قال عمر بن ذرّ، ﵀: «الله المستعان على ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخلف» .
ولما مدح عتيبة بن مرداس عبد الله بن عباس قال: لا أعطي من يعصي الرحمن، ويطيع الشيطان، ويقول البهتان.
وفي الحديث المأثور، قال: «يقول العبد مالي مالي، وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وأعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت» .
وقال النّمر بن تولب:
أعاذل إن يصبح صداي بقفرة بعيدا نآني صاحبي وقريبي
تري أن ما أبقيت لم أك ربّه وأن الذي أمضيت كان نصيبي
الصدى ها هنا: طائر يخرج من هامة الميت إذا بلي، فينعى إليه ضعف وليّه وعجزه عن طلب طائلته، وهذا كانت تقوله الجاهلية، وهو هنا مستعار.
أي أن أصبحت أنا.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ووصف أعرابي رجلا فقال: «صغير القدر، قصير الشّبر، ضيّق الصدر، لئيم النجر، عظيم الكبر، كثير الفخر» .
الشبر: قدر القامة، تقول: كم شبر قميصك، أي كم عدد أشباره.
والنّجر: الطباع.
ووصف بعض الخطباء رجلا فقال: «ما رأيت أضرب لمثل، ولا أركب لجمل، ولا أصعد في قلل منه» .
وسأل بعض الأعراب رسولا قدم من أهل السند: كيف رأيتم البلاد؟
قال: «ماؤها وشل، ولصها بطل، وتمرها دقل «١» . إن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلوا بها ضاعوا» .
وقيل لصعصعة بن معاوية: من أين أقبلت؟ فقال: من الفجّ العميق.
قيل: فأين تريد؟ قال: البيت العتيق. قالوا: هل كان من مطر؟ قال: نعم، حتى عفّى الأثر، وأنضر الشجر، ودهدى الحجر «٢» .
واستجار عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، بمحمد بن مروان بنصيبين، وتزوج بها امرأة، فقال محمد: كيف ترى نصيبين؟ قال: «كثيرة العقارب قليلة الأقارب» . يريد بقوله «قليلة» كقول القائل: فلان قليل الحياء، ليس يريد أن هناك حياء وإن قلّ. يضعون قليلا في موضع ليس.
وولي العلاء الكلابي عملا خسيسا، بعد أن كان على عمل جسيم، فقال: «العنوق بعد النّوق» «٣» .
قال: ونظر رجل من العبّاد إلى باب بعض الملوك فقال: «باب جديد، وموت عتيد ونزع شديد، وسفر بعيد» .
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقيل لبعض العرب: أي شيء تمنّى، وأي شيء أحب إليك؟ فقال:
لواء منشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير» .
وقيل لآخر، وصلى ركعتين فأطال فيهما، وقد كان أمر بقتله: أجزعت من الموت؟ فقال: إن أجزع فقد أرى كفنا منشورا، وسيفا مشهورا، وقبرا محفورا.
ويقال إن هذا الكلام تكلم به حجر بن عديّ الكنديّ عند قتله.
وقال عبد الملك بن مروان لأعرابي: ما أطيب الطعام؟ فقال: «بكرة سنمة، معتبطة غير ضمنة، في قدور رذمة، بشفار خذمة، في غداة شبمة» .
فقال عبد الملك: وأبيك لقد أطيبت.
معتبطة: منحورة من غير داء، يقال اعتبط الإبل والغنم، إذا ذبحت من غير داء. ولهذا قيل للدم الخالص عبيط. والعبيط: ما ذبح من غير علة. غير ضمنة: غير مريضة. رذمة: سائلة من امتلائها. بشفار خذمة: قاطعة. غداة شبمة: باردة. والشبم: البرد.
وقالوا: «لا تغتر بمناصحة الأمير، إذا غشك الوزير» .
وقالوا: «من صادق الكتّاب أغنوه، ومن عاداهم أفقروه» . وقالوا: «اجعل قول الكذاب ريحا، تكن مستريحا» .
وقيل لعبد الصّمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لم تؤثر السجع على المنثور، وتلزم نفسك القوافي وإقامة الوزن؟ قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلّ خلافي عليك، ولكني أريد الغائب والحاضر، والراهن والغابر، فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلّت. وما تكلمت به العرب من جيّد المنثور، أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشرة، ولا ضاع من الموزون عشره.
