونفي اللّوم ورفع أسباب النّدم.
ولقد سمعت ابن الخليل يقول: فما وجه التوكّل بعد العقل؟ قيل: لأنه يعقلها ولم يستغن عن حفظها، فقد يحلّ العقال من أراد وينجو؛ وإنما أراد ﵇ أن لا تبقى على صاحبها بقيةٌ من أسباب النّدم ولا حال تبعث اللائمة
[ ٧ / ٢٢٣ ]
عليه، ولكن يبلي العذر، وينتظر القدر، ويتبع الأثر والخبر.
وسمعت بعض الصوفية يقول: التوكّل حالٌ تتوسّط الاسترسال والاعتمال، لئلاّ يكون المتوكّل باعتماله ساكنًا إليه، ولا بتوكّله مهملًا له، ولكن يقبل أدب الله ﷿ في حفظ ما استحفظ، ثم يلوذ به فيما لا يستطيع حفظه إّلا بمعونته.
وكان أبو حامد يقول: قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: إن الله لا يقبل دعاء ثلاثة أو لا يجيب ثلاثة؛ رجلٍ يقول: اللهم خلّصني من هذه المرأة، فإنّ الله تعالى يقول: إنما جعلت طلاقها في يدك وأبحت ذلك، لئلا تظنّ أني قد ابتليتك فتطلب الفرج ممن قد سبق له الفرج ولا يجيب دعاء من يقول اللهم خلصني من هذه الأمة، فإنه يقول: قد جعلت لك أن تبيعها أو تعتقها؛ ولا يجيب دعاءً من يقول: اللهم اردد عليّ مالي - قال: يعني التاجر الذي اشترى ولم يشهد - فإنه يقول: قد ندبتك إلى الشّهادة حفظًا لمالك واحتياطًا في أمرك، فتركت الأمر وخالفت إلى النّهي، ثم عطفت تتمنّى الأماني، ليس لك عندي إّلا ما عرفت؛ وهذا كله حقّ، والاستعانة بالله ﷿ أحقّ وأحقّ.
[ ٧ / ٢٢٤ ]
وقال صلّى الله عليه وآله: لا حكيم إّلا ذو عثرة؛ وقال في مكان آخر: لا حكيم إّلا ذو أناة، ولا حكيم إّلا ذو تجربة؛ وفي اللفظ الأول معنى لطيف وهو أن الحكيم قد يعثر فلا يخرج بذلك من الحكمة والصّفة المستحقة، فكأنّ العبد إن تعلّت رتبته في الفضائل، وطالت يده في التجارب، فإنه يبين بعجزه عن حال من لا يزلّ ولا يهفو، وهذا أيضًا دليلٌ على انتفاء العصمة من صفات الإنسان، أعني أنه لا يحوي معنىً يصير به ممّن لا يجوز عليه الخطأ ولا يقع معه نسيانٌ على ما زعمت الرافضة في إمامها، فإنّ هذا نعت إله الخلق، وهم لفرط غلّوهم في أئمتهم يلحقونهم بصفات ربّهم ولا يبالون، كل ّذلك تجليحًا وجرأةً، ولهذا نشأت فيهم الغالية. ولقد قلت لسيخٍ منهم وكأني أتغابى عليه: لم قال هؤلاء إنّ عليًا ﵇ إله؟ قال: لأن جعفر بن محمد الصادق ﵇ قال لهم: عليٌّ إله؛ قلت: ولم إذا قال جعفر ذلك كان كذلك؟ ومن أين لك أن الإمام قال ذلك. قال: هذا كله من كلام الناصبة.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
وكان الخليل بن أحمد السجستاني يقول: لا يجوز أن يتعبّد الله أحد من الخلق بمحبة أحدٍ من الخلق، لأن ذلك خارجٌ من الحكمة، وذلك أنّ الإنسان - بزعمه - لا يفعل المحبة ولا البغضة، وإنما المحبة والبغضة والشهوة والكراهية عوارض للإنسان من قبل الله ﷿؛ فقيل له: فإنّا نحبّ الرسول وقد أمرنا بذلك، قال: تلك المحبة كنايةٌ عن الطاعة؛ ألا ترى أن الله ﷿ يحبّ على هذا المعنى، وقد قرن المحبة بالاتّباع، والاتّباع هو الطاعة في قوله تعالى " قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعون " فرسول الله محبوبٌ على ذلك؛ قيل له: فكيف تكون محبتنا لله كنايةً عن طاعتنا له؟ فقال: كما كان حبّ الله لنا كناية عن ثوابه لنا في قوله " يحببكم الله ".
قال ابن عباس، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: " ليس الخبر كالمعاينة؛ إنّ الله ﷿ قال لموسى ﵇: إنّ قومك فعلوا كذا وفعلوا كذا فلم يبال، فلما عاد وعاين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ".
وقد سمعت بعض الحكماء يقول: إنما صار العيان يورث الاضطرار لأنه يشارط الحواسّ، والحواسّ سريعة التقلّب والتبدّل، والخبر
[ ٧ / ٢٢٦ ]
يصحب العقل، والعقل كهف الدّعة، وجوهر القرار، ومعدن السّكون، ولهذا ترى هدي العاقل أهدى من ظاهر الأحمق، لأنّ الأحمق لا صمت له، ولا سمت معه، والحواسّ طلائع العقل وروّاده، وأقربها إلى العقل ما سلك إليه طريق السّمع. ألا ترى أنّ من سمع ففهم أشرف ممّن أبصر فعلم؟ والإنسان قد يفقد البصر ويجوز الفضل بكمال العقل، وقلّ ما يوجد من عدم السّمع ففاز بشرف العقل. قال: ويوضح هذا أن البصر يلقط من المشاهدات ما قابله، والسمع يحيط بكل ما يرعاه ويهديه إلى العقل، فكأنّ السمع أخدم للعقل، وعلى قدر خدمته له قربه منه، وعلى حسب قربه منه عنايته به.
وسمعت غير هذا الفاضل يقول: البصر في الجسم بمنزلة العقل في النفس، كأن العقل عين النفس، والبصر عين الجسم، ولهذا ما يستدلّ بسكون الطّرف وحسن تدوير الحماليق على زيادة الإنسان ونقصه.
قال عبد الله بن عمر: ما زلت أسمع " زر غبًّا تزدد حبًّا " حتى
[ ٧ / ٢٢٧ ]
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله بدور الظلام ونجوم الإسلام قال ذلك؛ يقال: زار يزور زيارةً، ورجل زورٌ وهم زور، وجمعٌ آخر، يقال: زوّار، والصحيح زائر وزائرون؛ والزّوار والمزاورة مثل الحوار والمحاورة والخصام والمخاصمة. يقال: فلانٌ زير نساءٍ: أخذ من هذا إذا كنّ يزرنه ويزورهنّ؛ فأما الغبّ والإغباب فهو أن تزور مرةً وتترك أيامًا، ومنه لحمٌ غابٌّ أي بائت. والمعنى في " تزدد حبًا " كنايةٌ عن الطّراوة والخفّة على قلب المزور ممن يزوره، والمزير: الفاضل؛ والمزر نوعٌ من النبيذ. فأما قول العامة: ما أمزره - في الشتم - فليس بعربية -، وكذلك قولهم: مزّار؛ هكذا قال السيرافي.
وقال صلّى الله عليه وآله: " الخير عادةٌ والشرّ لجاجة "؛ كأن الخير بالاعتياد ليس أن الخير عادة، وليس هذا حدّ الخبر ولا حقيقته، ولكن الخير بالعادة، ولوضوح المعنى أيضًا ما جاز أن يرسل اللفظ هكذا. والشرّ أيضًا إنما هو باللّجاجة، وما أكثر من يهمّ بشيءٍ من الشر طلبًا للتّشفّي حتى إذا قرع بابه وفّر أنيابه تتابع ولجّ واستشرى، وأمعن واستقصى وبالغ، ولم يكن بلوغ تلك الغاية
[ ٧ / ٢٢٨ ]
من أربه، ولا إليه ساق عقدة عزمه، ولكن تجاوز الحدّ باللجاجة. يقال: ألجّ ولجّ والتجّ والجّج، واللجوج ذميمٌ عند كل راءٍ وسامع، وبئس الخلق هو، وحسبك أنه مركبٌ إلى النار، ومجلبة للعار، ومذهبةٌ للأقدار والأخطار؛ واللجاجة كأنها ضيق النفس عن احتمال الحق.
وقال صلّى الله عليه وآله: " الخير كثيرٌ ومن بعمل به قليل ".
قال الحسن البصري: المعتبر كثير والمعتبر قليل؛ وقلت لأبي النّفيس: من المعتبر؟ فقال الفقيه عن الله ﷿.
وقال صلّى الله عليه: " المستشار مؤتمن "؛ كأنه أرشد من استشير إلى الأمانة بما وصفه به لأنّ المستشير لم يلق إليه ذات صدره حتى جعله أمينًا في نفسه. والمشورة - بضم الشين - مثل المعونة وقد جيز بسكون الشين أيضًا،
[ ٧ / ٢٢٩ ]
وأصل اشتقاق الكلمة من شرت الدابة إذا حركته لشور ما عنده؛ ومنه شرت العسل، أي أخذته ورقيت إليه، والسّين لطلب الفعل في قولك استشرته، ويقال: استشار الرجل إذا حسنت شارته، يقال: هو صيّرٌ شيّر إذا كان حسن الصورة والشارة.
وقال ﵇: " كلّ معروفٍ تصنعه إلى غنيٍّ أو فقير فهو صدقة "؛ قال ابن قتيبة: المعروف كل ما عرفته النفس واطمأن إليه القلب، والله معروفٌ بسكون البال وفزع الإنسان إليه، والمؤمن عارفٌ بذلك.
