وحدثني صالح بن خاقان، قال: قال شبيب بن شيبة: «الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء، وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة القطع، وبمدح صاحبه. وحظ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة، أرفع من حظ سائر البيت» . ثم قال شبيب: «فإن ابتليت بمقام لا بد لك فيه من الإطالة، فقدم أحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدم في أحكام البلوغ في شرف التجويد. وإياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فإن قليلا كافيا خير من كثير غير شاف» .
ويقال إنهم لم يروا خطيبا قط بلديا إلا وهو في أول تكلفه لتلك المقامات كان مستتقلا مستصلفا أيام رياضته كلها، إلى أن يتوقح وتستجيب له المعاني، ويتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة، فإنه قد ابتدأ بحلاوة ورشاقة، وسهولة وعذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره.
قالوا: ولما مات شبيب بن شيبة أتاهم صالح المري «١»، في بعض من أتاهم للتعزية، فقال: «رحمة الله على أديب الملوك، وجليس الفقراء، وأخي المساكين» .
[ ١ / ١١١ ]
وقال الراجز «١»:
إذا غدت سعد على شبيبها على فتاها وعلى خطيبها
من مطلع الشمس إلى مغيبها عجبت من كثرتها وطيبها