قالوا: فقد قيل للذي قال: يا رسول الله، أرأيت من لا شرب ولا أكل،
[ ١ / ٢٣٩ ]
ولا صاح واستهلّ، أليس مثل ذلك يطلّ. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أسجع كسجع الجاهلية» قال عبد الصمد: لو أن هذا المتكلم لم يرد إلا الإقامة لهذا الوزن، لما كان عليه بأس، ولكنه عسى أن يكون أراد إبطال حق فتشادق في الكلام.
وقال غير عبد الصمد: وجدنا الشعر: من القصيد والرجز، قد سمعه النبي صلّى الله عليه وآله فاستحسنه وأمر به شعراءه، وعامة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قالوا شعرا، قليلا كان ذلك أم كثيرا، واستمعوا واستنشدوا. فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز، فكيف يحلّ ما هو أكثر ويحرم ما هو أقلّ. وقال غيرهما: إذا لم يطل ذلك القول، ولم تكن القوافي مطلوبة مجتلبة، أو ملتمسة متكلفة، وكان ذلك كقول الأعرابي لعامل الماء: «حلّئت ركابي، وخرّقت ثيابي، وضربت صحابي» - حلّئت ركابي، أي منعت إبلي من الماء والكلأ.
والركاب: ما ركب من الإبل- قال: «أو سجع أيضا؟» . قال الأعرابي: فكيف أقول؟ لأنه لو قال حلّئت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو صرمتي، لكان لم يعبر عن حق معناه، وإنما حلّئت ركابه، فكيف يدع الركاب إلى غير الركاب. وكذلك قوله: وخرقت ثيابي، وضربت صحابي. لأن الكلام إذا قل وقع وقوعا لا يجوز تغييره، وإذا طال الكلام وجدت في القوافي ما يكون مجتلبا، ومطلوبا مستكرها.
ويدخل على من طعن في قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
. وزعم أنه شعر، لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن، وطعن في قوله في الحديث عنه: «هل أنت إلا إصبع دميت؟ وفي سبيل الله ما لقيت» - فيقال له: اعلم أنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم، لوجدت فيها مثل مستفعلن مستفعلن كثيرا، ومستفعلن مفاعلن. وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرا. ولو أن رجلا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات. وكيف يكون هذا شعرا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر؟ ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام. وإذا جاء المقدار الذي يعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها، كان ذلك شعرا. وهذا قريب، والجواب سهل بحمد الله.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وسمعت غلاما لصديق لي، وكان قد سقي بطنه «١»، وهو يقول لغلمان مولاه: «اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى» . وهذا الكلام يخرج وزنه على خروج فاعلاتن مفاعلن، فاعلاتن مفاعلن مرتين. وقد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبدا. ومثل هذا كثير، ولو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته.
وكان الذي كرّه الأسجاع بعينها وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة، أن كهان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، وكانوا يدعون الكهانة وأن مع كلّ واحد منهم رئيا من الجن مثل حازي جهينة «٢»، ومثل شقّ وسطيح، وعزّى سلمة وأشباههم، كانوا يتكهنون ويحكمون بالأشجاع، كقوله: «والأرض والسماء، والعقاب الصقعاء «٣»، واقعة ببقعاء «٤»، لقد نفر المجد بني الشعراء، للمجد والسناء» .
وهذا الباب كثير. ألا ترى أن ضمرة بن ضمرة، وهرم بن قطبة، والأقرع ابن حابس، ونفيل بن عبد العزّى كانوا يحكمون وينفّرون بالأسجاع. وكذلك ربيعة بن حذار.
قالوا: فوقع النهي في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية، ولبقيتها فيهم وفي صدور كثير منهم، فلما زالت العلة زال التحريم.
وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة، فلا ينهونهم.
وكان الفضل بن عيسى الرّقاشي سجّاعا في قصصه. وكان عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، يأتون مجلسه. وقال له داود ابن أبي هند: لولا أنك تفسر القرآن برأيك لأتيناك في مجلسك. قال: فهل
[ ١ / ٢٤١ ]
تراني أحرّم حلالا، أو أحلّل حراما؟ وإنما كان يتلو الآية التي فيها ذكر الجنة والنار، والموت والحشر، وأشباه ذلك.