وقال صلّى الله عليه: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "؛ تقول: عناني هذا الأمر كأنه أشار إليك بطلوعه عليك أو باحتياجك إليه يعنيك؛ ويقال: عنيت بحاجتك، هكذا قال ثعلب في " الفصيح " بضم العين، وقال لغيره: يجوز عنيت - بفتح العين -.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
سمعت بعض أصحاب الورع يقول: ترك ما لا يعني صعبٌ، وكان بعض المشايخ ممن يتحلى بالحكمة ويتظاهر بالفضيلة دخل حمّامًا فوجده حارًا، فقال لمن بجنبه: ما أحرّ هذا الحمام؟ قال هذا: ذاك كأني لا أعلم أنك تجد من حرارة هذا البيت ما أجد، حتى تتجرّد لهذا القول وتشغل نفسي بهذا الخبر، وتقيّد لسانك بهذا اللفظ، فما الذي أفاد هذا أحدنا؟ ولقد أخذ هذا الشيخ مأخذًا صعبًا؛ وقيل: من التّوقّي ترك التّجنّي، وترك الإفراط في التوقي؛ وكأنّ هذا الرجل قريبٌ من صاحب الزّبيبة، فإن رجلًا رؤي بمنىً وعرفات وبيده زبيبة وهو ينادي: ألا من ضاعت له زبيبة؟ فقيل له: أمسك، فإنّ هذا من الورع الذي يمقته الله ﷿، ولنفس حصةٌ ولها استراحة وعليها منها كدب ومع التزمت ومع التقبض هشاشة ومع التعمّل دماثة، وللإنسان من كلّ شيءٍ حظّ، ولكل شيءٍ منه نصيب، ولو كان الإنسان مصبوبًا في قالب واحد، ومصوغًا على خطٍّ واحد، ولو كان الإنسان واحدًا، ومسلولًا عن طبيعة واحدة، لكان هذا يستمرّ بعض
[ ٧ / ٢٣١ ]
الاستمرار، ويتجوّز فيه بعض التجوز؛ فأما وهو مؤلّفٌ من أخلاط، ومركّبٌ على طبائع، ومجموعٌ متضادات، فالا بدّ أن يميل إلى شيء، ويميل به شيء، ويرى مرة طافيًا ومرة راسبًا، ومرة راضيًا ومرة غاضبًا، ومرة هادئًا ومرة صاخبًا، ومرة قانعًا ومرة ساخطًا، ومرة لاحقًا ومرة غالطًا، وأنه ما دام بين أشياء متعادية وأحوالٍ مترامية، فلا بدّ أن يترجح بالزّيادة والنقص، والربح والوكس، إلى أن يأخذ الله جلّت عظمته بيده، ويجذب بضبعه، ويؤويه إلى رضوانه. على أنّ هذا الشيخ قد استفاد بما كان منه لومًا لنفسه، وتنبيهًا لها من رقدته، ووصيّةً لغيره، وذكرًا مأثورًا من بعده.
وقال صلّى الله عليه وآله: " إنما التجبّر في القلوب ".
وقال ﵇: " سوداء ولودٌ خيرٌ من حسناء لا تلد ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زورٍ ".
[ ٧ / ٢٣٢ ]
وقال عليه وآله السلام: " أعظم النّساء بركةً أقلّهن مؤونةً ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه "؛ قال لنا أبو الشيّخ الأصبهاني - وعليه قرأنا جميع ما اتصل في هذا الجزء من أمثال رسول الله صلّى الله عليه وآله: سمعت عليّ بن حزم يقول: تفسير هذا الحديث في قول عمر بن الخطاب، فإنه قال: إن للناس وجوهًا، فأكرموا وجوه الناس؛ فقال: فمن كان له في الناس وجهٌ قيل فلان حسن الوجه.
هذا الذي قاله الشيخ عن هذا الشيخ حسنٌ مرضيّ، كأنه ذهب إلى من كان له جاهٌ وكان وجهًا ووجيهًا، فمسألته تعطفه صيانةً لجاهه وطلبًا لمنزلة الخير عند الله تعالى بذمائم عند الناس، فإن عباد الله في أرض الله شهود الله على خلق الله تعالى.
وسمعت بعض الحكماء يقول: السابق إلى النفس من هذا الخبر هو الحسن المتعارف؛ وإنما اختصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله ذوي الوجوه الحسنة لأنّ حسن الظاهر دليلٌ على صحّة الباطن، أي لأنّ حسن المرأى شاهدٌ على اعتدال
[ ٧ / ٢٣٣ ]
العقل، والعقل يأمر بالمواساة ويبعث على الخير. وقال أيضًا: إن الحسن موصولٌ بالحياء؛ لهذا قلّما ترى التجليح في ذي الوجه الصبيح، ومتى تمّ حياء الوجه ورقّ عليه اللسان عن الردّ وحرج الصدر بالحقّ، صار ذلك سببًا للرحمة وداعية إلى النجاح.
وهذا جوابٌ قريبٌ مقبول، ليس للقلب عنه نبّو، ولا للعقل عليه مستكرةٌ. والكلام في هذا الفنّ طويل الطّرفين، جمّ الفوائد، ولكنّي قد مللت بما أمللت، فلهذا أروي بعض ما أطوي ولا أفسّر خيفة الإطالة الجالبة للملالة، وبئس الشيء الملل في العلم واقتباسه، والكسل في العمل وإخلاصه، لكني من البشر، ممزوجٌ بالخير والشرّ.
وقال صلّى الله عليه وآله: " القناعة مالٌ لا ينفد ".
وقال ﵇: " ما عال من اقتصد ".
[ ٧ / ٢٣٤ ]
وقال ﵇: " أيّ داءٍ أدوى من البخل ".
وقال ﵇: " لا يجنى من الشّوك العنب ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " رأس العقل بعد الإيمان بالله ﷿ التودّد إلى الناس ".
وقال ﵇: " إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " اليسر يمنٌ والعسر شؤم ".
وقال ﵇: " الناس معادن ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " ما قلّ وكفى خيرٌ ممّا كثر وألهى ".
وقال ﵇: " من صمت نجا ".
[ ٧ / ٢٣٥ ]
وقال صلّى الله عليه وآله: " العائد في هبته كالكلب يقيء ثمّ يعود فيه ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " البس جديدًا وعش حميدًا، قال صلّى الله عليه وآله لعمر ".
وقال ﵇: " المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد وإذا أنيخ استناخ "؛ أراد بهذه الدلالة على وطاءة جانبه وسماحة أخلاقه وسهولة أمره، وأنك لا تهزّه إلى خيرٍ لك أو له إّلا اهتزّ، ولا تدعوه إلى رشدٍ إّلا أسرع إليه، وأنه كثير الاسترسال، ظاهر التوكّل، قد ألقى مقاليده إلى الله ﷿، وإلى أوليائه؛ وما تجد هكذا الفاجر المنافق، فإن الشراسة فيه غالبة، والاحتياط والحزم والتحرّز منه بنجوة، يتوهّم أنه إنما يعيش بتأتّيه وقدرته واستطاعته، وهذا ظنّ لا حقيقة له، ورأيٌ لا محصول معه. إنّ الله ﷿ مالك النواصي، ومصرّ ف الجوارح، ومقلّب القلوب، وباعث الخواطر.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
والأنف - بقصر الحرف - هو الذي يشتكي أنفه، هكذا هو من البعير والإنسان وكلّ ذي أنفٍ؛ والأنف كالظّهر وهو الذي يشتكي ظهره، وإياك أن تقول: يشكو بطنه ويشتكي من بطنه، هذا كله لكنةٌ والعربية ما سلف. وقولهم أنف فلان من القبيح كأنه لوى أنفه عنه، وليّ الأنف في هذه الحال كنايةٌ عن زيّ الوجه، وزيّ الوجه كنايةٌ عن الإعراض، والإعراض كناية عن الانصراف وترك القبيح، وإذا قيل لك: أما تأنف من كذا وكذا؟ فهذا يراد بك، والأنف موضع الخنزوانة، والخنزوانة الكبر، يقال: فلان أنفٌ إذا كان يعاف القاذورة، وفلان نطفٌ إذا كان يأتي القاذورة، كأنه يسرع فيها ويسيل كالناطف - وهو السائل -؛ وتقول: أنفت الرّجل إذا ضربت أنفه - والهمزة مفتوحة، والضمة لكنةٌ في ألسنة العامّة، وهو نظير قولك: جبهته وبطنته وصدرته، إذا ضربت جبهته وبطنه وصدره. وتقول: كان فلان في أنف شبابه يفعل كذا وكذا، أي في عنفوانه أو أوّله؛ وأما قولك فعلت كذا وكذا آنفًا، أي منذ الآن، واستأنفت الأمر أي أعدته، كأنك طلبت أنفه أي أوله؛ وقد أناف فلان على مائة سنة، أي
[ ٧ / ٢٣٧ ]
أشرف عليها، كأنّ المعنى من شرف الأنف وإشرافه على الوجه، وفيه لغة، يقال: ناف أيضًا، ومنه عبد مناف كأنه مصدر ناف؛ وكلأٌ أنفٌ أي لم يرع بعد، وفلان قد أوفى على نيّفٍ وستّين سنة - تشدد الياء؛ هكذا قال أبو حاتم. فتأمّل هذا الأدب واحفظ هذا العلم، فقد سيق إليك وأنت مستريح.
وأما قوله: إذا أنيخ استناخ، هكذا يقال ولا يقال: أنيخ فناخ، إنما يقال: برك واستناخ، وقد شذّ عن وجه القياس إّلا أنه محفوظ.
وقال صلّى الله عليه وآله: " المؤمن القويّ أحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف ".
وقال ﵇: " فضل العلم خيرٌ من فضل العمل ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " ربّ مبلّغ أوعى من سامع ".
وقال ﵇: " لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه "؛ قيل: يا رسول الله، وكيف يذلّ نفسه؟ قال: " يتعرض من البلاء لما لا يطيق ".
قال ابن عمر: سمعت من الحجّاج كلامًا أنكرته، فأردت أن أغيّر عليه، فذكرت قول النبيّ صلّى الله عليه وآله: " لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه "، الخبر، فأمسكت؛ فرحم الله ابن عمر، وهل يجوز ترك الأمر
[ ٧ / ٢٣٨ ]
بالمعروف بهذا التأويل؟ أما إنه متى شاع هذا بين الناس وجنحوا إليه، وعملوا عليه، ظهر الفساد في البرّ والبحر، وتعجّل كلّ واحدٍ في راحته وعزّه، وقبض يده ولسانه عمّا فرض الله ﷿ عليه من إقامة المعروف وإماتة المنكر؛ أما إنه موقوف على التأويل فإنك لا تجد قائلًا قولًا ولا فاعلًا فعلًا إّلا وهو في حاله تلك يبسط عذرًا، ويدّعي سرّا ويتعسف تأويلًا. ولعلّ هذا الحديث واهي الإسناد، فاسد المخرج، أو قد صحبه في الحال ما سقط منه عند الرواية، وما أظنّ أكثر من هذا؛ على أن حسن الظنّ أحسن.
قال صلّى الله عليه وآله: " من رزق من شيء فليلزمه؛ حثّ بهذا على استجلاب الرزق ".
