ومن الخطباء زيد بن عليّ بن الحسين. وكان خالد بن عبد الله «١» أقرّ على زيد بن علي، وداود بن علي، وأيوب بن سلمة المخزومي، وعلى محمد بن عمر بن علي، وعلى سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فسأل هشام زيدا عن ذلك فقال: أحلف لك. قال: وإذا حلفت أصدقك قال زيد: اتّق الله. قال: أو مثلك يا زيد يأمر مثلي بتقوى الله. قال هشام: بلغني أنك تريد الخلافة، ولا تصلح لها، لأنك ابن أمة. قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم ع ابن أمة، وإسحاق صلّى الله عليه وآله. فعندها قال له: قم. قال: إذن لا تراني إلا حيث تكره! ولما خرج من الدار قال: «ما أحب أحد الحياة قط إلا ذل» . فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعنّ هذا الكلام منك أحد.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقال محمد بن عمير: إن زيدا لما رأى الأرض قد طبّقت «١» جورا، ورأى قلّة الأعوان وتخاذل الناس، كانت الشهادة أحبّ الميتات إليه.
وكان زيد كثيرا ما ينشد:
شرّده الخوف وأزرى به كذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفّين يشكو الوجى تنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة والموت حتم في رقاب العباد
وقال: وكان كثيرا ما ينشد شعر العبسيّ في ذلك:
إن المحكّم ما لم يرتقب حسبا أو يرهف السيف أو حدّ القنا جنفا
من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجبا موتا على عجل أو عاش منتصفا
ولما بعث يوسف بن عمر برأس زيد، ونصر بن خزيمة، مع شبّة بن عقال، وكلف آل أبي طالب أن يبرؤوا من زيد، ويقوم خطباؤهم بذلك. فأول من قال عبد الله بن الحسن، فأوجز في كلامه ثم جلس، ثم قام عبد الله بن جعفر، فأطنب في كلامه، وكان شاعرا بيّنا، وخطيبا لسنا، فانصرف الناس وهم يقولون: ابن الطيّار أخطب الناس! فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك، فقال: لو شئت أن أقول لقلت، ولكن لم يكن مقام سرور. فأعجب الناس ذلك منه.