وقد كان عبد الصمد بن الفضل، وأبو العباس القاسم بن يحيى، وعامة قصاص البصرة، وهم أخطب من الخطباء، يجلس إليهم عامة الفقهاء.
وقد كان النهي ظاهرا عن مرثية أمية بن أبي الصلت لقتلى أهل بدر، كقوله:
ماذا ببدر بالعقن قل مرازبة جحاجح
هلا بكيت على الكرام بني الكرام أولي الممادح
وروى ناس شبيها بذلك في هجاء الأعشى لعلقمة بن علاثة. فلما زالت العلة زال النهي.
وقال وائلة بن خليفة، في عبد الملك بن المهلّب:
قد صبرت للذلّ أعواد منبر تقوم عليها، في يديك قضيب
بكى المنبر الغربي إذ قمت فوقه وكادت مسامير الحديد تذوب
رأيتك لما شبت أدركك الذي يصيب سراة الأسد حين تشيب
سفاهة أحلام وبخل بنائل وفيك لمن عاب المزون عيوب
قال: وخطب الوليد بن عبد الملك فقال: «إن أمير المؤمنين كان يقول: إن الحجاج جلدة ما بين عينيّ، ألا وإنه جلدة وجهي كله» .
وخطب الوليد أيضا فذكر استعماله يزيد بن أبي مسلم بعد الحجاج فقال:
«كنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا» .
شبيب بن شيبة قال: حدثني خالد بن صفوان قال: خطبنا يزيد بن المهلّب بواسط فقال: «إني قد أسمع قول الرعاع: قد جاء مسلمة، وقد جاء العباس، وقد جاء أهل الشام، وما أهل الشام إلا تسعة أسياف، سبعة منها معي، واثنان منها عليّ، وأما مسلمة فجرادة صفراء. وأما العباس فنسطوس
[ ١ / ٢٤٢ ]
ابن نسطوس، أتاكم في برابرة وصقالبة، وجرامقة وجراجمة، وأقباط وأنباط، وأخلاط من الناس. إنما أقبل إليكم الفلاحون الأوباش كأشلاء اللّجم. والله ما لقوا قوما قط كحدّكم وحديدكم، وعدّكم وعديدكم. أعيروني سواعدكم ساعة من نهار تصفقون بها خراطيمهم «١»، فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين» .
ثم دعا بفرس، فأتي بأبلق، فقال: تخليط وربّ الكعبة! ثم ركب فقاتل فكثره الناس فانهزم عنه أصحابه، حتى بقي في إخوته وأهله، فقتل وانهزم باقي أصحابه. وفي ذلك يقول الشاعر «٢»:
كل القبائل بايعوك على الذي تدعو إليه طائعين وساروا
حتى إذا حمي الوغى وجعلتهم نصب الأسنة أسلموك وطاروا
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارا عليك وبعض قتل عار
ومدح الشاعر بشار، عمر هزار مرد العتكي «٣»، بالخطب وركوبه المنابر، بل رثاه وأبّنه فقال:
ما بال عينك دمعها مسكوب حربت «٤» فأنت بنومها محروب
وكذاك من صحب الحوادث لم يزل تأتي عليه سلامة ونكوب
يا أرض ويحك أكرميه فإنه لم يبق للعتكي فيك ضريب
أبهى على خشب المنابر قائما يوما وأحزم إذ تشب حروب
وقال: كان سوّار بن عبد الله، أول تميمي خطب على منبر البصرة. ثم خطب عبيد الله بن الحسن.
وولي منبر البصرة أربعة من القضاة فكانوا أمراء: بلال بن أبي بردة بن
[ ١ / ٢٤٣ ]
أبي موسى الأشعري، وسوار، وعبيد الله، وأحمد بن أبي رباح. فكان بلال قاضيا ابن قاض ابن قاض.