وقال ﵇: " الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " المؤمن غرٌّ كريم والفاجر خبّ لئيم "؛ أشار ﵇ بهذا النّعت إلى سلامة صدر المؤمن لأنّ إيمانه يبعثه على حسن
[ ٧ / ٢٣٩ ]
الظنّ والاسترسال، فيكون بعض ذلك غرارة، إّلا أن غرارة بإيمانٍ أنفع في الدين والدنيا من حذاقةٍ بفجور؛ الحزم كلّه حرس حريم الدّين وإن أباح سرّ الدنيا، والإضاعة كلّ الإضاعة فيما خلب وأهمل الدّين، وكلّ هذا يراه الإنسان - مع إيمانه القويّ، وسرّه المرضي - من حبّ العاجلة، ولعمري فطام النفس عنها شديد، ولكنّ الثّواب على قدر المشقّة والجزاء على قدر العمل.
والغرّ في اللغة هو الغرير وهو المغترّ، والغرارة - بفتح الغين - كالمصدر هو حالها؛ فأما الغرّ - بفتح الغين - فالحدّ، وهو ثني الثوب، العرب تقول: طويت فلانًا على غرّه، أي لبسته على دخل، والغرور - أيضًا بضم الغين - مصدر عر يغرّ غرورًا، والغرور - بفتح الغين - يقال هو الشيطان، ويقال: هو الدنيا، وأما الغرارة - بكسر الغين - فالظّرف يحمل فيه التّبن وما أشبهه.
وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا تلاقوا تواصوا، وكان فيما يقولون: كونوا بلهاّ كالحمام، كان المعنى: فوّضوا أموركم إلى الله
[ ٧ / ٢٤٠ ]
﷿ ولا تتجاوزوا في الاحتياط والحزم والترقيح في المعيشة ما يليق بإيمانكم ويحفظ مروءاتكم. وقد قال السلف: تعايش الناس ملء مكيال، ثلثاه فطنةٌ وثلثه تغافل. والعرب تعتد في أمثالها قولها: الاستقصاء فرقة؛ وقال جعفر ابن محمد الصادق ﵉: عظّموا أقداركم بالتغافل، فقد قال الله ﷿ " عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ ". وقال المبّرد: قال الله تعالى " ولستم بآخذيه إّلا أن تغمضوا فيه ".
واعلم أنّ هذا التأديب يجمع خير الدّين وروح الدنيا، ولهذا نوى أن المتكلمين في الدّين والمتجادلين بين المسلمين يأخذون أنفسهم وقرناءهم في بابٍ من الاستقصاء ضيّق، لا يدخله المتطامن فضلًا عن المنتصب. ولهذا قلّ التألّه فيهم، ورحلت هيبة الله عن قلوبهم، وكثر التأويل في كلّ أمورهم عليهم، وطمع فيهم الشيطان في جميع أحوالهم. والله لقد تصفّحت خلقًا لا أحصي عددهم ببغداد منذ سنة خمسين إلى يومنا هذا، فما رأيت منهم من ترجى له السّلامة إّلا رجاءً قليلًا، منهم أبو القاسم الواسطي، بل هو أشفّهم فيما تجلّى للعين وطهر للحسّ، على أنه يرمى بالنّفاق، ويقرف بالقبيح، ولا سليم على
[ ٧ / ٢٤١ ]
الناس، ولا معصوم من الخلق. فأما جعل فمن دونه، فنسأل الله ﷿ أن لا يهتك أستارنا كما هتك أستارهم، ولا يقبّح أخبارنا كما قبّح أخبارهم.
حدّثني القاضي الموفّق المراغي قال: كان سبب نكبة أبي عمرو الأصبهاني، وزير عليّ بن ركن الدولة شؤم النّصيبيّ أبي إسحاق، غلام جعل، وذلك أنه فتح عليه باب الخنا، وسوّغ له التهالك في المجون، وهوّن عليه أمر الدّين، ومنعه من أسباب البّر والصدقة والتعبّد، فقسا قلب ذلك الرجل، وجمدت كفّه، وجعد بنانه، وطال هذيانه، وعظم طغيانه، فأخذه الله تعالى أخذةً، جعلها نقمةً له وموعظةً للناظر إليه.
وكان القاضي هذا يقول: سمعت النّصيبيّ يقول وقد انتشى من الصّرف من
[ ٧ / ٢٤٢ ]
الخمر: لو صحّ أمر الدّين في نفسي لما وجدتني عاكفًا على هذا، لكنّي ما أجد صحةّ ولا أعرف حقيقةً، وأما الكلام الذي نديره بيننا وبين الخصوم مثاله مثال قول القائل: أين الباب المجصّص؟ فيقول له المجيب: عند الدّرب المرصّص، فيقول السائل: فأين الدرب المرصّص؟ فيقال: عند الباب المجصّص.
هذا قليلٌ من كثير ما ينطوي عليه هذا وأشباهه من الناس، والطريف أنّ القوم يقطعون بالوعيد، ويحكمون بالتخليد، ويأخذون بأشدّ التشديد، ثم يركبون من الدنيا سنامها ويقتحمون من النار جاحمها؛ على هذا تجد القاضي الأسداباذي قاضي الرّي وابن عبّاد ومن لفّ لفّهما، وما أدري ما أقول في هذه الطائفة الداعية إلى الحقّ بزعمها، العاكفة على الفسوق والكفر باختيارها. ما هذا إّلا العناد ومجاهرة ربّ العالمين بالإلحاد. ولولا أنّي أجد لهيبًا في نفسي من هذه الأمور المتناقضة، لما شغلت خاطري بهم ولا أعملت لساني فيهم، فلهم ربّ يجزيهم جزاءهم ويحاسبهم حسابهم، ولكنّي يدركني أسفٌ على دين الله ﷿ كيف يتلعّب به قومٌ لا خلاق لهم، ولا من عقيدة معهم، وإنما أتوا من الفضل الذي تقدّم هذا الكلام، وهو أنهم رضوا من أنفسهم في الدين بالكلام
[ ٧ / ٢٤٣ ]
فيه، والتشكيك عليه، وإنشاء مسائل لا يسأل عنها أحد، ولا يدلّ عليها وسواس، وادّعوا أن الإقبال على هذا النوع تصحيحٌ للتوحيد، ومعرفةٌ بالأصول، وإثباتٌ للحقّ، ثم فارقوا العمل وإخلاصه، وأعرضوا عن الآخرة وطلبها بالتهجّد والصّوم وطول الصّمت وبذل النفس. ومتى واقفتهم شاغبوك وصاخبوك ورموك بدائهم، وازدحموا عليك بكيدهم.
فجانب - أيدك الله - هذه الخصلة القادحة في عقد الدّين، الفاضحة لأصول الأخلاق - أعني الجدل والنّقار والاستقصاء - واعلم أنّ الله ﷿ ورسوله صلّى الله عليه وآله قد أوضحا لك منهج السلامة، وسلكا بك طريق الرّشد، فما لاح لك من ذلك فقل به واعمل عليه، وما أشكل فقف عنه ولذ بالله فيه، واتّق الله ﷿، فإنّ له مقاحم هي مهالك؛ وإياك والتهاون بما ألقيت إليك، فإنّي لم أجد فساد الدّين والدنيا إّلا من هذه الخصلة النكدة.
وقال صلّى الله عليه وآله لرجلٍ من جهينة: " ما لك من مالك إّلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت ".
وقال ﵇ لرجلٍ قال له: " أوصني، فقال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنّه فقرٌ حاضر ".
[ ٧ / ٢٤٤ ]
وقال صلّى الله عليه وآله: " أنزلوا الناس منازلهم "؛ سألت القاضي أبا حامدٍ عن هذا فقال: ليس يعني في منازلهم عند الله، فإنّ تلك مطويّةٌ عن معارف الخلق، وإنما ذلك على ما ظهر من حليهم، ونطق به شاهدهم، ودلّ عليه ما تعاطوا بينهم. وكان أبو السائب القاضي ببغداد يشنأ رجلًا، فدخل إليه المشنوء يومًا فلم يحفل به أبو السائب ولم يرفع إليه طرفه، فوجد الرجل من ذلك، فجرّ الحديث إلى أن قال لأبي السائب: أيّها القاضي، أنزل الناس منازلهم، فقد وصّى رسول الله صلّى الله عليه وآله بذلك، فقال أبو السائب: يا غلام، خذ بيد الشيخ إلى الكنيف فما أعرف له منزلًا غيره، وقد أمسكت عن إقامة السّنّة فيه فأبى، فأخذ الشيخ إلى الكنيف وبقي يومه حتى كلّم أبو السائب فيه فأطلقه. وكان أبو السائب داهية الأرض، وكان قد ربع الآفاق وتصوّف، وعرف الأمور وقلب الدهور.
وقال صلّى الله عليه وآله لرجلٍ: " أولم ولو بشاةٍ "؛ هذا قاله لرجلٍ خطب كريمة قومٍ، فأحبّ ﵇ بذلك التئام الشّمل وإشادة الأمور وتمام الألفة واجتلاب المحمدة واستدعاء البركة؛ يقال: أولم يولم إيلامًا مثل آلم يؤلم إيلامًا، ولكنّ الأشهر في أولم الوليمة، والإيلام على بابه في
[ ٧ / ٢٤٥ ]
قياسه. فأما ألم يألم ألمًا فالمؤلم؛ وقيل في الأليم إنه المؤلم، كذا فسّر أرباب الكلام في القرآن.
وكان سلام والد أبي عبيدٍ مملوكًا، وكان لا يفصح، فأسلم قاسمًا في المكتب، وكان يضربه ويطالبه بما يتعلم؛ وكان يقول: إنما أدربك حتى تألم أي أضربك حتى تعلم، فجعل الضاد دالًا والعين ألفًا. ثم إن الله تعالى أنبت أبا عبيدٍ نباتًا حسنًا، وكفله وتولاّه، وفتح عليه بابًا في تفسير غريب حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يسبقه إليه أحدٌ، والناس من بعده سلكوا طريقه، وكان ثقةً عالمًا ورعًا، وكتبه كلها جليلة القدر خطيرة، لا يقوم بها إّلا عالم.
وقال صلّى الله عليه وآله: " الصبر عند الصّدمة الأولى ".
وقال ﵇: " أفضل العمل أدومه وإن قلّ ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " مداراة الناس صدقة ".
[ ٧ / ٢٤٦ ]
وقال صلّى الله عليه وآله بدور الظلام ونجوم الإسلام: " ما تقص مالٌ من صدقة ".
