قال أبو عثمان «٣»: والعتّابيّ حين زعم أن كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ فلم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، إنه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد أن نكون قد فهمنا عنه. ونحن قد فهمنا معنى كلام النبطي الذي قيل له: لم اشتريت هذه الأتان؟ قال: «اركبها وتلد لي» . وقد علمنا أن معناه كان صحيحا.
وقد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لأهل مجلسه: «ما من شر من دين» وإنه قال حين قيل له: ولم ذاك يا أبا فلان؟ قال: «من جرّى يتعلقون» . وما نشك أنه قد ذهب مذهبا، وأنه كما قال.
[ ١ / ١٤٧ ]
وقد فهمنا معنى قول أبي الجهير الخراساني النخاس، حين قال له الحجاج أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟ قال: «شريكاننا في هوازها، وشريكاننا في مداينها. وكما تجيء نكون» . قال الحجاج: ما تقول، ويلك! فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول: شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب، فنحن نبيعها على وجوهها.
وقلت لخادم لي: في أي صناعة أسلموا هذا الغلام؟ قال: «في أصحاب سند نعال» يريد: في أصحاب النعال السندية. وكذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه: «اكتب لي قل خطين وريحني منه» .
فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة، والخطأ والصواب، والاغلاق والإبانة، والملحون والمعرب، كله سواء، وكله بيانا. وكيف يكون ذلك كله بيانا، ولولا طول مخالطه السامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام، لما عرفه. ونحن لم نفهم عنه إلا للنقص الذي فينا. وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي والصقلبي، وإن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم. فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيرا من إرادته. وكذلك الكلب، والحمار، والصبي الرضيع.
وإنما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء. وأصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منا: «مكره أخاك لا بطل» . و: «إذا عز أخاك فهن» . ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، ورأيت أبي عمرو. ومتى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه، لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان. لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت، واطردت وتكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة، وفي تلك الجيرة.
ولفقد الخطأ من جميع الأمم.
[ ١ / ١٤٨ ]
ولقد كان بين زيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة، وبينه يوم مات بون بعيد، على أنه قد كان وضع منزله في آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة، وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين.
وزعم أصحابنا البصريون عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج، وكان- زعموا- لا يبرّئهما من اللحن.
وزعم أبو العاصي أنه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه، وفيما يجري بينه وبين الناس، إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي، ومن أبي سعيد المعلم.
وقد روى أصحابنا أن رجلا من البلديين قال لأعرابي: «كيف أهلك» قالها بكسر اللام. قال الأعرابي: صلبا. لأنه أجابه على فهمه، ولم يعلم أنه أراد المسألة عن أهله وعياله.
وسمعت ابن بشير وقال له أبو الفضل العنبريّ: إني عثرت البارحة بكتاب، وقد التقطته، وهو عندي، وقد ذكروا أن فيه شعرا، فإن أردته وهبته لك. قال ابن بشير: أريده إن كان مقيّدا. قال: والله ما أدري أمقيّد هو أم مغلول. ولو عرف التقييد لم يلتفت إلى روايته.
وحكى الكسائي أنه قال لغلام بالبادية: من خلقك؟ وجزم القاف، فلم يدر ما قال، ولم يجبه، فرد عليه السؤال فقال الغلام: لعلك تريد من خلقك.
وكان بعض الأعراب إذا سمع رجلا يقول نعم في الجواب، قال: «نعم وشاء؟»، لأن لغته نعم. وقيل لعمر بن لجأ: قل «إنا من المجرمين منتقمين» . قال: (إنّا من المجرمين منتقمون) .
وأنشد الكسائي كلاما دار بينه وبين بعض فتيان البادية فقال:
عجب ما عجب أعجبني من غلام حكمي أصلا
قلت هل أحسست ركبا نزلوا حضنا ما دونه قال هلا «١»
[ ١ / ١٤٩ ]
قلت بيّن ما هلا هل نزلوا قال حوبا ثم ولى عجلا «١»
لست أدري عندها ما قال لي أنعم ما قال لي أم قال لا
تلك منه لغة تعجبني زادت القلب خبالا خبلا «٢»
قال أبو الحسن: قال مولى زياد: أهدوا لنا همار وهش. قال: أي شيء تقول ويلك؟ قال: «أهدوا لنا أيرا»، يريد: أهدوا لنا عيرا. قال زياد:
ويلك، الأول خير.
وقال الشاعر يذكر جارية له لكناء:
أكثر ما أسمع منها بالسحر تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
والسوأة السوآء في ذكر القمر
فزياد قد فهم عن مولاه، والشاعر قد فهم عن جاريته ولكنهما لم يفهما عنهما من جهة افهامهما لهما، ولكنهما لما طال مقامهما في الموضع الذي يكثر فيه سماعهما لهذا الضرب، صارا يفهمان هذا الضرب من الكلام.