وكانوا يمدحون شدة العارضة، وقوة المنة، وظهور الحجة، وثبات الجنان، وكثرة الريق، والعلو على الخصم، ويهجون بخلاف ذلك.
قال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يعش حميدا ولم يشهد حلالا ولا عطرا
وقال أبو زبيد الطائيّ:
وخطيب إذا تمعرت الأو جه يوما في مأقط مشهود «٣»
طباقاء، يقال للبعير إذا لم يحسن الضراب: جمل عياياء، وجمل طباقاء. وهو ها هنا للرجل الذي لا يتجه للحجة. الحلال: الجماعات.
ويقال حي حلال إذا كانوا متجاورين مقيمين. والعطر هنا: العرس المأقط: الموضع الضيق، والمأقط: الموضع الذي يقتتل فيه. وقال نافع بن خليفة الغنوي:
وخصم لدى باب الأمير كأنهم قروم فشا فيها الزوائر والهدر
دلفت لهم دون المنى بملمة من الدرّ في أعقاب جوهرها شذر
إذا القوم قالوا أدن منها وجدتها مطبّقة يهماء ليس لها خصر
القروم: الجمال المصاعب. الزوائر: الذين يزثرون. والهدر: صوته عند هيجه، ويقال له الهدير. دلفت، أي نهضت نهوضا رويدا. والدليف:
[ ١ / ١٥٧ ]
المشي الرويد. قوله أدن منها، أي قللها واختصرها. وجدتها مطبقة، أي قد طبقتهم بالحجة. واليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها الطريق. ويهماء ها هنا، يعني التي لا يهتدي إليها ويضل الخصوم عندها، (والأيهم من الرجال: الحائر الذي لا يهتدي لشيء. وأرض يهماء، إذا لم يكن فيها علامة) .
وقال الأسلع بن قصاف الطّهويّ:
فداء لقومي كل معشر حارم طريد ومخذول بما جرّ مسلم «١»
هم أفحموا الخصم الذي يستقيدني وهم فصموا حجلي وهم حقنوا دمي «٢»
بأيد يفرّجن المضيق وألسن سلاط وجمع ذي زهاء عرمرم
إذا شئت لم تعدم لدى الباب منهم جميل المحيا واضحا غير توأم
الزهاء: الكثرة، ها هنا. والعرموم من العرامة، وهي الشراسة والشدة.
التوأمان: الأخوان المولودان في بطن.
وقال التميميّ في ذلك:
أما رأيت الألسن السلاطا إن الندى حيث ترى الضغاطا «٣»
والجاه والأقدام والنشاطا
ذهب في البيت الأخير إلى قول الشاعر:
يسقط الطير حيث ينتثر الح بّ وتغشى منازل الكرماء
وإلى قول الآخر:
يرفضّ عن بيت الفقير ضيوفه وترى الغنى يهدي لك الزوارا
[ ١ / ١٥٨ ]
وأنشدوا في المعنى الأول:
وخطيب قوم قدموه أمامهم ثقة به متخمّط تيّاح
جاوبت خطبته فظل كأنه لما خطبت مملّح بملاح
المتخمط: المتكبر مع غضب. والتياح المتيح: الذي يعرض في كل شيء ويدخل فيما لا يعنيه. وقوله مملّح بملاح، أي متقبّض كأنه ملح من الملح.
وأنشد أيضا:
أرقت لضوء برق في نشاص تلألأ في مملأة غصاص
النشاص: السحاب الأبيض المرتفع بعضه فوق بعض، وليس بمنبسط.
تلألأ، التلألؤ: ظهور البرق في سرعة. مملأة بالماء غصاص: قد غصت بالماء.
لواقح دلّح بالماء سحم تمج الغيث من خلل الخصاص
اللواقح: التي قد لقحت من الريح. والدلح: الدانية الظاهرة المثقلة بالماء. سحم: سود. والخصاص، ها هنا: خلل السحاب.
سل الخطباء هل سبحوا كسبحي بحور القول أو غاصوا مغاصي
لساني بالنثير وبالقوافي وبالأسجاع أمهر في الغواص
(النثير: الكلام المنثور. القوافي: خواتم أبيات الشعر. الأسجاع:
الكلام المزدوج على غير وزن) .