سمعت بعض الناس يقول: هذا المحال بعينه وكذبٌ من الرّواية؛ كيف يضاف إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي هو الحقّ من الله، الباطل؟ كيف لا ينقص مالٌ من صدقة؟ إذا أخذت من درهم دانقًا فما ينقص منه دانق؟ وإذا أخذت من عشرةٍ درهمًا فما يصير تسعة؟ وهذا إنما قاله عن عطن ضيّقٍ وجهلٍ متراكم، والعجب أنه من الشعراء ويترفّض ويدّعي تحقّقًا بمذاهب الإمامية، ولكن هذا من ثمرة عقلٍ سخيف، وكذلك تجد أكثرهم؛ وإنما المعنى على الاختصار إنما هو على أن الناقص عند المصّدق مرعيٌّ عند الله ﷿ بالخلف عليه والبركة فيه، وهذا الباطن فيه يوفي في وضوحه على الظاهر اللفظ، لأن التناقض منفيٌّ عن كلام كثيرٍ من السّفهاء فضلًا عن كلام الحكماء والأنبياء عليهم
[ ٧ / ٢٤٧ ]
السلام، فضلًا عن كلام سيّد الأنبياء ﵇، وأمثال هؤلاء الذين بهرجوا الحكم، وشدّوا باب التأويل، ومنعوا من موارد العلم، وصدّوا عن سواء السبيل، أعانوا إخوانهم من الشياطين في الضّلال والتضليل.
وقال صلّى الله عليه وآله: " من صدق الله نجا ".
وقال ﵇: " سكّان الكفور كسكّان القبور "؛ وقال أهل العلم باللغة: الكفور جمع كفر، والكفر: القرية؛ ورووا أيضًا: تخرجكم الرّوم منها كفرًا كفرًا، أي قريةً قريةً، وكأنه دلّ ﵇ على أنّ سكّان الأطراف والقرى يبغي لهم أن يخالطوا الحاضر للتعلم والتفقه والتأدب والتنبه، فبالاجتماع والتلاقي يقع التفاصح عن المعاني، والتعاون على البر. والكفر: التغطية، ومنه كفر فلانٌ كأنه ستر نعمة الله عليه بالجحود والعنود، ومنه الكافر في السلاح أي الداخل فيه، ويقال: تكفّر في درعه، والكافر: الزارع،
[ ٧ / ٢٤٨ ]
هكذا قاله الناس، وزعموا أنه من هذا المعنى.
ورأيت كثيرًا من المتكلمين يسرعون إلى تكفير قومٍ من أله القبلة لخلاف عارضٍ في بعض فروع الشريعة، وهذا الإقدام عندي مخوف العاقبة مذموم البديّ، وكيف يخرج الإنسان من دين يجمع أحكامًا كثيرة، وقد تحلّى منه بأشياء كثيرة ليست خطأ منه، وليس المعارض له بالتكفير بأسعد منه في نقل الاسم إليه؛ كذلك أبو هاشم يكفر أباه أبا علي الجبّائي وأبو علي يكفّر ابنه، وحدّثني أبو حامد المروروذي أن أختًا لأبي هاشم تكفّر أباها وأخاها؛ وأما أصحاب أبي بكر ابن الإخشيذ كالأنصاري وابن كعب وابن الرّمّاني وغيرهم، فكلّهم يكفّرون أبا هاشم وأصحابه وجعلًا وتلامذته، وخذ على هذا غيرهم، وما أدري ما هذه المحنة الراكدة بينهم، والفتنة الدائرة معهم! أين التقوى والورع والعمل الصالح ولزوم الأولى والأحوط؟ إلى متى تذال الأعراض وقد حماها الدّين، إلى متى تهتك الأستار وقد أسبلها الله ﷿؟ إلى متى يستباح الحريم وقد حظره الله إلي متى تسفك الدماء وقد حرمها الله ما أعجب هذا الأمر! كانّ الله تعالى لم يأمرهم بالألفة والمعاونة، ولم يحثّهم على المرحمة والتعاطف، وكأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يحذّرهم التفرّق في الدين والطعن على سلف المسلين.
[ ٧ / ٢٤٩ ]
وقال ﵇: " الشديد من غلب هواه ".
وقال ﵇: " المستشير مغاث ".
وقال: " الولد ريحان من الجنة ".
وقال: " خيركم خيركم لأهله ".
وقال: " السّفر قطعةٌ من العذاب ".
وقال ﵇: " خيركم من طال عمره وحسن عمله ".
وقال: " حسن الجوار عمارةٌ للديار ".
وقال: " الأنصار شعارٌ والناس دثار ".
وقال: " لا سهل إّلا ما جعلت سهلًا ".
وقال: " خير النّساء الولود الودود ".
قولا: " الإبل عزٌّ والغنم بركة ".
[ ٧ / ٢٥٠ ]
وقال: " ما نحل والدٌ ولده أفضل من أدبٍ حسن "، يقال: المعنى ما وهب له، والنحلة: نحلة المرأة، وكأنّ النّحلة التي هي العقيدة وجمعها النّحل إنما هي كالهبة من الله ﷿، انتحل فلانٌ كذا أي ذهب إليه واشتمل عليه، وتنحّل إذا تكذب في الدعوى، يقال ما انتحل ولكن تنحّل إذا أظهر غير ما أضمر. فأما نحل الإنسان - في الّلازم - فمعناه هزل - بضم الهاء، ولا يقال هزل بفتح الهاء - وهزله الله يدلك عليه، وهو مهزول اللحم، واللحم الهزيل كأنه الغثّ الذي لا شحم له أو ليس بغريض. والغريض: الطّريّ؛ والطريّ بتشديد الياء - يدلك عليه قوله تعالى " لتأكلوا منه لحمًا طريًّا وتستخرجوا ". فأما الطارئ - بالهمزة - فالذي يطرأ بلدًا أي يرد ويقدم؛ والغريض الإغريض: الجمّار، والغريض: الغضّ، والهمزة زيدت في الإغريض لفرق، وإّلا فالغريض الأصل الذي هو الطّراوة، والطّراوة الجدّة - والجدة بتشديد الدال - فإما الجدة - بتخفيف الدال - فالغنى والإصابة؛ تقول: وجد يجد جدةً، كما
[ ٧ / ٢٥١ ]
تقول: وعد يعد عدةً، ووصف يصف صفةً، ووزن يرن زنةً، وومق يمق مقةً، ووثق يثق ثقةً، ووقر يقر قرةً، والقرة: الثقل في الأذن وغيرها، وفي المثل: نعوذ بالله من طئة الذّليل أي أخذته شديدة ومسّه خشنٌ كالجبان الظافر، فإنّه يجهز ولا يقال يجيز، إنما الإجازة في الحديث أو في الطريق فأما الإجهاز ففي الجريح إذا لم يترك على جراحته، ولكن أتي عليه، ولا يكون الإجهاز إلا بعد أن يثخن ويؤتى عليه. والطّراوة غير الطّلاوة، يقال طلاوة وطلاوة، فأما حلاوة فبفتح الحاء، وإن رفعت الحاء تحوّل المعنى إلى حلاوة القفا، تقول: طرحته على حلاوة القفا. الطّراوة: الغضوضة؛ هكذا قال أبو حنيفة، وأبى أن يقال: الغضاضة؛ وقال: إنما الغضاضة هي فيما يغصّ من الإنسان أي يوكس حقّه ويستهان بقدره. وقد يكون الشيء طريًّا لا طلاوة له، والطّلاوة: الماء والترقرق، وفي الإنسان: الدّماثة والقبول؛ والدّماثة: السهولة، يقال: أرضٌ دمثةٌ إذا كانت سهلة المحافر والمواطئ وكانت كريمة النّبات؛ هكذا يقول أبو حنيفة أعني الدّينوري أحمد بن داود صاحب كتاب النّبات والأنواء، وكان ثقةً صدوقًا عالمًا شديد التحقّق بالحكمة، وله لهجةٌ بدويّةٌ وبيانٌ شافٍ ووصفٌ مستقصىً، يزيد بهذه الخاصة على علماء كانوا قبله، فإنّك لن تجد لواحدٍ منهم غزارته واسحنفاره - الاسحنفار: المضيّ في الكلام؛ ويقال: له مضاء وغناء، وكأنّ المضاء كالنّفاذ، والمضيّ كالنّفوذ، وليس بينهما
[ ٧ / ٢٥٢ ]
فضلٌ مشعورٌ به ولكنّ للنفس عندهما وقفةً وتحيرًا.
وقال عليه وآله السلام: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر.
وقال: حسن الملكة نماء؛ النّماء ممدود، وهو الاسم، ويقال نمى ينمي نميًا، وهو المختار، ولغة أخرى: نما ينمو نموًّا ونماءً؛ والنّماء: الزيادة؛ ويقال نمى إليّ حديث كذا، فكأنه زاد فشوّه حتى بلغه؛ ويقال: لا تقطعوا نامية الله ﷿، زعم الرّواة أنه عنى به النهي عن الخصاء؛ وفي الدّعاء يقال: نماه الله، وقد قيل: أنماه الله، وهو أقيس وهو أقلّ.
وقال ﵇: من بدا جفا؛ زعم العلماء أن معناه: من سكن البادية غلظ، كأنه إنما تستفاد الرّقّة بالحاضرة لأنهم أهل المحاضرة؛ والمحاضرة فيها تفهيم واستفهام، والرقّة تابعةٌ لهذه الحال، ومعنى بدا: ظهر، كأنه من خرج إلى ظاهر المدن، لأنّ من سكن هناك فهو ظاهرٌ لا يستره الجدار ولا
[ ٧ / ٢٥٣ ]
يكنّه البنيان. وتقول منه: بدا يبدو فهو بادْ والمصدر البدوّ، فأما البدء فالابتداء؛ وقلا سيبويه: يقال: بدا لي كذا يبدو بدًا وبداءً، والقصر عند غيره مرذول.
والناس يقولون إنّ طائفة من الشيعة تقول بالبداء، وزعموا أنّ أصل هذا القول نشأ عن المختار، فإنّه كان يعد أصحابه عن الله ﷿ الظّفر، فإذا حال معنى الوعد قال: بدا لله، خيفة أن يقال: أخلف الله.
وقال عليه وآله السلام: لو كان لابن آدم واديان من ذهبٍ لابتغى إليهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إّلا التّراب ويتوب الله على من تاب؛ يقال: كان هذا في القرآن، وعلى ظاهره مسحة تلك الطريقة، والله أعلم بحقيقة الحال فيه، وإنما تقول ما قالوا ونسكت عن ما سكتوا، ولسنا أعلم ممّن سلف، بل الأقدمون هم المقدّمون والأوّلون هم الأولون، وإنما نحن لهم تبع، والجميع في الحق شرع. ومعنى شرع: سواء، والشريعة: الموردة لاستواء الشاربة في الارتواء.
[ ٧ / ٢٥٤ ]
وقال عليه وآله السلام: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرّب؛ يعني أن البشرية تعجز عن تحمّل الحكم، والعقل يحجزه عن تكرّه القضاء، فيبدي من الحزن ما تقتضيه الرحمة، ويضمر من التسليم ما يوجبه حال العصمة.
