وهي المقالة التي تصور انطباعات كاتبها عن مشاهد رآها، أو ناس عاشرهم وعاش معهم أو قرأ أو سمع عنهم، أو عن حيوانات وقع نظره عليها وسجل انطباعات عنت له عنها، وعن شيء أثار انتباهه، أو شيء قرأه وأثاره، فأراد التعليق عليه.
وهذا اللون من الكتابة يحتاج إلى عقل لاقط، قادر على الاكتشاف والرؤية، حتى يستطيع أن يدرك الأشياء التي وقع عليها بصره، فيبصر مكامن الخلل فيها أو الجدة، أو يقترح الحلول لما يرى من مثالب.
[ ٢٠٠ ]
ومن كتاب هذه المقالة: أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، وعبد العزيز البشري، وميخائيل نعيمة، ومصطفى أمين، ومصطفى محمود، ومحمد فهمي عبد اللطيف، وأحمد بهجت.. وغيرهم.
ومن نماذجها مقالة "الأفغاني: بين الحقيقة والافتراء" لأحمد بهجت، حيث عبر فيها عن انطباعه عن مقالات قرأها للويس عوض عن "الأفغاني" في مجلة "التضامن" اللندنية١ ملأها بالتخرصات والاتهامات، تحت عنوان "الإيراني الغامض"٢. وهذا نص مقالة أحمد بهجت٣.
الأفغاني: بين الحقيقة والافتراء
للأستاذ أحمد بهجت
أيها السادة المثقفون! لقد كنا ضحية خديعة فاجعة، كنا جميعًا مخطئين حين تصورنا أن السيد جمال الدين الأفغاني رجل يوزع السعوط بيمناه، وينشر الثورة بيسراه.
كنا مخدوعين حين تصورنا أن جمال الدين الأفغاني ثائر إسلامي، ومصلح اجتماعي، ورجل دين عظيم، أيقظ الشرق من سباته.
بينما هو إيراني، وليته كان إيرانيًّا فحسب، إنما هو الإيراني الغامض وهو غامض لأنه أفاق، مغامر، متلون.
هذا الاكتشاف "الهزلي" الجديد، يدين بوجوده للدكتور لويس عوض، كشف عنه في سلسلة المقالات التي يكتبها لمجلة عربية تصدر في لندن.
_________________
(١) ١ نشرت في الفترة من ١٦ أبريل إلى ١٠ سبتمبر ١٩٨٣م، انظر "لويس عوض ومعاركه الأدبية" لنسيم مجلي، ص٤٢٦. ٢انظر د. حلمي محمد القاعود: لويس عوض، الأسطورة والحقيقة، ص ٢٩٩، ٢٣٣.
(٢) الأهرام ٢٩ /٨ / ١٩٨٣م.
[ ٢٠١ ]
ويسمي الدكتور لويس ما ينشره بحثًا جرئيًا! والأصل في البحث أن يتحرى الحقيقة، ويحلل الأحداث والمواقف، ويضيء جوانب كانت غامضة، بهدف نهائي هو اكتشاف الحقيقة.
أما بحث الدكتور لويس فليس كالبحوث، فهو بحث جريء، ومن ثم فهو لا يلتزم بأصول البحث، ولا يرجع إلى المراجع! بل يستند إلى مراجع تشبه تقارير المخبرين السريين التي يكتبونها عن ثائر، فيصفونه بكل رذيلة وشر، ويسندون إليه كل نقيصة وبلية. وشر البلية ما يضحك.
ويبذل الدكتور لويس عوض جهدا كبيرا في بحثه المزعوم، بينما الحقيقة أنه يرسم صورة كاريكاتيرية للأفغاني، صورة تفتقر إلى الفن، وإن كان هدفها السخرية، والتشويه، وإسقاط الاحترام.
ويبدو عبث المحاولة في الجهد الشديد الذي يبذله الدكتور لويس وهو يلوي عنق الأحداث، ويكتشف منها ما يحاول به تشويه صورة الأفغاني، فهو في البداية والنهاية إيراني غامض، يتسلل وسط الظلام مدججًا بالمؤامرات.
[ ٢٠٢ ]