وقال ثمامة بن أشرس «٢»: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهل، والجزالة والحلاوة، وافهاما يغنيه عن الإعادة. ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإعادة.
وقال مرة: ما رأيت أحدا كان لا يتحبّس ولا يتوقّف، ولا يتلجلج ولا يتنحنح، ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصّى عليه طلبه، أشد اقتدارا، ولا أقلّ تكلفا، من جعفر بن يحيى.
وقال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه عن الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة. والذي لا بد له منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقد، غنيا عن التأويل.
[ ١ / ١٠٦ ]
وهذا هو تأويل قول الأصمعيّ: «البليغ من طبق المفصل «١»، وأغناك عن المفسّر» .
وخبرني جعفر بن سعيد، رضيع أيوب بن جعفر وحاجبه، قال: ذكرت لعمرو بن مسعدة «٢»، توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قد قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها فوجدتها أجود اختصارا وأجمع للمعاني.
قال: ووصف أعرابي أعرابيا بالإيجاز والإصابة فقل: «كان والله يضع الهناء مواضع النقب «٣»» . يظنون أنه نقل قول دريد بن الصمة، في الخنساء بنت عمرو بن الشريد، إلى ذلك الموضع، وكان دريد قال فيها:
ما إن رأيت ولا سمعت به في الناس طالي أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب
ويقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجز: «فلان يفل المحز، ويصيب المفصل» . وأخذوا ذلك من صفة الجزار الحاذق، فجعلوه مثلا للمصيب الموجز.
وأنشدني أبو قطن الغنويّ، وهو الذي يقال له شهيد الكرم، وكان أبين من رأيته من أهل البدو والحضر:
فلو كنت مولى قيس عيلان لم تجد عليّ لمخلوق من الناس درهما
ولكنني مولى قضاعة كلها فلست أبالي أن أدين وتغرما
أولئك قوم بارك الله فيهم على كلّ حال ما أعفّ وأكرما
جفاة المحز لا يصيبون مفصلا ولا يأكلون اللحم إلا تخذما
[ ١ / ١٠٧ ]
يقول: هم ملوك وأشباه الملوك، ولهم كفاة فهم لا يحسنون إصابة المفصل.
وأنشدني أبو عبيدة في مثل ذلك:
وصلع الرؤوس عظام البطون جفاة المحزّ غلاظ القصر
ولذلك قال الراجز:
ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّار على ظهر وضم
وقال الآخر، وهو ابن الزبعري:
وفتيان صدق حسان الوجو هـ لا يجدون لشيء ألم
من ال المغيرة لا يشهدو ن عند المجازر لحم الوضم
وقال الراعي في المعنى الأول:
فطبقن عرض القفّ ثم جزعنه كما طبقت في العظم مدية جازر «١»
وأنشد الأصمعي:
وكف فتى لم يعرف السلخ قبلها تجور يداه في الأديم وتجرح
وأنشد الأصمعي:
لا يمسك العرف إلا ريث يرسله ولا يلاطم عند اللحم في السوق
وقد فسر ذلك لبيد بن ربيعة، وبيّنه وضرب به المثل، حيث قال في الحكم بين عامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة:
يا هرم بن الأكرمين منصبا أنك قد أوتيت حكما معجبا
فطبّق المفصل واغنم طيبا
[ ١ / ١٠٨ ]
يقول: احكم بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة بكلمة فصل، وبأمر قاطع، فتفصل بها بين الحق والباطل، كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين.
وقد قال الشاعر في هرم:
قضى هرم يوم المريرة بينهم قضاء امرىء بالأولية عالم
قضى ثم ولى الحكم من كان أهله وليس ذنابي الريش مثل القوادم
ويقال في الفحل إذا لم يحسن الضّراب: جمل عياياء، وجمل طباقاء.
وقالت امرأة في الجاهلية تشكو زوجها: «زوجي عياياء طباقاء، وكل داء له دواء» .
حتى جعلوا ذلك مثلا للعيي الفدم، والذي لا يتجه للحجة. وقال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يقد ركابا إلى أكوارها حين تعكف «١»
وذكر زهير بن أبي سلمى الخطل فعابه فقال:
وذي خطل في القول يحسب أنه مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما وأكرمت غيره وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وقال غيره:
شمس إذا خطل الحديث أوانس يرقبن كل مجذّر تنبال
الشمس، مأخوذ من الخيل، وهي الخيل المرحة الضاربة بأذنابها من النشاط. والمجذّر: القصير- والتنبال: القصير الدنيء.
وقال أبو الأسود الدؤلي، وكان من المقدمين في العلم، واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو:
[ ١ / ١٠٩ ]
وشاعر سوء يهضب القول ظالما كما اقتمّ أعشى مظلم الليل حاطب
يهضب: يكثر. والأهاضيب: المطر الكثير. اقتمّ: افتعل من القمامة.
وأنشد:
أعوذ بالله الأعزّ الأكرم من قولي الشيء الذي لم أعلم
تخبّط الأعمى الضرير الأيهم
وقال إبراهيم بن هرمة «١»، في تطبيق المفصل- وتلحق هذه المعاني بأخواتها قبل:
وعميمة قد سقت فيها عائرا غفلا ومنها عائر موسوم
طبّقت مفصلها بغير حديدة فرأى العدو غناي حيث أقوم