وقال صلّى الله عليه وآله لرجلٍ: " أخذنا فألك من فيك "، الفأل هاهنا مهموز، فأما الرجل الفال إذا كان فائل الرأي فلا همزة فيه، وقد مرّ الكلام في هذه الكلمة آخذًا بنصيبه من الإيضاح والشرح.
وقال: " من عمل عملًا ردّاه الله عمله "، أي ألبسه ذلك، أي جزاه جزاءه، وكأنه بيان قوله جلّت عظمته " فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًّا يره " يقال في اللغة: حسن الرّدية كما يقال: حسن المشية وحسن النّيمة - من النوم - وحسن الفضلة، والتفضل هو التبذل بالثوب الواحد، كأنّه خلاف الحفلة، لأنّ الحفلة للمباهاة، والفضلة للمباسطة؛ وأما الرّدى فالهلاك، يقال: أرداه الله أي أهلكه، وتردّى هو أيضًا معناه هلك، ومنه قوله تعالى " والمتردّية " والتردي كأنه من علٍ يكون. فأما قول العامة: ترادى فلان فإني سألت عنه السيرافي -
[ ٧ / ٢٥٥ ]
وكان إمام عصره حفظًا وضبطًا وعرافةً وثقةً - فقال: كلام مهزولٌ لا مجال له في شريف كلام العرب.
وقال عليه وآله السلام: غبار الجهاد ذريرة الجنّة؛ حدثنا بهذا الحديث ميسرة بن علي إمام جامع قزوين في سنة خمسين وثلاثمائة عن محمد بن أيوب الرازي، وسألت عنه ابن الجعابي فزوى وجهه كأنه لم يره صحيحًا.
وعلى ذكر ابن الجعابي، فإني سألته عن قوله ﵇ لعمار: يا عمّار تقتلك الفئة الفئة الباغية، قال: لا أصل له ولا فضل، وإنما ولّده مولد. كذا قاله، وأما غيره فإنّه قال: هو من المعجزات لأنه إخبارٌ بالغيب، وقد قال عمرو بن العاص لما قيل لمعاوية إنّ ابنه يذكر سماعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: " يا عمّار تقتلك الباغية "، فأجابه بأن قاتله
[ ٧ / ٢٥٦ ]
من جاء به إلى القتال؛ فإن كان الأمر على ما قاله فالشّهداء الذي قتلوا في غزواتهم مع النبيّ صلّى الله عليه وآله كلهم هو قتلهم، والله المستعان.
وقال ﵇ للأنصار يصفهم مادحًا ومبينًا لما رأى منهم: " إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع "؛ قد فسر المبرّد هذا في أول كتابه الكامل وأوضح المعنى فيه، وعلى التقريب نقول: الفزع ينقسم مرةً إلى الرّوع الذي يبقى فيه الإنسان حتى تعتريه الحيرة ويخامره الرّعب، فكأنّه فاتحة المكروه، وينقسم مرةً إلى أنه إغاثةٌ وإصراخٌ ومعونة وإنجاد. وهذا المعنى من رسول الله صلّى الله عليه وآله في تقريظ الأنصار: أي أنتم عند المعونة والنصرة تكثرون لشرفكم وشجاعتكم، فأما عند الفيء والقسمة وما عرض من أكثر الناس. وهذا من روائع الكلام الذي هو بنفسه يدلّ على علوّ قائله وشرف الناطق به.
[ ٧ / ٢٥٧ ]
وقال ﵇: " إنّ الله ﷿ يحبّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها "؛ السفساف: الخسيس، وسفسف فلانٌ في كذا إذا أدقّ نظره وتتبّع حواشيه خيفة أن يفوته منه شيءٌ.
وقال ﵇: " أمّتي كالمطر لا يدرى آخره خيرٌ أن أوّله "؛ ليس هذا منافياّ لقوله: " خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم على ذلك "، وليس هذا أيضًا منافيًا لقوله في وصف الزمان: " لا يزداد الزمان إّلا صعوبةً، ولا الناس إّلا شحًا، ولا تقوم الساعة إّلا على شرار الناس ". وإذا عبرت بجواب ما تقدّم من المسائل رأيت الكلام في هذا واقعًا موقعه ومستمرًا مريره.
وقال ﵇: " لا عيش إّلا عيش الآخرة ".
[ ٧ / ٢٥٨ ]
وقال: " خزائن الخير والشرّ مفاتيحها الرّجال ".
وقال: " أعظم النكاح بركةً أيسره مؤونةً ".
وقال: " قيّدوا العلم بالكتاب ".
وقال: " كاد الفقر أن يكون كفرًا ".
وقال: " همّة العلماء الرعاية وهمّة السّفهاء الرّواية ".
وقال: " التمسوا الرزّق في خبايا الأرض ".
وقال: " ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا ".
[ ٧ / ٢٥٩ ]
وقال عليه وآله السلام: " في كل كبدٍ حرّى أجرٌ "؛ والحرّى العطشى، والمعروف الحّران في المذكّر، وحرّان لا ينصرف، ومعنى قوله لا ينصرف: لا ينّون آخر الكلمة، ولعلك إن لم تأخذه من حرّ - إذا عطش - يحرّ حرّة انصرف، لأنك تجعله إذ ذاك من حرن فهو حرّان مكان حرون؛ ألا ترى أنك إذا صرفت حسّان وتيّان وحيّان وزمّان عن باب فعلان إلى باب فعّال صرفت، فإنك إذ أخذت حسّان من حسن يحسن حسنًا فهو حسّان كان فعّالًا وصرفت، وإذا أخذته من حسّ كان فعلان ولم يصرف؛ وإذا أخذت حيّان من حان فهو حيان كان فعّالًا وصرفت، وإذا أخذته من الحياة أو الحيا كان فعلان ولم يصرف، وكذلك إذا أخذت تيان من التّين - وهو بائعه وجامعه - كان فعالًا وصرفت، وإذا أخذته من تيّ كان فعلان ولم يصرف، وكذلك زمّان إن أخذته من زمن بالمكان إذا أقام كان فعالًا وصرفت، وإن أخذته من زمّ يزمّ كان فعلان ولم يصرف، والكلام في زمان سيمرّ أشبع. ومن هذا الحرّ، يقال: حرّ يومنا إذا وهجت شمسه، وحرّ المملوك بحرّ وحرّ اليوم يحرّ، وما هاهنا فاصلٌ طبيعيٌّ ولا شاهدٌ عقليٌّ، والسّماع في مثله عزيز. وهذا غاية ما أقدر عليه، وأجد سبيلًا إليه، وإنما أتكلف ما يستطاع.
[ ٧ / ٢٦٠ ]
فخذ من كلّ ما يقرع سمعك ويروق فهمك صافيه، ودع عليّ كدره واغفر لي خطئي في هذا الكتاب لصوابه، ولا تنكر حسني فيه لقبيحي منه، واعلم أن من طلب عيبًا وجده.
وقال ﵇: " أفضل الصّداقة على ذي رحمٍ كاشحٍ "؛ الكاشح: العدوّ؛ كأنه من كشح عني إذا أعرض أي طوى كشحه. وسمعت من يقول: لأنه أضمر العداوة في كشحه. وكشحته إذا ضربت كشحه، كما تقول بطنته ورأسته وفأدته وكبدته إذا ضربت هذه المواضع منه، أعني البطن والرأس والفؤاد والكبد، وكذلك طحلته، من الطّحال، وكأن بابه متلئبٌ أي مطّرد ومتتابع؛ هكذا حفظت. وناقة مكشوحةٌ إذا كويت في كشحها، وجمع الكشح كشوح، وقد سمعت أكشاحًا، والعرب تقول: أصبح فلانٌ وصاحبه يتكاشحان ولا يتناصحان، ويتكاشران ولا يتعاشران.
وقال ﵇: " أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم فقد
[ ٧ / ٢٦١ ]
اهتديتم "، وكان أبو حامد يقول: جمع النبيّ صلّى الله عليه وآله وأصحابه بهذه الكلمة تحت الشّرف والعمل والعلم، وهذا هو التزكية، وناهيك بمن رسول الله صلّى الله عليه وآله مزكّيه والدّاعي إليه، وإن كان التفاضل قائمًا بينهم، وهكذا يوجب حكم المثل من قوله أيضًا، لأن النجوم تجتمع في الإزهار والإضاءة ثم إنها تتفاضل في ذلك، وليس فيها ما لا يهتدي به، ولا يبصر بضيائه، ولا يقتبس من نوره؛ هكذا أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله. ومن كان منهم أقدمهم مولدًا، وأكبرهم سنًّا، وأسبقهم هجرةً، وأكثرهم تجربةً، وأشدّهم ملابسةً، كأبي بكر الصديق، كان أولى بالاقتداء به والمصير إلى قوله وفعله وهديه.
وكان يقول: كيف يطلق ﵇ هذا القول وهو قد عرف - بزعم الرافضة - أنه سيكفر فيرتد ويضلّ ويحمل أمةً قد تعب
[ ٧ / ٢٦٢ ]
محمد ﵌ في إرشادها وهدايتها إلى الله ﷿ وإنقاذها من النار، على الضلالة والردة والكفر والفسوق؟ هذا لا يسع توهّمه فكيف اعتقاده والإيمان به؟ فقيل لأبي حامد وأنا أسمع: هذا الخبر لا يقتضي هذا الكلام كله وهذا التهجين للقوم جملة، لأنه من الآحاد، والمذهب في الخبر الواحد معروف، لأنه لا يجب به علم، وإن كان يصار به إلى عمل لانقطع بصحة موقعه من الله ﷿ ورسوله صلّى الله عليه وآله، فقال أبو حامد: إن الخبر لما أسند إلى ما عرف من حال الصحابة في هجرتها ونصرتها وسابقتها وعلمها وعملها وغنائها وجميل بلائها وغير ذلك من أفعال وأخلاق وعقود، وما أثنى الله ﷿ عليهم بها، وتمّت كلمة الله تعالى معها، وطارت الشريعة في آفاقها، وثبتت على عهدها وميثاقها، وساحت على فسيطها، وظهرت على الأديان كلّها، وجب أن يكون صحيحًا أو في حكم الصحيح - أعني في حكم ما لو قاله لم يردده أصل، ولم ينثلم به ركن، ولم يحله عقل، ولم يأبه فهم.
٧٥٣ - وقال: وعلى أنّا لو نفينا هذا الخبر، وبهرجنا هذا المعنى، وعدلنا أيضًا عن السيرة المحكيّة، والقصة المرويّة، لكان فيما يوجبه حال نبيٍّ أتى من الله تعالى بالحقّ المبين، والمصلحة الشاملة، والمنفعة الكاملة، والخير
[ ٧ / ٢٦٣ ]
الفائض، ودعا باللطف، وصدع بالأمر، وكان الله تعالى متولّي حراسته، وعاصم نفسه، وناشر رايته، ما يقتضي هذا المعنى في الخبر وإحقاقه.
