قال: ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض الاستكراه. فمن ذلك قول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر
ولما رأى من لا علم له أن أحدا لا يستطيع أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات في نسق واحد فلا يتعتع ولا يتلجلج، وقيل لهم إن ذلك إنما اعتراه إذ كان من أشعار الجن، صدقوا بذلك.
ومن ذلك قول ابن يسير في أحمد بن يوسف حين استبطأه:
هل معين على البكا والعويل أم معز على المصاب الجليل
ميّت مات وهو في ورق العيش مقيم به وظل ظليل «٢»
في عداد الموتى وفي عامري الدن يا أبو جعفر أخي وخليلي
لم يمت ميتة الوفاة ولكن مات عن كل صالح وجميل
لا أذيل الآمال بعدك إني بعدها بالآمال حق بخيل
كم لها وقفة بباب كريم رجعت من نداه بالتعطيل «٣»
ثم قال:
لم يضرها، والحمد لله، شيء وانثنت نحو عزف نفس ذهول
[ ١ / ٧٤ ]
فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض.
وأنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خلف الأحمر في هذا المعنى:
وبعض قيض القوم أولاد علة يكد لسان الناطق المتحفظ «١»
وقال أبو العاصي: وأنشدني في ذلك أبو البيداء الرياحي:
وشعر كبعر الكبش فرق بينه لسان دعي في القريض دخيل
أما قول خلف:
وبعض قريض القوم أولاد علة
فإنه يقول: إذا كان الشعر مستكرها، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها ممائلا لبعض، كان بينها من التنافر ما بين أولاد العلات. وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة.
قال: وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.
وأما قوله «كبعر الكبش»، فإنما ذهب إلى أن بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف ولا متجاور. وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر، تراها متفقة ملسا ولينة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكرهة، تشق على اللسان وتكده، والأخرى تراها سهلة لينة، ورطبة مواتية، سلسة النظام، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد.
[ ١ / ٧٥ ]
وقال سحيم بن حفص: قالت بنت الحطيئة للحطيئة: «تركت قوما كراما ونزلت في بني كليب بعر الكبش» . فعاتبهم بتفرق بيوتهم.
فقيل لهم: فأنشدونا بعض ما لا تتباين ألفاظه، ولا تتنافر أجزاؤه.
فقالوا: قال الثقفي:
من كان ذا عضد يدرك ظلامته إن الدليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قل ناصره ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
رمتني وستر الله بيني وبينها عشية آرام الكناس رميم «١»
رميم التي قالت لجارات بيتها ضمنت لكم ألا يزال يهيم
ألا رب يوم لو رمتني رميتها ولكن عهدي بالنضال قديم
وأنشدوا:
ولست بدميجة في الفرا ش وجّابة يحتمي أن يجيبا
ولا ذي قلازم عند الحياض إذا ما الشريب أراب الشريبا
وقال أبو نوفل بن سالم لرؤبة بن العجاج: يا أبا الجحاف، مت إذا شئت. قال: وكيف ذلك؟ قال: رأيت عقبة بن رؤبة ينشد رجزا أعجبني.
قال: إنه يقول، لو كان لقوله قران! وقال الشاعر:
مهاذبة مناجبة قران منادبة كأنهم الأسود
وأنشد ابن الأعرابي:
وبات يدرس شعرا لا قران له قد كان نقّحه حولا فما زادا
وقال الآخر، بشار:
فهذا بديه لا كتحبير قائل إذا ما أراد القول زوره شهرا
[ ١ / ٧٦ ]
فهذا في اقتران الألفاظ. فأما في اقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين، بتقديم ولا بتأخير. والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال، بتقديم ولا بتأخير. وهذا باب كبير. وقد يكتفي بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التي إليها يجري.