من الحوت الذي في لجّ بحر مجيد الغوص في لجج المغاص
لعمرك إنني لأعف نفسي وأستر بالتكرم من خصاصي «١»
[ ١ / ١٥٩ ]
وأنشد لرجل من بني ناشب بن سلامة بن سعد بن مالك بن ثعلبة:
لنا قمر السماء وكل نجم يضيء لنا إذا القمران غارا «١»
ومن يفخر بغير ابني نزار فليس بأول الخطباء جارا «٢»
وأنشد للأقرع «٣»:
إني امرؤ لا أقيل الخصم عثرته عند الأمير إذا ما خصمه ظلعا
ينير وجهي إذا جد الخصام بنا ووجه خصمي تراه الدهر ملتمعا «٤»
وأنشد:
تراه بنصري في الحفيظة واثقا وإن صدّ عني العين منه وحاجبه
وإن خطرت أيدي الكماة وجدتني نصورا إذا ما استيبس الريق عاصبه
عاصبه: يابسه، يعتصم به حتى يتم كلامه. الكماة: جمع كميّ، والكميّ الرجل المتكمّي بالسلاح، يعني المتكفر به المتستر. ويقال كمى الرجل شهادته يكميها، إذا كتمها وسترها. وقال ابن أحمر وذكر الريق والاعتصام به:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه وقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال الزبير بن العوام، وهو يرقّص عروة ابنه:
أبيض من آل أبي عتيق مبارك من ولد الصدّيق
ألذه كما ألذ ريقي
[ ١ / ١٦٠ ]
وقالت امرأة من بني أسد:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
فمن كان يعيا بالجواب فإنه أبو معقل لا حجر عنه ولا صدد
أثاروا بصحراء الثوية قبره وما كنت أخشى إن تناءى به البلد
تناءى: تبعد. والثوية: موضع بناحية الكوفة. ومن قال الثوية فهي تصغير الثوية.
وقال أوس بن حجر في فضالة بن كلدة:
أبا دليجة من يوصي بأرملة أم من لأشعث ذي طمرين طملال
أم من يكون خطيب القوم إن حفلوا لدى الملوك أولي كيد وأقوال
و«هدمين: وهما ثوبان خلقان. يقال ثوب أهدام، إذا كان خلقا.
والطملال: الفقير. وقال أيضا فيه:
ألهفي على حسن آلائه على الجابر الحي والحارب
ورقبته حتمات الملو ك بين السّرادق والحاجب «١»
ويكفي المقالة أهل الدحا ل غير معيب ولا عائب «٢»
رقبته، أي انتظاره إذن الملوك. وجعله بين السرادق والحاجب ليدل على مكانته من الملوك. وأنشد أيضا:
وخصم غضاب ينغضون رؤوسهم أولي قدم في الشغب صهب سبالها «٣»
ضربت لهم أبط الشمال فأصبحت يردّ غواة آخرين نكالها
ابط الشمال، يعني الفؤاد، لأنه لا يكون إلا في تلك الناحية. وقال شتيم بن خويلد «٤»:
[ ١ / ١٦١ ]
وقلت لسيدنا يا حلي م إنك لم تأس أسوا رفيقا
أعنت عديا على شأوها تعادي فريقا وتبقي فريقا
زحرت بها ليلة كلها فجئت بها مؤيدا خنفقيقا
تأسو: تداوي، أسوا وأسى، مصدران. والآسي: الطبيب. ومؤيد:
داهية. خنفقيق: داهية أيضا. الشأو: الغلوة لركض الفرس.
وأنشد لآدم مولى بلعنبر، يقولها لابنه:
يا بأبي أنت ويا فوق البئب يا بأبي خصيك من خصي وزب
أنت الحبيب وكذا قول المحب جنبك الله معاريض الوصب
حتى تفيد وتداوي ذا الجرب وذا الجنون من سعال وكلب
والحدب حتى يستقيم ذو الحدب وتحمل الشاعر في اليوم العصب
على مباهير كثيرات التعب وإن أراد جدل صعب أرب
خصومة تثقب أوساط الركب أظلعته من رتب إلى رتب
حتى ترى الأبصار أمثال الشهب يرمى بها أشوس ملحاح كلب
مجرب الشدات ميمون مذبّ
الوصب: المرض. والعصب: الشديد. يقال يوم عصب وعصيب وعصبصب، إذا كان شديدا. مباهير: متاعيب قد علاهم البهر. أرب، يقال رجل أريب وأرب، وله أرب، إذا كان عاقلا أديبا حازما. أظلعته يقال ظلع الرجل، إذا خمع في مشيه. الرتبة: واحدة الرتب والرتبات، وهي الدرج.
أي تخرجه من شيء إلى شيء. والأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه.
ملحاح: ملح، من الإلحاح على الشيء. كلب، أي الذي قد كلب.
مذب. أي يذب عن حريمه وعن نفسه.
وقالت ابنة وثيمة، ترثي أباها وثيمة بن عثمان:
الواهب المال التلا د ندى ويكفينا العظيمه
ويكون مدرهنا إذا نزلت مجلحة عظيمه
[ ١ / ١٦٢ ]
واحمر آفاق السما ء ولم تقع في الأرض ديمه
وتعذّر الآكال حتى كان أحمدها الهشيمه
لا ثلة ترعى ولا إبل ولا بقر مسيمه
ألفيته مأوى الأرا مل والمدفّعة اليتيمه
والدافع الخصم الألدّ إذا تفوضح في الخصومه