٧٥٣ج - قال: وإنما الطعن على السّلف من عادة قومٍ لا خلاق لهم، ولا علم عندهم، ولم يطّلعوا على خفيّات الأمور، وعلى أسرار الدّهور، ولم يميّزوا الحال بين نبيٍّ جاء من عند الله تعالى هاديًا للخلق، وسائقًا إلى الجنّة، وبين متنبئ مخرق بالحيلة، ولبّس بالمداهنة، ودلّى بالغرور، وزخرف بالباطل. والطاعن على السّلف قد أشار إلى هذا المعنى وإن لم يفصح به، وألمّ بهذا البلاء وإن لم يتربّع فيه - حرس الله علينا دينه بسلامة القلب على من نصر رسوله ﵇، وسلك سبيله، واتبّع دليله، وقبل منه دقيقه وجليله، ولا جعل في قلوبنا غلًاّ للذين آمنوا، إنه بنا رؤوف رحيم.
وقال ﷺ: " إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم ".
[ ٧ / ٢٦٤ ]
وقال ﵇: " استعينوا على حوائجكم بالكتمان، فإنّ كلّ ذي نعمةٍ محسودٍ ".
وقال ﵇: " العبادة في الهرج كالهجرة إليّ. والهرج بغي الفساد ".
وقال ﵇: " من أحبّ أخاه فليعلمه؛ حثّ بهذا على المواصلة ".
وقال ﵇: " من رزق من شيءٍ فليلزمه، حثّ بهذا على استمداد الرزق ".
[ ٧ / ٢٦٥ ]
وقال صلّى الله عليه وآله: " الإيمان قيّد الفتك؛ هذا لئلا يقدم المغيظ بالهوى على المحظور ".
وقال ﵇: " حلق الذّكر رياض الجنّة، والذاكر في الغافلين كالمحارب في المنهزمين ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " إنّ الله جلّت عظمته قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " صنائع المعروف تقي مصارع السّوء ".
وقال: " التائب من الذّنب كمن لا ذنب له ".
وقال ﵇: " أبغض الرّجال إلى الله ﷿ الألدّ الخصم ".
[ ٧ / ٢٦٦ ]
وقال صلّى الله عليه وآله: " أخوف ما أخاف على أمّتي منافقٌ عليم اللسان ".
وقال ﵇: " رحم الله عبدًا قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم ".
وقال: " صلة الرّحم مثراةٌ في المال منسأةٌ في الأجل "؛ الحرف مهموز في الأصل وتليينه جائز، ولكن لا تعتقدن عند التليين أنّ الحرف من النّسيان، ولا تقولنّ في النّسيان النّسيان فإن قولك النّسيان تثنية للنّسا، والنّسا هو عرقّ مقصور يستنبطه الفخذ - ويقال الفخذ أيضًا، والفخذ يذكّر على مذهب الفرّاء لخلوّ اللفظ من علامة التأنيث، ويؤنث عند غيره لإضمار التأنيث، وكأن العرب فيها على مذهبين، وللفخذ نظائر. ومن النّسيان تقول: رجل نسٍ
[ ٧ / ٢٦٧ ]
ورجلان نسيان؛ فأما قوله: منسأة في الأجل، فمن نسأ الله في أجله أي أخرّه، ويقال أيضًا: أنسأ الله أجله، المعنى في اللفظين واحد، وقوله تعالى " إنّما النّسيء زيادةٌ في الكفر " مهموز، وما أعرف قارئًا ذهب إلى ترك الهمزة، فأما: " نسوا الله فنسيهم " فلا همز، وفسّر: تركوا الله فتركهم، وإنما الفرق عرضي تابعٌ للمعنى، وهكذا تجد هذا الجنس كالحصان - بكسر الحاء - وهو الفرس، والحصان - بفتح الحاء - هي المرأة العفيفة والحصن والمحصنة، والفتح يدل على أنها استعفّت. ومن هذا الضرب الحيّة والحيّ والحيا والحياء وحيّان وحيوة وحيوان والحيّ الذي هو القبيلة، وذلك أن معنى الحيا شائع في أثناء هذه الأسماء، كأنهم رأوا الغيم يحيا له البشر والنّعم، فأفردوا له اسمًا من الحياة، ثم وجدوا الحياء في الوجه لا يكون إّلا من شرف النفس ونقاء الجوهر، فدلّهم ذلك على أنّ صاحب هذا النعت أحيى ممن لا حياء له، لأن خالع الحياء في قلة رقبته وتهوّره يشبّه بالميت، وكأنّهم وجدوا جماعة ناسٍ من بطنٍ واحدٍ إذا انتسبوا إلى أبٍ أو اجتمعوا أو
[ ٧ / ٢٦٨ ]
اجتوروا - أي تجاوروا - فتمّ بينهم التعايش والحياة، وكأنّهم رأوا الحيّة طويلة العمر كثيرة الحركة، فأفرغوا عليه سمةً تدلّ على خصوصيتها. وأما حيوة في الأسماء فكأنها حياة سكّنت ياؤها واجتلبت لها الواو والبناء على حاله. وهذا شكلٌ من الكلام لولا أنّي قد سمعته ووعيته واستخرجته وتدبّرته وعرضته على العلماء ويسّرته لكان الإقلال منه أسلم. لكنّ هذا الكتاب قد جعلته خزانة لنفسي، ومرجعًا لدرسي، ففي نظرائي وأشكالي من فهمه أثبت من فهمي، وذهنه أنفذ من ذهني، وحفظه أغزر من حفظي، وقلبه أذكى من قلبي، لكني آثرت أن يكون لي فيمن دوني أثر، كما كان لمن فوقي عندي أثر، وإذا تيقظت قليلًا رأيت أهل الفضل كنفس واحدة تستنسخ الفضائل على الزمان في ذوي الأرواح الطاهرة والجواهر النيرة والطبائع المشحوذة والعقول السليمة. فأقلل من الطعن إن ظفرت بما يحسن في عقلك طعنًا، وخاصم نفسك عني فإنّه أشبه بكرمك، وأبعد للإدالة منك، ومن عاب عيب، ومن هاب هيب، ومن صان صين، ومن أعان أعين، والحرّ أوقف بالطبيعة، والقصاص فأتمّ في الشريعة، وقد قيل: كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد.
وقال ﵇: " حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات "؛ ولوال أن التكليف والمدح والذمّ والكرامة والإهانة لا تتم أحكامها
[ ٧ / ٢٦٩ ]
ولا يثبت نظامها إّلا بأن تكون الجنة المرغوب فيها والنار المرهوب منها، على ما وصف ﵇ لما كانت، فإنّ ربّ الخلق أعلم بالخلق، وباني الدار أعلم بالدار، وربّ المنزل أعرف بالمسكن، وليس السلامة إلا في التسليم.
وقال ﵇: " الرزق يطلب العبد كما يطله أجله "؛ هذا الكلام كمايةٌ عن مصير الرّزق إلى العبد كملًا كمصيره إليه، إما بالاكتساب والاحتساب، وإما بغير اكتساب ولا احتساب، فكأنه دلّ على أنه لا بدّ للعبد البرّ والفاجر من استيفاء أكله إلى آخر أجله، وكان بعض الصوفية يقول: إما أن ترزق وإما أن تصبر وإما أن تقبض.
والكلام في الزّرق خفيٌّ، والبحث عنه شاقٌّ، والمدخل فيه غامض، والناس على طبقاتهم يموجون فيه بالصّحيح والسّقيم، والفاسد والسليم. والحقّ الذي لا يطور به الباطل، والحجة التي لا تتخّونها شبهة، أنّ الإنسان منذ يسقط من بطن أمه إلى أن يلحد في ضريحه مكفولٌ به، مصنوعٌ له، وأنّ كافله وصانعه يدبّره بمشيئته وإرادته على ما سبق من علمه وحكمته، فالعبد
[ ٧ / ٢٧٠ ]
مرةً محرومٌ ليبتلى صبره، ومرةً واجدٌ ليعرف شكره، ولن يصفو من الدّنس وال يعرى من لباس الهوى ولا يصلح لسكنى الجنة إّلا بهذا النوع من التقليب، وهذا الشكل من الترتيب: بين حالٍ يكون فيها مرتهنًا بشكرٍ يمتري له المزيد، وبين أخرى يكون ممتحنًا فيها بصبرٍ يوجب له المزيد، فليس ينفكّ من النعمة، إّلا أنه في الغنى أبطر وفي الفقر أضجر، وحكم الله ينفذ فيه على كرهٍ منه. فما أحسن بمن أوسع الله عليه في ذات يده أن يكون مراعيًا لحقّ الله عليه، وما أولى بمن ضيّق عليه أن يكون واثقًا من الله بما لديه، فلعلّ الصّنع له فيما زوي عنه وحجب وهو لا يدري، ولعلّ النظر له فيما حرم وهو لا يشعر.
وأنا أستحسن قول رجلٍ قال لعبيد الله بن سليمان: لو كان للوزير بي عناية ما كان عني نابي الطّرف، ولا كنت من دركي منه على حرف؛ فقال عبيد اله: أيها الرجل، على رسلك، فعسى نظري لك في الإعراض عنك، ولعل استصلاحي إياك بالانقباض منك، ثق باهتمامي بك إلى أوان إسعافك، فإنّ تقرّبك إليّ بتفويضك أجلب للنيل إليك من تباعدك عني باقتضائك، واعلم أني وزير.
[ ٧ / ٢٧١ ]
هذا - أيدك الله - فصلٌ عجيب سقته إليك لتعلم أنّ الإشارة في هذا المعنى إذا نقلتها إلى ما بينك وبي الله ﷿ علمت أنه أحقّ بتفويضك وسكونك وتسليمك، وأنه أقدر على صرف المكروه واجتلاب المحبوب من عبيد الله بن سليمان، واستلطف في قوله واعلم بأني وزير فإنه ينّبهك على أمر خطير.
وسمعت بعض مشايخنا يقول: كيف لا أثق بالله ﷻ وأعتمد عليه، ولقد رأيته يؤتيني ما أحب فيما أكره أكثر مما أصيب أنا ما أحب فيما أحب.
وقال ﵇: " الزّكاة قنطرة الإسلام ".
وقال: " من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له ".