وقال رؤبة:
فأنت يا ابن القاضيين قاضي معتزم على الطريق ماضي
قال أبو الحسن المدائني: كان عبيد الله بن الحسن حيث وفد على المهدي معزيا ومهنئا، أعد له كلاما، فبلغه أن الناس قد أعجبهم كلامه فقال لشبيب بن شيبة: إني والله ما ألتفت إلى هؤلاء، ولكن سل لي عبيد الله الكاتب عنه. فسأله فقال: ما أحسن ما تكلم به! على أنه أخذ مواعظ الحسن، ورسائل غيلان «١»، فلقح بينهما كلاما. فأخبره بذلك شبيب، فقال عبيد الله:
لا والله إن أخطأ حرفا واحدا.
وكان محمد بن سليمان «٢» له خطبة لا يغيرها، وكان يقول: «إن الله وملائكته» . فكان يرفع الملائكة، فقيل له في ذلك، فقال: خرّجوا لها وجها. ولم يكن يدع الرفع.
قال: وصلى بنا خزيمة يوم النحر، فخطب، فلم يسمع من كلامه إلا ذكر أمير المؤمنين الرشيد، وولي عهده محمد.
قال: وكان إسحاق بن شمّر يدار به إذا فرغ المنبر. قال الشاعر:
أمير المؤمنين إليك نشكو وإن كنا نقول بغير عذر
غفرت ذنوبنا وعفوت عنا وليست منك أن تعفو بنكر
فإن المنبر البصريّ يشكو على العلات إسحاق بن شمر
أضبّي على خشبات ملك كمركب ثعلب ظهر الهزبر
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقال بعض شعراء العسكر، يهجو رجلا من أهل العسكر:
ما زلت تركب كل شيء قائم حتى اجترأت على ركوب المنبر
ما زال منبرك الذي دنسته بالأمس منك كحائض لم تطهر
فلأنظرنّ إلى المنابر كلها وإلى الأسرّة باحتقار المنظر
وقال آخر:
فما منبر دنّسته يا ابن أفكل بزاك ولو طهّرته بابن طاهر «١»
عبد الله بن المبارك، عن بعض أشياخه، عن الشعبيّ قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: «البرّ ثلاثة: المنطق، والنظر، والصمت. فمن كان منطقة في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها» .
وقال علي بن أبي طالب: «أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج» .
وقال يزيد بن المهلّب، وهو في الحبس: «والهفاه على طليّة «٢» بمائة ألف، وفرج في جبهة أسد» .
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «استغزروا الدموع بالتذكر» . وقال الشاعر:
ولا يبعث الأحزان مثل التذكر
حفص بن ميمون قال، سمعت عيسى بن عمر «٣» يقول: سمعنا الحسن يقول: «اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة، واعصوها، فإنكم إن أطعتموها تنزع بكم إلى شرّ غاية. وحادثوها بالذكر، فإنها سريعة الدثور» .
[ ١ / ٢٤٥ ]
اقدعوا: انهوا. طلعة: أي تطلع إلى كل شيء. حادثوا، أي اجلوا واشحذوا. والدثور: يقال: دثر أثر فلان، إذا ذهب، كما يقال درس وعفا.
قال: فحدّثت بهذا الحديث أبا عمرو بن العلاء، فتعجب من كلامه.
وقال الشاعر:
سمعن بهيجا أوجفت فذكرته ولا يبعث الأحزان مثل التذكر
الوجيف: سير شديد، يقال: وجف الفرس والبعير وأوجفته. ومثله الايضاع، وهو الإسراع. أراد: بهيجا أقبلت مسرعة.
ومن الأسجاع قول أيوب بن القريّة، وقد كان دعي للكلام واحتبس القول عليه، فقال: «قد طال السهر، وسقط القمر، واشتد المطر، فما ينتظر» .
فأجابه فتى من عبد القيس فقال: «قد طال الأرق، وسقط الشفق وكثر اللثق، فلينطق من نطق» .
اللثق: الندى والوحل.
وقال أعرابي لرجل: «نحن والله آكل منكم للمأدوم، وأكسب منكم للمعدوم، وأعطى منكم للمحروم» .
ووصف أعرابي رجلا فقال: «إن رفدك لنجيح، وإن خيرك لسريح، وإن منعك لمريح» .
سريح: عجل. ومريح: أي مريح من كدّ الطلب.
