وقالوا في حسن البيان، وفي التخلّص من الخصم بالحقّ والباطل، وفي تخليص الحق من الباطل، وفي الإقرار بالحق، وفي ترك الفخر بالباطل.
[ ١ / ١٨٣ ]
قال أعرابي وذكر حماس بن ثامل فقال:
برئت إلى الرحمن من كلّ صاحب أصاحبه إلا حماس بن ثامل
وظني به بين السماطين أنه سينجو بحق أو سينجو بباطل
وقال العجير السلوليّ:
وإن ابن زيد لابن عمي وإنه لبلّال أيدي جلّة الشول بالدم
طلوع الثنايا بالمطايا وإنه غداة المرادي للخطيب المقدم
يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ويكفيك ما حملته حين تغرم
الشول: جمع شائلة، وهي الناقة التي قد جف لبنها. وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح فهي شائل، وجمعها شوّل. المرادي: المصادم والمقارع، يقال رديت الحجر بصخرة أو بمعول، إذا ضربته بها لتكسره. والمرادة: الصخرة التي يكسر بها الحجارة. وقال ابن ربع الهذلي «١»:
أعين ألا فابكي رقيبة إنه وصول لأرحام ومعطاء سائل
فأقسم لو أدركته لحميته وإن كان لم يترك مقالا لقائل
وقال بعض اليهود، وهو الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير «٢»:
سائل بنا خابر أكمائنا والعلم قد يلقى لدى السائل
إنّا إذا مالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل
واعتلج الناس بألبابهم نقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا نلطّ دون الحق بالباطل
نكره أن تسفه أحلامنا فنخمل الدهر مع الخامل
وقال آخر وذكر حماسا أيضا:
[ ١ / ١٨٤ ]
أتاني حماس بابن ماه يسوقه ليبغيه خيرا وليس بفاعل
ليعطي عبسا مالنا، وصدورنا من الغيظ تغلي مثل غلي المراجل
وقافية قيلت لكم لم أجد لها جوابا إذا لم تضربوا بالمناصل
فأنطق في حق بحق ولم يكن ليرحض عنكم قالة الحق باطلي
ليرحض، أي ليغسل. والراحض: الغاسل. والمرحاض: الموضع الذي يغسل فيه.
وقال عمرو بن معديكرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرّت
الجرار: عود يعرض في فم الفصيل، أو يشق به لسانه، لئلا يرضع.
فيقول: قومي لم يطعنوا بالرماح فأثني عليهم، ولكنهم فروا فأسكت كالمجرّ الذي في فمه الجرار.
وقال أبو عبيدة: صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم والأزد: يا معشر بني تميم، أطلقوا من لساني.
قال: وأبصر رجلا منهم قد طعن فارسا طعنة، فصاح: «لا عيّا ولا شللا!» والعرب تقول: «عي أبأس من شلل» . كأن العي فوق كلّ زمانة.
وقالت الجهنيّة:
ألا هلك الحلو الحلال الحلاحل ومن عنده حلم وعلم ونائل «١»
وذو خطب يوما إذا القوم أفحموا تصيب مرادي قوله ما يحاول
بصير بعورات الكلام إذا التقى شريجان بين القوم: حق وباطل
أتيّ لما يأتي الكريم بسيفه وإن أسلمته جنده والقبائل
وليس بمعطاء الظلامة عن يد ولا دون أعلى سورة المجد قابل «٢»
[ ١ / ١٨٥ ]
الحلاحل: السيّد. شريجان: جنسان مختلفان في كلّ شيء.
وأنشد أبو عبيدة في الخطيب يطول كلامه، ويكون ذكورا لأول خطبته وللذي بنى عليه أمره، وإن شغب شاغب فقطع عليه كلامه، أو حدث عند ذلك حدث يحتاج فيه إلى تدبير آخر، وصل الثاني من كلامه بالأوّل، حتى لا يكون أحد كلاميه أجود من الآخر، فأنشد:
وإن أحدثوا شغبا يقطّع نظمها فإنك وصّال لما قطع الشغب
ولو كنت نسّاجا سددت خصاصها بقول كطعم الشهد مازجه العذب
وقال نصيب:
وما ابتذلت ابتذال الثوب ودّكم وعائد خلقا ما كان يبتذل
وعلمك الشيء تهوى أن تبيّنه أشفى لقلبك من أخبار من تسل
وقال آخر:
لعمرك ما ودّ اللسان بنافع إذا لم يكن أصل المودة في الصدر
وقال آخر:
تعلّم فليس المرء يولد عالما وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإنّ كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
وقال آخر:
فتى مثل صفو الماء ليس بباخل عليك ولا مهد ملاما لباخل
ولا قائل عوراء تؤذي جليسه ولا رافع رأسا بعوراء قائل
ولا مسلم مولى لأمر يصيبه ولا خالط حقا مصيبا بباطل
ولا رافع أحدوثة السوء معجبا بها بين أيدي المجلس المتقابل
يرى أهله في نعمة وهو شاحب طوي البطن مخماص الضحى والأصائل «١»
[ ١ / ١٨٦ ]
وقالت أخت يزيد بن الطثريّة «١»:
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري قريبا وقد غالت يزيد غوائله
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائل ولا رهل لبّاته وبآدله «٢»
فتى لا يرى خرق القميص بخصره ولكنما توهي القميص كواهله
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا على الحيّ حتى تستقلّ مراجله «٣»
مضى وورثناه دريس مفاضة وأبيض هنديا طويلا حمائله «٤»
يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما وكل الذي حملته فهو حامله
أخو الجدّ إن جدّ الرجال وشمروا وذو باطل إن شئت ألهاك باطله «٥»
يصير هذا الشعر وما أشبهه مما وقع في هذا الباب، إلى الشعر الذي في أول الفصل.