وقال عليه وآله السلام: " المؤمنون هينون لينون "؛ هيّن ليّن هين لين على وجه واحد، وكذلك ميّت وميت؛ وكان البديهي الشاعر العروضي يقول: التشديد يدلّ على أن الموت قد حلّ به وفارق الحياة، والتخفيف على أنه
[ ٧ / ٢٧٢ ]
مقتبلٌ كائنٌ مع حياته وحركته؛ قال: والهين بالتخفيف يدلّ على أن ذلك منه سجية، والتشديد يدل على أنه متكلف. وهذا نوع من التعسّف لا يصحبه دليل، ولا يشهد له تأويل، إنما كان يهذي بمثل هذا ويكثر منه، وأقبح بالتكلّف، خاصةً بذي اللّسن العالم.
وقال صلّى الله عليه وآله: " لا تطرحوا الدّرّ في أفواه الكلاب "؛ هذا رواه لنا ابن مخلد بفارس، ومرّ بي بعينه في كلامٍ لعيسى بن مريم ﵇ طويل.
وقال: " بعثت بالحنيفيّة السّمحة ".
وقال: " اللهمّ غبطًا لا هبطًا "؛ نصبه على المصدر كأنه: أسألك غبطًا أي أن أغبط غبطًا لا أن أهبط هبطًا، ومصدرٌ آخر وهو
[ ٧ / ٢٧٣ ]
الهبوط - بضم الهاء -؛ والهبوط - بالفتح - هو المكان الذي يهبط منه، وهبط أي نزل، ومنه مهبط جبريل ﵇؛ ويقال: هبطه أيضًا، وقد سمعت يتهبّط، فأما أهبطه فهبط فبابه مجرى بيّن، والهبوط خلاف الصّعود، كما أن الهبوط خلاف الصّعود.
وقال ﵇: " أصحابي كالملح في الطّعام ".
وقال ﵇: " مروا بالخير وإن لم تفعلوه ".
وقال ﵇: أهل القرآن أهل الله ".
وقال ﵇: " الصّدق والبرّ في الجنة ".
وقال ﵇: " علّق سوطك حيث يراه أهلك ".
[ ٧ / ٢٧٤ ]
وقال ﵇: " التّواضع شرف المؤمن ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " لا خير في العيش إّلا لسميعٍ واعٍ ".
وقال ﵇: " استنزلوا الرّزق بالصّدقة ".
وقال ﵇: " لكلّ شيءٍ عمادٌ وعماد الدّين الفقه ".
وقال ﵇: " لا خير في المراء وإن كان في حقٍّ ".
وقال ﵇: " انظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك ".
وقال ﵇: " المعروف بابٌ من أبواب الجنّة ".
وقال ﵇: " خيانة الرجل في علمه أشدّ من خيانته في ماله ".
[ ٧ / ٢٧٥ ]
وقال ﵇: " السؤال نصف العلم ".
وقال ﵇: " الدعاء سلاح المؤمن ".
وقال ﵇: " المجالس أمانة ".
وقال عيه السلام: " الظّلم ظلماتٌ يوم القيامة ".
وقال ﵇: " الدّين الحبّ والبغض في الله ".
وقال ﵇: " الحكمة ضالّة المؤمن ".
وقال ﵇: " أحبب للناس ما تحبّ لنفسك ".
[ ٧ / ٢٧٦ ]
وقال ﵇: " النصر مع الصّبر والفرج مع الكرب ".
وقال: " الدعاء مخّ العبادة "؛ رأيت بعض المتكلّمين يقول: إنما هو محّ العبادة - بالحاء غير معجمة، وسألت العلماء عنه فكرهوا قول هذا الرجل وقالوا: المحّ صفرة البيض. فأما محّ الثوب قد درس، ويقال أمحّ. فأما المخّ - بالخاء معجمةً - فهو ما تجده في العظم. فكأنه ﵇ دلّ بهذا القول على أن الدعاء خالصة العبادة ولبّها. لأنّ العبادة وإن طالت متى خلت من الدعاء لم يكن لها دعامةٌ تثبت عليها، ولا عمادةٌ ترجع إليها، وذاك أن الدّعاء يستخلص القلب ويبعث على المذلّة، ويستخرج سرّ النفس، ويبيّن ذلّ العبد إذا سأل من عزّ الرب إذا سئل. وقد ندب الله ﷿ إلى الدعاء بقوله " ادعوني أستجب لكم ".
وسمعت ابن البقال الشاعر - وكان على مذهب ابن الراوندي - يقول: ادعوني أستجب لكم فندعوه فلا يستجيب لنا، وإن تكلّمنا سخّفنا؛ فقال له بعض أصحابنا: إنّ هذا الوعد من الله ﷿ في الاستجابة مشروطٌ بالمشيئة،
[ ٧ / ٢٧٧ ]
يصحّ ذلك إذا قرأت قوله " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء " وهذا كما قال: " وانكحوا الأيامى منكم والصّالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله والله واسعٌ عليمٌ "، فقد يقال: قد نرى من ينكح ويتزوج ثم لا يغنيهم الله؛ وهذا الاعتراض يبطل أيضًا لأنّ الإغناء لا يتعلّق بالعرض والأثاث والخرثيّ والنّعم والخيل؛ قد يحوي هذا كلّه من يحكم عليه بالفقر - أعني فقر النفس - وقد يعرى من هذا كلّه من تجده طيّب النّفس ريّح القلب واثقًا بالله ﷿، ولهذا قال صلّى الله عليه وآله: ليس الغنى من كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس. نعم، على أنّ الإغناء قد يقع من الله ﷿، ولكنّ العبد لا يستغني به، فإذا اعتبرت الإنسان بعد الإغناء، وضممت كلًاّ إلى نظيره على ما يوجبه النظر الصحيح، علمت أنّ الذي قاله الله حقّ، وأن الذي هذى به الطاعن باطل؛ قال الشاعر: وغنى النفس ما ينبغي لك أن تحفظه في هذا الموضع: السريع
قالت أما ترحل تبغي الغنى قلت فمن للطارق المعتم
قالت فهل عندك شيءٌ له قلت نعم جهد الفتى المعدم
فكم وحقّ الله من ليلةٍ قد طعم الضّيف ولم أطعم
[ ٧ / ٢٧٨ ]
إنّ الغنى للنفس يا هذه ليس الغنى في الثوب والدّرهم
وقال آخر في نظيره: السريع
لا تكثري لومي على أنّني صاحب إملاقٍ وإقلال
في قوت يومي سعةٌ للذي يأكله الضّيف على حال
ما ضرّ ضيفي أنّني معدمٌ وأنه في أنعم البال
إن الغنى في النفس يا هذه ليس الغنى في كثرة المال
والصوفية تزعم أن الفقر في الجملة أفضل من الغنى في الجملة؛ والكلام فيه سيمرّ في عرض ما نفرده لهم، ونرويه عنهم، ونقوله مضافًا إلى ما يطرّد على طرائقهم من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
وقال ﵇: " خير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها ".
وقال ﵇: " داووا مرضاكم بالصّدقة، وردّوا نائبة البلاء بالدعاء ".
[ ٧ / ٢٧٩ ]
وقال ﵇: " أشراف أمّتي حملة القرآن وأصحاب الليل ".
وقال ﵇: " الشتاء ربيع المؤمن، يقصر نهاره فيصوم ويطول ليله فيقوم ".
وقال ﵇ عن الله ﷿: " أنا عند حسن ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء؛ حسن الظّنّ من العبادة ".
وقال ﵇: " صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمّن ظلمك ".
وقال صلّى الله عليه وآله: رحم الله امرءًا أصلح من لسانه ".
وقال ﵇: " التوبة من الذّنب أّلا تعود فيه ".
وقال ﵇: " كفى بالمرء فتنةً ان يشار إليه بالأصابع ".
[ ٧ / ٢٨٠ ]
وقال: " حبّبوا الله إلى الناس يحببكم ".
وقال: " الأنبياء قادة والفقهاء سادة ".
وقال ﵇: " عش ما شئت فإنّك ميت، واجمع ما شئت فإنك تارك، ودع ما شئت فإنك مستريح، وقدّم ما شئت فإنك واجد ".
وقال ﵇: " لله ما أعطى وما أخذ ".
وقال ﵇: " من يزرع سيّئًا يحصد ندامة ".
وقال ﵇: " الخلق الحسن يذهب الخطايا ".
وقال ﵇: " البلاء موكّل بالمنطق ".
وقال ﵇: " نعم صومعة الرجل بيته ".
[ ٧ / ٢٨١ ]
وقال ﵇: " ما استودع الله عبدًا عقلًا إّلا استنقذه به يومًا ما ".
وقال ﵇: " إياك والمدح فإنّه الذّبح ".
وقال ﵇: " الأنساب علمٌ لا نيفع وجهلٌ لا يضرّ ".
وقال ﵇: " عملٌ قليلٌ مع علمٍ خيرٌ من كثيرٍ مع جهل ".
وقال ﵇: " من سعادة ابن آدم رضاه بما قسم الله ﷿ له ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم ".
وقال: " اللهمّ أعط كلّ منفقٍ خلفًا؛ اللهم أعط كلّ ممسكٍ تلفًا ".
وقال ﵇: " أكثروا ذكر هادم اللذّات ".
[ ٧ / ٢٨٢ ]
وقال ﵇: " صوموا تصحّوا وسافروا تغنموا "؛ سمعت بعض الصوفيّة المشهورين يقول: باطن هذا الكلام: أي صوموا عن الفحشاء تصحّوا بالطاعة، وسافروا إلى الله تعالى بالهمم الجامعة تغنموا رضاه عنكم ونظره إليكم، فإنّ ذلك أعلى من الجنة وأشرف من الخلد، بل كلّ ذلك تابعٌ لرضاه عنك ونظره إليك وقبوله إياك. وهذا الباطن لا يدفع ذلك الظاهر، وما دام القوم على هذا المنهج فهم أسعد قوم، وهم أسعد من قومٍ ادّعوا الباطن فنحلوا الباطل، وهم طائفةٌ من الشّيعة لهم دعوى لا برهان معها، وتمثيلاتٌ لا منفعة فيها، وقد مقتهم أصناف الناس لقبح ما أتوا به من الإلباس.
وقال ﵇: " من خزن لسانه رفع الله تعالى قدره وشأنه ".
وقال صلّى الله عليه وآله: " الجماعة رحمةٌ والفرقة عذاب ".
[ ٧ / ٢٨٣ ]
وقال ﵇: " مقصّرٌ سخيٌّ أحبّ إلى الله ﷿ من مجتهدٍ بخيل ".
وقال ﵇: " أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة ".
وقال ﵇: " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ".
وقال ﵇: اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يداك واعد في الموتى وقال ﵇: " الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت أسفرت ".
وقال ﵇: " السلطان ظلّ الله في أرضه ".