وقال عبد الملك لأعرابي: ما أطيب الطعام؟ فقال: «بكرة سنمة، في قدور رذمة، بشفار حذمة، في غداة شبمة» . فقال عبد الملك: وأبيك لقد أطيبت.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وسئل أعرابي فقيل له: ما أشدّ البرد؟ فقال: «ريح جربياء «١»، في ظلّ عماء «٢»، في غبّ سماء «٣»» .
ودعا أعرابي فقال: «اللهم إني أسألك البقاء والنماء، وطيب الأتاء، وحط الأعداء، ورفع الأولياء» . الأتاء: الرزق.
قال: وقال إبراهيم النخعي لمنصور بن المعتمر: «سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الكيسى «٤»» .
ووصفت عمّة حاجز اللصّ حاجزا «٥»، ففضلته وقالت: «كان حاجز لا يشبع ليلة يضاف، ولا ينام ليلة يخاف» .
ووصف بعضهم فرسا فقال: «أقبل بزبرة الأسد، وأدبر بعجز الذئب» .
الزبرة: مغرز العنق، ويقال للشعر الذي بين كتفيه. وصفه بأنه محطوط الكفل.
قال: ولما اجتمع الناس، وقامت الخطباء لبيعة يزيد، وأظهر قوم الكراهة قام رجل من عذرة يقال له يزيد بن المقنّع، فاخترط من سيفه شبرا ثم قال: أمير المؤمنين هذا- وأشار بيده إلى معاوية- فإن مات فهذا- وأشار بيده إلى يزيد- فمن أبى فهذا- وأشار بيده إلى سيفه. فقال له معاوية: أنت سيد الخطباء.
قالوا: ولما قامت خطباء نزار عند معاوية فذهبت في الخطب كل مذهب، قام صبرة بن شيمان، فقال: «يا أمير المؤمنين، إنّا حي فعال، ولسنا حي مقال، ونحن نبلغ بفعالنا أكثر من مقال غيرنا» .
[ ١ / ٢٤٧ ]
قال: ولما وفد الأحنف في وجوه أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير، تكلم أبو حاضر الأسيدي وكان خطيبا جميلا، فقال له عبد الله بن الزبير:
أسكت، فو الله لوددت أنّ لي بكل عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم. قال: يا أمير المؤمنين، إن لنا ولك مثلا، أفتأذن في ذكره؟ قال: نعم. قال: مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام، كقول الأعشى حيث يقول:
علّقتها عرضا وعلقت رجلا غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل
أحبك أهل العراق، وأحببت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك ابن مروان.
عليّ بن مجاهد «١»، عن حميد بن أبي البختري قال: ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد، فقال ابن الزبير: إني أناديك ولا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم، وتفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم، والتفكر قبل التندم» . فضحك معاوية ثم قال: تعلمت أبا بكر السّجاعة عند الكبر، إن في دون ما سجعت به على أخيك ما يكفيك. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير.
أخبرنا ثمامة بن أشرس، قال: لما صرفت اليمانية من أهل مزّة، الماء عن أهل دمشق، ووجهوه إلى الصحارى، كتب إليهم أبو الهيذام: «إلى بني استها أهل مزة، ليمسّينّني الماء أو لتصبحنكم الخيل» قال: فوافاهم الماء قبل أن يعتموا. فقال أبو الهيذام: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» . وحدثني ثمامة عن من قدم عليه من أهل دمشق قال: لما بايع الناس يزيد بن الوليد، وأتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكؤ والتحبّس، كتب إليه:
[ ١ / ٢٤٨ ]
«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله أمير المؤمنين يزيد بن الوليد، إلى مروان بن محمد. أما بعد فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت. والسلام» .
وها هنا مذاهب تدل على أصالة الرأي، ومذاهب تدل على تمام النفس، وعلى الصلاح والكمال، لا أرى كثيرا من الناس يقفون عليها.
واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن نضلة، بن صفوان بن محرّث خال مروان، على مكة، فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان بحذاء المنبر، فشتم طلحة والزبير، فلما نزل قال لأبان: أرضيتك من المدهنين في أمير المؤمنين؟ قال: لا والله ولكن سؤتني، حسبي أن يكونا شركا في أمره.
