ومن حق الملك أن لا يعاد عليه الحديث مرتين، وإن طال بينهما الدهر، وغبرت بينهما الأيام؛ إلا أن يذكره الملك؛ فإن ذكره، فهو إذن منه في إعادته.
وكان روح بن زنباعٍ يقول: أقمت مع عبد الملك سبع عشرة سنة من أيامه، ما أعدت عليه حديثًا.
[ ١١٣ ]
وكان الشعبي يقول: ما حدثت بحديث مرتين لرجلٍ بعينه قط.
وكان أبو العباس يقول: ما رأيت أحدًا أغزر علمًا من أبي بكر الهذلي، لم يعد علي حديثًا قط.
وكان ابن عياش يقول: حدثت المنصور أكثر من عشرة آلاف حديث. فقال لي ليلةً، وقد حدثته عن يوم ذي قارٍ: قد اضطررت إلى التكرار، يا ابن عياش! قلت: ما هذا منها يا أمير المؤمنين قال: أما تذكر ليلة الرعد والأمطار، وأنت تحدث عن ذي قار، فقلت لك: ما يوم ذي قار بأصعب من هذه الليلة؟
[ ١١٤ ]
وكان الشرقي بن الفطامي يعيد الحديث مرارًا، وذلك أن أكثر أحاديثه مضاحيك، وكانت تعجب المهدي فيستعيده.
[ ١١٥ ]
وكان ابن وأب، إذا حدث موسى أمير المؤمنين بالحديث، أعاده عليه في القابلة حتى يحفظه.
ويقال إنه لم يسامر الخلفاء أحد كان أنبل من عيسى بن دأب، ولا أتم صنعةً، ولا أحسن ألفاظًا، ولا أفكه مجلسًا، ولا أعظم أبهةً وقدرًا منه. وكان عيسى بن دأب يتكيء في مجلس أمير المؤمنين.
[ ١١٦ ]
ولم يكن هذا لأحدٍ. غير أنه يحكى أن روح بن زنباع مرض فكان يدعو له عبد الملك بن مروان بمتكأ.
وعلى المحدث للملك أن لا يجعل في كلامه، وأن يدمج ألفاظه، ولا يشير بيده،
[ ١١٧ ]
ولا يحرك رأسه، ولا يزحف من مجلسه، ولا يراوح بين قعدته، ولا يرفع صوته، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ولا يقبل على غير الملك بملاحظته، ولا يكون غرضه أن يسمع حديثه أو يفهم عنه سواه.