[ ٧ / ٢٨٤ ]
وقال ﵇: " كتب الله المصيبة والأجل، وقسم المعيشة والعمل ".
وقال ﵇: " أحسنوا جوار نعم الله ﷿ ".
وقال: " أصفر البيوت جوفٌ صفرٌ من كتاب الله تعالى "؛ الصّفر - بكسر الصاد - الخالي، والصّفر - بالضم - معروف، والعامة تلحن، هكذا قاله أبو حاتم، وكان عالمًا متقنًا. والصفير من الفم والصفّار: الذي يصفر؛ ويقال لبائع الصّفر أيضًا صفّار، ويقال أيضًا في المثل: صفر وطبه كأنه كناية عن قولهم: ما بقي عنده شيء. وفي المثل أيضًا: والله ما كفأت له إناءً ولا أصفرت له فناء. فأما صفّرته كما تقول حمّرته فكلامٌ شائع؛ ويقال في المثل: هذا لا يلتاط بصفري، كأنه عبارة عن قولهم: هذا لا تهواه نفسي ولا يلصق بفؤادي، والمصفور: المستسقي، والمصفور: من جوفه غليظٌ.
[ ٧ / ٢٨٥ ]
وقال ﵇: " لا تحقرنّ من المعروف شيئًا ".
وقال ﵇: " أفلح من رزق لبًّا ".
وقال: " لو دخل العسر جحرًا لدخل اليسر وراءه حتى يخرجه ".
وقال: " هدّية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم ".
وقال ﵇: الموت تحفة المؤمن ".
وقال: " في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب " وقال: " طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ ".
وقال ﵇: " البرّ ما اطمأنّ له القلب والإثم ما حكّ في
[ ٧ / ٢٨٦ ]
النفس "؛ وقد يسمع من أصحاب الحديث من يقول ما حاك - بالألف -؛ قال أبو حاتم: وذلك باطل؛ إنما يقع حاك في مشيته إذا تقلّع وحرّك كتفيه، فأما هذا فهو حكّ كأنه ضدّ الطمأنينة، أي الإثم ما صحبه قلقٌ واضطراب.
وقال: " تجافوا لذوي الهيئات عن زلاّتهم "، ويروى أيضًا: لذوي الهبات؛ فكأنه جاز هذا فيهم لأنّ ذوي الهبة هم أصحاب الزي والمروءة، وزلاّتهم لا تكون ديدنًا لهم، إنما يعتريهم الذّنب الفينة بعد الفينة، أي زمانًا بعد زمان، ليس المنكر من شأنهم ولا القبيح من أخلاقهم، وإنما يلحقهم ما يلحقهم للبشرية، ولهم أحسن رجعةٍ وأفضل إقلاع وأجمل إنابة؛ فأمر صلّى الله عليه أن يتجافى لهم عن زلاّتهم لحالهم النائبة عن حال غيرهم.
وقال ﵇: " مطل الغنيّ ظلم "، ويروى أيضًا هذا المعنى بلفظ آخر، يقال: قال ﵇: ليّ الواجد ظلم؛ واللّيّ: المطل لأنه
[ ٧ / ٢٨٧ ]
مصدر لوى يلوي ليًّا وليانًا؛ والواجد: الغني، وهو الذي له وجدٌ أي غنىّ أي ما يجده، وله جدةٌ أيضًا، وهو ذاك بعينه، فأمّا الوجدان فمقصورٌ على وجد يجد وجدانًا، وهو نقيض العدم؛ والوجود من ألفاظ المتكلّمين شنيعٌ قد أباه العلماء.
وقال ﵇: " المؤمنون عند شروطهم. هذا خبرٌ يتضمن حثًّا على الثّبات على الشرط والوفاء بالعهد ".
وقال ﵇: " إنّ الله ﷿ يحبّ إغاثة اللهفان ".
وقال ﵇: " الولد لفراش وللعاهر الحجر "؛ قال القاضي أبو حامد: أراد صلّى الله عليه وآله لحوق الولد بظاهر الفراش، وإن جاز أن لا يكون مخلقًا من مائه، وجعل الخيبة للعاهر وهو الزاني. وتقول: عهر بها يعهر عهارة وعهورة، فأما المساعاة فهي أيضًا كنايةٌ عن الزّنا ولكنها مقصورةٌ على الإماء. ومن مدّ الزّناء عنى به الفعال الذي يتمّ بفاعلين كالخصام والطّعان، ومن قصر أراد الاسم؛ وقد قيل مثل هذا في الرّضا، والقصر الوجه؛ فأما السّرى فقد استوى فيه الوجهان وهما المدّ والقصر. وكان بعض العلماء يقول:
[ ٧ / ٢٨٨ ]
وللعاهر الحجر إشارةٌ إلى الرّجم، وخولف في ذلك.
وقال ﵇: " والولاء لمن أعتق "؛ الواو مفتوحة فإذا كسرت انقلب المعنى. وذلك أن الولاء إنما هو ترتيب الشيء على خطٍّ واحد؛ تقول: واليت بين كذا وكذا موالاةً وولاءً، وفلانٌ يقرأ على الولاء؛ والولاء أيضًا الموالاة والنصرة والمودّة، ومنه في دعاء الوتر: إنه لا يذلّ من واليت ولا يعزّ من عاديت، والأصل من ولي الشيء يلي كأنه لصق به وقرب منه. والولاية - بفتح الواو - يقال: هي النّصرة، والولاية - بكسر الواو - يقال: هي المودّة، والنصرة والمودة يتقاربان لأنّ إحداهما شريكة الأخرى وقسمتها ودالّةٌ عليها ومشيرةٌ إليها، لا تتم إّلا بها، إّلا أنّي حكيت ما وعيت.
وقال ﵇: " من ذبّ عن عرض أخيه كان ذلك له حجابًا من النار "؛ أي من ردّ غيبة أخيه، والغيبة حالٌ تعرض للغائب على قبحٍ، والغيبة مصدر غاب يغيب غيابًا وغيوبًا وغيبةً ومغيبًا وغيبًا، والغيابة ما يغاب فيه، وفي التنزيل: " غيابة الجب "، والجب قليت كالبئر. فأما ذب يذبّ ذبًّا، وفلان حسن الذّبّ عن حرمه، فإنّ
[ ٧ / ٢٨٩ ]
أصله من الذّباب، وذلك إنّه طنّ على سمعك أو لهج بطيرانه في وجهك طردته بيدك، ونفضت عليه طرف كمّك، فسمّي هذا الفعل ذبًّا، ثم أسبغ المعنى فيما وسعه للطافة اللفظ ووضوح الغرض.
وهذا النظر أصلٌ كبير من أصول الكلام، لأنك إذا جددت في الفحص عن دفائن هذا الباب انثال عليك من الشاهد والمثل والدّليل والعلل ما يقوّي في نفسك حكم الاشتقاق وتتبّع المعاني. ألا ترى أنك إذا استوضحت جليّة المعاني في قولهم: يغير والغَيرة والغِيرة والغارة وغار الماء وأغار الجبل والغوار والمغاورة، وغار وأنجد، وتغايرت الضّرائر، وغيّره طول العهد - وجدتها مشتقّةً من قولك: هذا غير هذا؟! فتأمّل ذلك ببصيرتك فقد فتحت لك بابها، ورفعت سجفها، وذلّلت الطريق إليها، وإنّ الاشتقاق مضطرٌّ إلى المصير إليه والعمل عليه ولو كره ذلك.
٨٥٠ب - وكان نفطويه ممن يأبى الاشتقاق، ويزعم أن الأسماء كانت توافت متشابهةً في الصّورة والصّيغة وإّلا فلا اشتقاق، لأنك متى أسّست الاشتقاق في أسماء أساسًا لم تنته منه إلى حدّ، وذلك أنك تدّعي أن هذا الاسم شقّ من هذا الاسم، وهذا اللفظ أطلق لهذا المعنى، فيلزمك أن تمرّ أبدًا على
[ ٧ / ٢٩٠ ]
ذلك، لأنّ الثاني ليس بأولى بأن يكون مأخوذًا من الثالث من الأول من الثاني، ولا الثالث أولى بأن يكون مأخوذًا من الرابع من الثاني من الثالث؛ هكذا حكاه لنا أبو القاسم التّميمي اللغوي، وكان قدم بغداد مع عضد الدّولة سنة أربعٍ وستين وثلاثمائة، وشاهدته، وكان جيّد الكلام فسيح العارضة، وكان يقرف بالكذب مع هذا كلّه، والكذب شينٌ، وحسبك خساسةً بخلةٍ ماحقةٍ لكلّ خلّةٍ حسنة، أعاذنا الله تعالى منه ولا اضطرنا إليه.
٨٥٠ - وكان ركن الدّولة يقول: منافع الكذب في وزن منافع الصّدق، ولو ارتفع جملةً لبطل الانتفاع كله بالدّين والدنيا؛ هذا قاله بالفارسية، ولكن حكاه لي ابن مكرّم الكاتب، وكان خصّيصًا به أثيرًا عنده. فأما أبو عبد الله المحتسب بفارس، وكان يعرف بجراب الكذب، فإني سمعته يقول: إن منعت من الكذب انشقّت مرارتي، وإني لأجد به مع ما يلحقني من عاره ما لا أجد من الصّدق مع ما ينالني من نفعه؛ وهذا غاية الشّقاء ونهاية الخذلان، ولا حول ولا قوة إّلا بالله العليّ العظيم.
نعم: فأما صاحب المنطق فإنه جعل الاشتقاق فنًّا من الفنون في الكلام، وقد بيّنه في كتابه في المقولات.
[ ٧ / ٢٩١ ]
هذا - أيدك الله - آخر الجزء السابع، وقد اشتمل على ما يخطب لي ودّك الشارد، ويعيد إليّ قلبك النافر، ويبلّغني منك في نفسك ما أتمنى لها من خيرٍ تكون أنجحنا به، وفضلٍ تصير أوحدنا فيه. فتصفّح الآن أوراقه، وامتط النشاط، فتجد نمطًا نمطًا وفنًا فنًا، يأسرك ويحيّرك كله، وانتظر الثامن، فقد ارتفع جلّه. واعلم واحدة ثم اصنع ما شئت: لن تنتفع بالعلم ما طلبته بشمخ أنف، وصعر خدٍّ، وعزّة نفس، لا والله حتى تضع في التماسه رداء الكبر عن عاتقك، وتستنفد فيه غاية جهدك، فلعلّ الله يزكّيك ويشرّفك في الدّين والدنيا، إنه على كلّ شيءٍ قدير، وبكل شيءٍ بصير. وصلّى الله على نبيّه محمد وآله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٧ / ٢٩٢ ]