فما أدري أيهما أحسن كلاما: أبان بن عثمان هذا، أم إسحاق بن عيسى، فإنه قال: «أعيذ عليّا بالله أن يكون قتل عثمان، وأعيذ بالله أن يقتله علي» . فمدح عليّا بكلام سديد غير نافر، ومقبول غير وحشيّ، وذهب إلى معنى الحديث في قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أشد أهل النار عذابا من قتل نبيا أو قتله نبيّ» . يقول: لا يتفق أن يقتله نبي بنفسه إلا وهو أشدّ خلق الله معاندة وأجرؤهم على معصية. وقال هذا: لا يجوز أن يقتله علي إلا وهو مستحق للقتل.
قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله بعشر كلمات: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبرة، ومن الحياة قبل الموت، فو الذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار» .
[ ١ / ٢٤٩ ]
أبو الحسن المدائني قال: تكلم عمار بن ياسر يوما فأوجز، فقيل له: لو زدتنا. فقال: أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وآله بإطالة الصلاة وقصر الخطب.
محمد بن إسحاق «١»، عن يعقوب بن عتبة، عن شيخ من الأنصار من بني زريق، أن عمر بن الخطاب ﵀ لما أتي بسيف النعمان بن المنذر دعا جبير بن مطعم فسلّحه إياه، ثم قال: يا جبير، ممن كان النعمان؟ قال: من أشلاء قنص بن معدّ. وكان جبير أنسب العرب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر الصديق ﵀. وعن جبير أخذ سعيد بن المسيّب.
وروي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قلت لسعيد بن المسيب:
علّمني النسب. قال: أنت رجل تريد أن تسابّ الناس.
قال: وثلاثة في نسق واحد كانوا أصحاب نسب: عمر بن الخطاب ﵀، أخذ ذلك من الخطاب، والخطاب بن نفيل، ونفيل بن عبد العزّى، تنافر إليه عبد المطلب وحرب بن أمية، فنفّر عبد المطلب، أي حكم لعبد المطلب، والمنافرة: المحاكمة.
قال: والنسّاب أربعة: دغفل بن حنظلة، وعميرة أبو ضمضم، وصبح الحنفي، وابن الكيّس النمري.
قال الأصمعي: دغفل بن حنظلة، والنسابة البكري، وكان نصرانيا. ولم يسمّه.
ذكر كلمات خطب بهن سليمان بن عبد الملك:
قال: «اتخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه قائدا، فإنه ناسخ لما قبله، ولم ينسخه كتاب بعده» .
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال: وكان أول كلام بارع سمعوه منه: «الكلام فيما يعنيك خير من السكوت عما يضرك، والسكوت عما لا يعنيك خير من الكلام فيما يضرك» .
خلّاد بن يزيد الأرقط قال: سمعت من يخبرنا عن الشعبي قال: ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا تمنيت أن يسكت خوفا من أن يسيء، إلا زيادا، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما.
وكان نوفل بن مساحق»
، إذا دخل على امرأته صمت، وإذا خرج من عندها تكلم، فرأته يوما كذلك فقالت: أما عندي فتطرق، وأما عند الناس فتنطق. قال: لأني أدقّ عن جليلك، وتجلين عن دقيقي.
قال أبو الحسن: قاد عياش بن الزبرقان بن بدر، إلى عبد الملك بن مروان خمسة وعشرين فرسا، فلما جلس لينظر إليها نسب كل فرس منها إلى جميع آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس بيمين غير اليمين التي حلف بها على الفرس الآخر، فقال عبد الملك بن مروان: عجبي من اختلاف إيمانه أشد من عجبي من معرفته بأنساب الخيل.
وقال: كان للزبرقان بن بدر ثلاثة أسماء: القمر، والزبرقان، والحصين. وكانت له ثلاث كنى: أبو شذرة، وأبو عياش، وأبو العباس.
وكان عياش ابنه خطيبا ماردا شديد العارضة شديد الشكيمة وجيها، وله يقول جرير:
أعياش قد ذاق القيون مرارتي وأوقدت ناري فادن دونك فاصطل
فقال عياش: إني إذا لمقرور. قالوا: فغلّب عليه.