هي تلك التي يعمد فيها الكاتب إلى "تصوير ما يريد أو ما يخطر له أو ما يشاهد في أسلوب مؤثر، يتتبع فيه الدقائق، ويلاحق التفاصيل الصغيرة في المشهد، وينقل أثر ذلك في نفسه، وما يبعث في وجدانه من شجًى أو تخيل، فكأنه الرسام الموهوب يبدع لوحة غنية بتلك الألوان والتقسيمات والنقوش مما يلهم النفس من جميل المعاني، ويوحي إليها من ثَرِيِّ الحياة. وهي بهذا أشمل من قصرها على وصف الطبيعة، ومظاهر الكون، ومعالم الحياة "١.
والوصف المجرد من وجدان الكاتب وعاطفته ليس أدبًا، فعلى الأديب ألا يقتصر على وصف ما رأى، بل عليه أن ينقل لنا إحساسه وعاطفته بقدر ما يحرص على نقل الأفكار والمضمون من خلال عرضه وتحليله لما يقدم "فالبعد العاطفي والتحليلي عنصران مهمان في حركة الصورة الوصفية يميزانها عن غيرها من الصور المحفوظة المنقولة مادة بلا روح، وواقعًا بلا تفسير كما يفعل المصورون بالآلة اللاقطة"٢.
ومن كتابها: مصطفى لطفي المنفلوطي، ومصطفي صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، والعقاد، ويحيى حِقِّي.. وغيرهم.
ومن نماذجها: ما كتبه مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم" تحت عنوان "موت أم":
"رجعت من الجنازة بعد أن غبرت قدمي ساعة في الطريق التي ترابها تراب وأشعة، وكانت في النعش لؤلؤة آدمية محطمة٣، هي زوجة صديق طحطحتها
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الله العوين: المقالة في الأدب السعودي الحديث، ص٣٥٢. ٢ المرجع السابق، ص٣٥٣. ٣ هي زوجة صديقه الأستاذ حسنين مخلوف.
[ ١٧٧ ]
الأمراض، ففرقتها بين علل الموت، وكان قلبه يحييها، فأخذ يُهلكها، حتى إذا دنا أن يقضي عليها، رحمها الله فقضى فيها قضاءه. ومن ذا الذي مات له مريض بالقلب ولم يَره من قلبه في علة، كالعصفورة التي تهتلك تحت عينيْ ثعبان سلط عليها سموم عينيه.
كانت المسكينة في الخامسة والعشرين من سنها، أما في قلبها ففي الثمانين أو فوق ذلك. هي في سن الشباب، وهو متهدم في سن الموت.
وكانت فاضلة تقية صالحة، لم تتعلم، ولكن علمتها التقوى الفضيلةَ، وأكمل النساء عندي ليست هي التي ملأت عينيها من الكتب. فهي تنظر إلى الحياة نظرات تحل مشاكل وتخلق مشاكل، ولكنها تلك التي تنظر إلى الدنيا بعين متلألئة بنور الإيمان، تقرأ في كل شيء معناه السماوي، فتؤمن بأحزانها وأفراحها معًا، وتأخذ ما تعطي من يد خالقها رحمة معروفة، أو رحمة مجهولة، وهذه عندي امرأة، وتكون الزوجة، ومعناها القوة المسعِدة، وتصير الأم ومعناها التكملة الإلهية لصغارها وزوجها ونفسها١.
_________________
(١) ١ مصطفي صادق الرافعي: وحي القلم، ط ٧، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، د. ت، ٢: ١٦٢، ١٦٣.
[ ١٧٨ ]